354
0
783
0
1319
0
1635
0
669
0
5
0
14
0
2
0
10
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13628
0
13468
0
12292
0
12177
0
9632
0


حوار: محمد يحيى عسيري
“الرجل المؤسسة” هذا هو أدق الاوصاف إن أحببت توصيفه، في زمن تتسارع فيه المعلومات، ينشغل هو ببناء ما هو أبطأ وأدق: مؤسسات بحثية، ودور نشر تعنى بالوثائق التاريخية.
لم يأتِ من منطلق “حفظ التراث” كشعار، بل كمسألة تنظيمية ومنهجية، سؤاله الأساسي: كيف نحول المخطوطة من رفٍ مغلق إلى مصدرٍ قابل للتحقق والنشر؟ من هنا بدأ اشتغاله على تأسيس مراكز بحوث، وتطوير سياسات نشر علمي، تضع الوثيقة في قلب العملية البحثية لا على هامشها.
في هذا الحوار نحاول أن نفهم: ما معوقات بناء مؤسسات البحث في العالم العربي عن دور النشر وما يعيقها من مصاعب؟ وعن الكتاب الورقي مستقبله إلى أين؟ نصائحه للباحثين الشباب.. وما الفرق بين “جمع الوثائق” و”إحياء النص”؟ والكثير الكثير من الموضوعات ذات الصلة.. ضيفنا الأستاذ محمد بن سالم بن علي جابر، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مركز حضرموت للدراسات التاريخية ومؤسس ورئيس مجلس إدارة دار الوفاق الحديثة للنشر والتوزيع، ومركز عدن للدراسات التاريخية، ومؤسسة الموسوعة اليافعية والمشرف العام على مجلات: حضرموت الثقافية، ودراسات تاريخية، ويافع الثقافية، ورئيس تحرير شبكة الألوكة الثقافية منذ تأسيها عام 2007 حتى نهاية عام 2018م. وله عدد من المؤلفات في التاريخ والتربية والتراجم، وغيرها.
١/ حدثنا عن تكوينك العلمي منذ النشأة وكيف تشكّل لديك الاهتمام بالتاريخ والتراث وما أثر البيئة (حضرموت/السعودية) في تشكيل الوعي التاريخي لديك؟
وُلدت في بيئةٍ حضرميةٍ مشبعةٍ بحضور التاريخ الحي في العادات واللغة والعمارة والذاكرة الشفوية، ثم امتدّ مسار حياتي بين حضرموت والمملكة العربية السعودية، فحملتُ في الوعي طبقتين متداخلتين من التجربة: حضرموت بوصفها حاضنة ذاكرة، والسعودية بوصفها فضاء الدولة الحديثة ومشروعها الثقافي. في البيت والمسجد والمجالس العامة كان الحديث عن الأنساب والقبائل والوقائع القديمة جزءاً من الحياة اليومية، هذا جعل التاريخ بالنسبة إليّ سؤالاً عن الهوية قبل أن يكون حقلاً أكاديمياً.
في سنوات الدراسة الأولى تشكّل لدي وعيٌ مبكر بأهمية الكتاب والمكتبة، فكان الاقتراب من المصادر التاريخية والفقهية والأدبية بوابةً إلى إدراك أن التراث الإنساني رصيد معرفي يمكن توظيفه في الحاضر إذا أُحسن فهمه ونقده. وبحكم إقامتي في السعودية، وجدت نفسي أمام تجربة دولةٍ ترسم رؤيتها للمستقبل (اليوم في إطار رؤية 2030) وتستدعي تاريخها وذاكرتها الوطنية، فزاد ذلك من قناعتي بأن الوعي التاريخي شرطٌ لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية وصياغة مشروع حضاري متوازن.
٢/ ماذا عن طريقك في الانتقال من طلب العلم إلى إنتاج المعرفة؟ أخبرنا عنه.
مرحلة طلب العلم عندي لم تتوقف عند التحصيل النظامي، بل امتدت إلى القراءة الحرة وملازمة العلماء والباحثين وغشيان مجالس النقاش، وهي مرحلةٌ اتسمت بجمع المادة وتوسيع الأفق أكثر من الحرص على المنتَج. لكنّ النقلة الحقيقية بدأت حين اكتشفت أن إعادة ترتيب المادة وتحليلها، وربط الوثائق ببعضها، وتحويل الملاحظات الهامشية إلى أسئلة بحثية، هو ما يصنع الفرق بين طالب العلم ومنتِج المعرفة.
من هنا عملت على تأسيس دور النشر والمراكز المتخصصة، حيث انتقلت من دور القارئ والباحث الفرد إلى دور المحرر والمنسق والمشرف على فرق بحثية ومشروعات تحقيق وتأريخ متعددة، ما جعل من إنتاج المعرفة عمليةً جماعيةً ومؤسسية.
٣/ ما التحديات التي تواجه الوثائق العربية عمومًا واليمنية على وجه الخصوص، كذلك التحديات التي تواجه تحقيق التراث العربي اليوم. وما الفرق بين “النشر” و”الإحياء العلمي للنص”؟
الوثائق العربية عامة واليمنية على وجه الخصوص تواجه جملة من التحديات؛ في مقدمتها تشتّت الأرصدة بين الأرشيفات الرسمية والمجموعات الخاصة داخل الوطن وفي المهجر، والضعف الفني في مستوى بيئة الحفظ المحاية، والتهديدات الناتجة عن الحروب والاضطراب السياسي وسوق الاتجار غير المشروع، تضاف إلى ذلك صعوبات الفهرسة العلمية، وندرة الكوادر المدرَّبة على قراءة الخطوط القديمة وتحليل الوثائـق في سياقها الاجتماعي والإداري، ما يجعل كثيراً من الرصيد الوثائقي غائباً عن التداول العلمي الفعّال.
أما تحقيق التراث العربي اليوم فيواجه مشكلات موازية: النصوص المكررة، وغياب المعايير المنهجية الصارمة في اختيار النصوص ذات الأولوية، وضعف التنسيق بين المحققين والمؤسسات، إضافة إلى ضغط سوق النشر الذي يدفع أحياناً إلى الاستسهال على حساب الدقة العلمية في كثير من الأحيان يُنظر للتحقيق باعتباره جهداً فردياً بطولياً، بينما هو في جوهره عملٌ جماعي يحتاج إلى مختصين في النص، واللغة، والتاريخ، والنسخ، وعلوم الضبط والفهرسة.
الفرق بين «النشر» و«الإحياء العلمي للنص» جوهري؛ فالنشر قد لا يتجاوز نقل النص من المخطوط إلى المطبوع أو الرقمي مع حدٍّ أدنى من التصحيح والإخراج، بينما الإحياء العلمي يعني: تحقيق النص على أصوله بأعلى قدر من الضبط، وشرح غريبِه، وتوثيق شواهده، ووضعه في سياقه التاريخي والفكري، مع فهارس علمية تعيد إدماجه في حركة البحث المعاصر، بهذا المعنى، الإحياء العلمي للنص هو إعادة إدخال النص في دورة الحياة العلمية، وهذا أعمق من مجرد إخراجه إلى السوق بوصفه سلعة ثقافية كما يراه الكثير من الناشرين.
٤/ نريد معرفة تجربتك في تأسيس وإدارة المراكز البحثية وكيف يتحول الجهد الفردي إلى عمل مؤسسي مستدام؟
تجربتي في تأسيس المراكز البحثية – من مؤسسة الموسوعة اليافعية إلى مركزي حضرموت وعدن للدراسات التاريخية ودار الوفاق للدراسات والنشر، انطلقت من قناعة بأن الجهد الفردي مهما بلغ لن يستطيع مراكمة أثرٍ مستدام دون إطار مؤسسي. بدأت الفكرة من مشروعٍ بحثيٍّ محدد، ثم تحولت إلى رؤية ورسالة وبرامج عمل، مع بناء هيكل إداري واضح وشراكات مع جامعات ومؤسسات رسمية وأهلية.
سرّ التحول من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي يكمن في ثلاثة عناصر: وضوح الرسالة، وتوزيع الأدوار، وبناء فريق ثابت من الباحثين والفنيين والإداريين يمكن تطويره على المدى الطويل.
بهذه الطريقة لم تعد المبادرات مرتبطة بزمن المؤسس أو جهده الشخصي، بل أصبحت كيانات قادرة على الاستمرار واستقبال أجيال جديدة من الباحثين، وتطوير برامجها وفق خطط استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى.
٥/ برأيك ما إشكالات العمل الثقافي في العالم العربي (التمويل، الكوادر، الاستمرارية)؟
العمل الثقافي في العالم العربي يواجه إشكالات متشابكة؛ فالتمويل الرسمي غالباً موسمي أو مرتبط بأشخاص لا برؤى طويلة المدى، ما يجعل المشروعات عرضة للتوقف مع أول تغير في المزاج العام أو الأولويات، والكوادر تعاني من فجوة بين الطموح والتأهيل؛ إذ لا تزال هناك حاجة كبيرة لبناء جيل من الإداريين الثقافيين القادرين على إدارة المؤسسات وفق معطيات العصر وتقنياته.
أما الاستمرارية فهي نتيجة طبيعية لاختلال هذين العاملين؛ غياب نماذج التمويل المستدام، وضعف التأسيس المؤسسي المحكم يجعل كثيراً من المشروعات الثقافية لامعة في البداية ثم تتلاشى. من تجربتي، الحل يكمن في الجمع بين الدعم الرسمي والرعاية المجتمعية، مع نموذج حوكمة يضمن الاستقرار ويُخضع العمل الثقافي لمعايير مهنية، لا لانفعالات اللحظة.
** الذاكرة الثقافية ليست مجرد مخزن للحكايات!
٦/ حدثنا عن مفهوم “الذاكرة الثقافية” في السياق العربي وعلاقة التاريخ بالهوية الوطنية في السعودية. كيف نقرأ التاريخ بعيداً عن التوظيف الأيديولوجي؟
الذاكرة الثقافية في السياق العربي ليست مجرد خزان من الحكايات والأمثال، بل شبكة من الرموز والنصوص والوقائع التي تتوارثها الأجيال وتُعاد قراءتها في ضوء الحاضر، في السعودية، يشكّل التاريخ – من التجربة الوحدوية إلى مسار الدولة الحديثة – عنصراً أساسياً في بناء الهوية الوطنية، لا سيما مع المشاريع الراهنة التي تعيد تقديم المواقع التاريخية والتراث العمراني والقصص الوطنية ضمن رؤية2030.
قراءة التاريخ بعيداً عن التوظيف الأيديولوجي تبدأ من الإقرار بأن التاريخ ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل مجال للفهم والتفسير النقدي. المطلوب هو الجمع بين احترام الرموز الوطنية وتقدير إنجازاتها، وبين القدرة على تحليل السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بموضوعية، مع تنويع المصادر والابتعاد عن القراءة الأحادية التي تحوّل التاريخ إلى أداة دعاية بدلاً من كونه مجالاً للمعرفة.
٧/ من خلال تجربتك هل لك أن تخبرنا عن واقع النشر العربي من الداخل؟
من داخل تجربة النشر العربي أستطيع القول إن الصناعة قطعت شوطاً مهماً من حيث عدد دور النشر والتنوع الموضوعي، لكنها لا تزال في حاجة إلى نقلة نوعية في المهنية والحوكمة وسلاسل القيمة الكاملة (تحريراً، وتصميماً، وتوزيعاً، وتسويقاً). كثير من دور النشر تُدار بعقلية «المطبعة» أكثر من كونها مؤسسات صناعة معرفة، ما يؤثر على جودة المنتج وعلى علاقة الناشر بالمؤلف والقارئ.
هناك أيضاً فجوة بين حركة التأليف وحركة الترجمة والتسويق؛ فالكتاب العربي غالباً لا يُمنح حياته الكاملة في السوق العربي الواسع، بل يبقى محصوراً في مدن أو معارض محددة، هذا يحدّ من أثره ويدفع بعض الناشرين إلى التركيز على العناوين التجارية السريعة، مع ذلك، توجد تجارب جادة ومضيئة تحاول أن تبني نماذج احترافية جديدة، وتوظف التكنولوجيا والتسويق الرقمي لإعطاء الكتاب العربي حضوراً أوسع.
٨/ أزمة المحتوى مقابل أزمة التوزيع.. أيهما أخطر على مستقبل الثقافة برأيك؟
في تقديري، الأزمتان متداخلتان، لكنّ أزمة التوزيع أخطر على المدى القريب؛ فثمة محتوى جيد وجاد لا يصل إلى القارئ العربي بسبب ضعف شبكات التوزيع، وارتفاع تكاليف الشحن، وتعقيدات الحدود والأسواق، التوزيع اليوم لم يعد مسألة شاحنات ومستودعات فقط، بل يشمل الحضور الرقمي، ومنصات البيع الإلكتروني، واستراتيجيات التسويق، وهذه الجوانب لا تزال متعثرة في كثير من دور النشر.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أزمة المحتوى حين ينشغل جزء من السوق بالسطحيات على حساب الأعمال المؤسسة، لكن إذا أُصلحت قنوات التوزيع ووُجد قارئ واعٍ ومؤسسات نقدية فاعلة، فإن المحتوى الجاد سيجد طريقه ويخلق توازناً في المشهد الثقافي.
** الكتاب الورقي سيعيد تعريف نفسه.
٩/ كمؤسس ورئيس دار نشر برأيك هل سيزدهر مستقبل الكتاب الورقي أم أنه سينكمش في ظل التحول الرقمي؟
لا أرى أن الكتاب الورقي سيختفي، بل سيعيد تعريف نفسه ويقتصر أكثر على ما يستحق أن يُقتنى ويُحتفظ به، فيما تتوسع الوظائف التي يمكن أن ينهض بها النشر الرقمي من حيث الوصول والبحث والتحديث، تجربتنا في النشر أظهرت أن القارئ العربي لا يزال يرتبط بالكتاب الورقي نفسياً وجمالياً، خاصة في مجالات التراث والوثائق والدراسات الإنسانية التي تحتاج إلى تعامل حسي مع النص والصورة والهوامش.
المستقبل الأقرب هو التكامل لا الإحلال؛ كتاب ورقي محكَم الإخراج لمن يقتني، ونسخ رقمية بحثية ولـلطـلبة والباحثين، ومنصات تتيح الوصول متعدد الأشكال إلى المحتوى نفسه، التحدي أمام الناشر هو أن يطوّر نماذج عمل تضمن حقوق المؤلف والناشر في البيئة الرقمية، وتفتح في الوقت ذاته أفقاً أوسع لانتشار المعرفة.
** (الرقمنة) سلاح ذو حدين.
١٠/ ما فرص ومخاطر الرقمنة على المخطوطات؟
الرقمنة منحت المخطوطات فرصاً غير مسبوقـة؛ إذ أتـاحت حـفظ نـسخ عالية الجودة، وتقليل الاحتكاك بالأصول الهشة، وتوسيع دائرة الوصول أمام الباحثين من أنحاء العالم، وتمكين البحث النصي والتدقيق المقارن بين النسخ، كما فتحت الباب أمام مشاريع الفهرسة الإلكترونية وقواعد البيانات التي لم تكن ممكنة في ظل الحفظ الورقي وحده.
لكن الرقمنة تحمل مخاطر إذا لم تُدر بمسؤولية، من أبرزها وهم «الاطمئنان» إلى النسخة الرقمية وإهمال صيانة الأصل، وإشكالات الملكية الفكرية، واستبعاد بعض المجموعات من الإتاحة بدوافع تجارية أو سياسية، كما أن التوسع في الرقمنة دون معايير علمية وفنية (دقة التصوير، بيانات الوصف، الصيغ المفتوحة) قد ينتج أرشيفاً رقمياً هشّاً لا يصمد زمنياً، رغم الجهد والمال المبذول فيه.
** هكذا يجب توظيف التراث العمراني في التنمية الثقافية.
١١/ كباحث ومؤرخ كيف تنظر للعمارة التقليدية وكيف تصف دورها في فهم التاريخ الاجتماعي؟ وكيف يمكن توظيف التراث العمراني في التنمية الثقافية؟
العمارة التقليدية بالنسبة إليّ نص بصري يكتب تاريخ المجتمع: توزيع الفراغات، والمواد المستخدمة، وعلاقة البيت بالمسجد والسوق، كلها مؤشرات على أنماط العيش والقيم والعلاقات الاجتماعية، وحضرموت متحف مفتوح يحدثنا عن العمارة الطينية وناطحات السحاب والإنسان الذي عاش فيها، ويكشف لنا عن اقتصاديات البحر والهجرة، وعن دور الوقف، وعن التحولات في الذوق الجمالي والعلاقة مع البيئة.
توظيف التراث العمراني في التنمية الثقافية يمر عبر حمايته وترميمه بطريقة تحافظ على أصالته، ثم إدخاله في برامج التعليم والسياحة الثقافية والفعاليات الإبداعية، حين يتحول الحي التاريخي أو القصر أو الرباط إلى فضاء حي للفنون والبحوث والزيارات المدرسية، يصبح رافعة لهوية المكان واقتصاده في آن واحد.
١٢/ كيف تمكنتم من إدارة الفرق البحثية وبناء الكفاءات، كذلك صناعة الباحث الشاب والتحديات التي قد تعترض طريقه؟
إدارة الفرق البحثية هي فنّ الجمع بين وضوح المشروع وإطلاق روح المبادرة لدى الأفراد؛ في مراكزنا اعتمدنا على توزيع الأدوار بوضوح، مع لقاءات دورية للمراجعة، وأدوات متابعة منهجية لضبط تقدم الأعمال، كل مشروع بحثي أو توثيقي يُعدّ فرصة تدريبية؛ نحرص أن يشارك فيه باحثون شباب إلى جانب أصحاب الخبرة، ليتعلموا عملياً من خلال الممارسة لا من خلال النظريات فقط.
صناعة الباحث الشاب تحتاج إلى ثلاثة أمور: تأسيس علمي متين في اللغة والمنهج، وإتاحة المجال له ليخطئ ويتعلم ضمن بيئة آمنة، وربطه مبكراً بشبكة من الزملاء والمشرفين والمؤسسات، ومن التحديات الرئيسة أمامه: ضغوط الحياة المادية، وإغراءات الشهرة السريعة، وقلة الصبر على المشروعات طويلة النفس، وهي تحديات لا يتجاوزها إلا من اتخذ البحث رسالة وليس مجرد وظيفة عابرة.
١٣/ بعد الاحتفال مؤخراً بمرور ١٠ سنوات على تأسيسه.. أين ترى موقع الدراسات التاريخية ضمن الحراك الثقافي في ظل رؤية 2030؟
بعد مرور عشر سنوات على تأسيس مركز حضرموت وغيره من المبادرات التي شاركنا فيها، أستطيع القول إن الدراسات التاريخية أصبحت أكثر حضوراً في الحراك الثقافي، خاصة مع اهتمانا ومتابعتنا للاهتمام الرسمي في المملكة العربية السعودية بالتراث الوطني والبرامج التي تربط التاريخ بالهوية والسياحة والثقافة، فقد استفدنا كثيرا من رؤية السعودية 2030 التي أعادت وضع التاريخ في قلب مشروع التنمية، باعتباره مصدراً لفهم تنوع المجتمع السعودي وجذوره وربطه بعالمه الأوسع.
في هذا السياق، يتعاظم دور المراكز المتخصصة في توثيق التاريخ المحلي والإقليمي، وتحقيق النصوص، وإتاحة الوثائق، وإنتاج الدراسات التي تساعد صانع القرار والمجتمع في اتخاذ خيارات واعية، التحدي المقبل هو تحويل هذه الدراسات من حقل نخبةٍ ضيقة إلى ثقافة عامة، عبر التعليم والإعلام والمنصات الرقمية.
١٤/ ما المشروع الذي ترى أنه لم يُنجز بعد؟ وما أولوياتك في السنوات القادمة؟
كل تجربة بحثية حقيقية تحمل بداخلها شعوراً بأن ما لم يُنجز أكثر مما أُنجز؛ في حالتي أرى أن مشروع الفهرسة الشاملة والمنهجية للوثائق والمخطوطات المتعلقة بتاريخ حضرموت والجزيرة الجنوبية لا يزال في بداياته، رغم ما تحقّق.
هناك أيضاً حاجة إلى مشروعات كبرى لكتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، اعتماداً على الوثائق والعمارة والذاكرة الشفوية، لا على الرواية السياسية وحدها.
أولوياتنا في السنوات القادمة تتركز في ثلاثة مسارات: تعميق العمل المؤسسي للمراكز القائمة وتوسيع شراكاتها، استكمال بعض المشروعات البحثية الكبرى في التاريخ والوثائق والبلدان والأعلام، والمساهمة في إعداد جيل جديد من الباحثين القادرين على حمل هذه المشاريع إلى ما بعد الجيل المؤسس.
** يجب الانفتاح على الأسئلة الجديدة، ومساءلة المصادر.
١٥/ ما رسالتك للجيل الجديد من الباحثين؟
رسالتي للجيل الجديد من الباحثين.. أن يجمع بين أمرين يبدو أن الجمع بينهما صعب، لكنه ممكن: الإخلاص للمنهج والصرامة العلمية من جهة، والانفتاح على الأسئلة الجديدة وأدوات العصر من جهة أخرى، لا يكفي أن نكرر ما كتبه السابقون، كما لا يكفي أن ننبهر بالتقنيات الرقمية دون مضمون؛ المطلوب أن نطوّر أسئلتنا وأن نسائل المصادر، وأن نستخدم ما توفره الرقمنة من أدوات للبحث والتحليل، مع الحفاظ على الحس النقدي والاستقلال الفكري.
كما أدعوهم إلى الصبر؛ فالبحث الجاد يحتاج إلى وقت طويل، وقد لا تظهر نتائجه فوراً، لكن التاريخ يكتب عادةً بأقلام من يعملون بصمتٍ وعمق، لا بأصوات الضجيج العابر. وليتذكّروا دائماً أن العمل المعرفي في عالمنا العربي اليوم، جزء من مسؤولية جماعية لصوغ مستقبل أكثر وعياً وعدلاً واتزاناً.
