الأكثر مشاهدة

إعداد حصة البوحيمد – أشواق الرقيب شهد الشعر السعودي خلال السنوات الأخيرة ح …

الهايكو السعودي.. توطينٌ للإبداع أم استنساخٌ دخيل؟

منذ 3 ساعات

14

0

إعداد حصة البوحيمد – أشواق الرقيب

شهد الشعر السعودي خلال السنوات الأخيرة حضورًا لافتًا لنصوص الهايكو، حتى أصبح هذا الفن أحد أكثر الأشكال الشعرية تداولًا في بعض المنابر الأدبية ووسائل التواصل. وبين من يرى فيه إضافة نوعية تثري المشهد الشعري المحلي، ومن يعدّه استنساخًا لنموذج جمالي نشأ في بيئة ثقافية مختلفة، تبرز عدة تساؤلات حول العلاقة بين الهايكو والهوية الشعرية السعودية.
فرقد الإبداعية طرحت هذه التساؤلات على نخبة من الشعراء والنقاد، من خلال المحاور التالية:
1. هل نجح الهايكو السعودي في التعبير عن خصوصية المكان والثقافة والإنسان السعودي؟
2. هل يمثل الهايكو إضافةً نوعية للمشهد الشعري السعودي أم مجرد محاكاة لنموذج أدبي وافد؟
3. إلى أي مدى حافظ الهايكو السعودي على العمق الشعري في ظل اعتماده على التكثيف والاختزال؟
4. هل يمكن الحديث اليوم عن «هايكو سعودي» ذي ملامح مستقلة؟ أم أن التجربة لا تزال في طور التشكيل؟

المحاكاة العمياء لا تبيّئ الفنون

يستفتح حوارنا حول هذا الفن د.أحمدالقيسي رئيس نادي الهايكو السعودي، بقوله:

على الرغم من قصر التجربة، فإن الهايكو في المملكة العربية السعودية بدأت تتشكل ملامحه مع مجموعة من المبدعين وجدوا أنفسهم في هذا النص، وأيقنوا أن هذا االشكل التعبيري المغاير قادر على صياغة ما يعتمل في أنفسهم أكثر من أي شكل آخر، وهذا ما يهيئ لهذا النص أرضية في أية ثقافة.

أستطيع أن أقول إن الهايكو عبر عن هوية المثقف السعودي، على قلة نصوصه بحكم حداثة التجربة، فبحوزتي عدد لا بأس به من النصوص التي تثبت أن الهايكو في المملكة فُهِمَ فهماً دقيقاً، ولعلي ألمس في كثير من إبداعات كُتَّابه تفاعلاً مع المحيط الذي يعيشون فيه، فالثيمات الثقافية حاضرة في النص، كالجمل والخيمة، وبيت الطين، والنخلة والسدرة والكادي وغيرها. ومن المؤكد أن أي فن عالمي لا بد أن يُحَاكَى في بدايته، لكن يجب أن ندرك أن المحاكاة العمياء لا تبيئ الفنون، فلا يمكن للذائقة تقبل نص يشبه إلى حد كبير النصوص المترجمة، النص يفقد روحه بمثل هذه المحاكاة، ولا أخفيك أن كثيراً ممن كتبوا الهايكو العربي حاكوا نصوصاً مترجمة، وما زالوا، ربما التزموا بسمات الهايكو، لكنها تظل نصوصاً بلا روح، لا تتقبلها الذائقة العربية، لأنها تفتقد إلى عنصر مهم، وهو الأدبية، فلا قيمة لتلك النصوص. وعلى كل من كتب الهايكو أن يعيد النظر في نصه من هذا الجانب، فسنكتشف في قادم الأعوام أن أكثر مَن طرقوا باب الهايكو هم المستسهلون.

ربما يختلف الأمر عند معظم المبدعين السعوديين، فقد حرصوا كل الحرص على فهم النص، والإبداع فيه من منطلق أدبي، بعيداً عن الاستسهال. وسيكتشف المتلقي في قابل الأعوام أن الهايكو إضافة نوعية للمشهد الأدبي السعودي.

وعن الاختزال والتكثيف في هذا الفن يقول د. أحمد: كثيرة هي الفنون التي تقوم على التكثيف والاختزال، وليس الهايكو وحده، وعلينا أن ندرك أن الاقتصاد اللغوي لا يقف حائلاً دون الإبداع، فالمبدع الحقيقي لن يعجز عن إدهاش المتلقي في عبارات قصيرة، ولا يشعر بهذا التحدي إلا الدخلاء على هذه الفنون. فقد فهم بعضهم عبارة أن الهايكو “نص متقشف” على أنها تنفي عنه صفة الإبداع، وللأسف وجدت ممن يصفون أنفسهم بأنهم نقاد يروجون لهذه الأقاويل الباطلة، ويدفعون للساحة بنصوص هشة فارغة زعماً بأنها نماذج مثالية للهايكو.

ينظر المبدع السعودي للهايكو بصفته نصاً أدبياً، يتطلب الإبداع قبل كل شيء، لذلك أثق أن التجربة السعودية ستكون أنموذجاً ناجحاً يُحتذَى به عربيّاً، ولا أنكر أن الأسماءالعربية التي أبدعت كثيرة، ونادي الهايكو السعودي يحتفي بها.

كيف لا يمكننا الحديث عن هايكو سعودي واضح الملامح، وبيننا مَن كتبه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهي الدكتورة خيرية السقاف، كذلك بيننا من كتب الهايكو منذ عشرين عاماً كمحمد آل فاضل وعبدالله العنزي، ويحسب للهايكو السعودي أيضاً أن من جملة مَن كتبوه شعراء وأدباء عرفتهم الساحة الأدبية بغير الهايكو مثل حيدر العبدالله وحسن القرني ومحمد خضر وأحمد كتوعة وسهام العبودي وغيرهم.

وهنا نماذج من هذا الفن الصاعد بأقلام سعودية: 

على حبة الإقط

أتذوق

أصابع جدتي

(عبدالله العنزي)

حتى الجدار المتهالك

مر به

الربيع

(خيرية السقاف)

كل ذلكَ الوقت

أينَ تختبئينَ

يا ابنةَ المطر؟

(أحمد القيسي)

ظهيرة

تلطف قيلولتي

برودة البيتِ الطيني

(محمد آل فاضل)

صورةٌ قديمة

جدي في الحقل

والسدرة ما زالت صيية

(محمد آل فاضل)

صقرٌ وراء حبارى

ظلَّ ريشهما

مُعلقاً

(حيدر العبدالله)

عند بابك

ظلي أيضاً

يطرق الباب

(سهام العبودي)

فجراً

تعكر صمتَ الأزقة

مشيتي والنباح

(أحمد القيسي)

الهايكو إضافة جمالية لا بديل لجنس آخر  

وللأستاذ محمد آل فاضل نائب رئيس نادي الهايكو السعودي تجربته ورأيه الخاص حول هذا الفن العالمي المستوحى من الطبيعة، حيث قال: نجح الهايكو السعودي إلى حد معقول رغم قلة التجارب لكنها مميزة. الهايكو نص عالمي مرتبط كثيرًا بالطبيعة وأينما وجد الإنسان بإمكانه أن يكتب متأثرًا بالبيئة المحيطة، ولا ننس هايكو الحياة اليومية الذي يعبر عن لقطات ومشاهدات عابرة تُكتب من زوايا فنية.
والهايكو إضافة جمالية للمشهد الشعري وليس بديلًا لأي جنس أدبي آخر، وليس محاكاة بقدر ما هو “كاميرا يابانية” تلتقط الصور بإبداع المصور “الشاعر”.
وفي رأيي أنه لا تعارض بين العمق الشعري والتكثيف والاختزال الذي يلتزم به نص الهايكو؛ حيث يغدو النص كالقمحة التي تحتضن في قلبها كل الحقول.
ويمكن الحديث عن هايكو سعودي ذي ملامح مستقلة يقوده نادي الهايكو السعودي ويشارك فيه عدد متزايد من الأدباء ويدعمه بعض النقاد الكبار ويرحبون به كقالب شعري جديد وممتع.
هنا بعض نصوص الهايكو بأقلام سعودية:
بصمتٍ
يبتلعُ الكثيبُ
قدمي
⁃ عبدالله العنزي

بلا تذاكر 
حفلةٌ موسيقية تُحييها
أوركسترا العصافير
⁃ محمد آل فاضل

“سوق الليل”
المسابيح
يلاعبها النسيم
⁃ عطاف سالم

ما أنتِ
لولا الشذى
يا زهرة الكادي؟
⁃ د. أحمد القيسي

  تجربة واعدة ما زالت تبحث عن بصمتها

ويشاركنا الحوار الشاعر عبدالله العنزي، بقوله:  أرى أن الهايكو بوصفه شكلاً شعريًا قائمًا على التكثيف والالتقاط الخاطف للحظة الإنسانية أو الطبيعية، قد وجد في المشهد السعودي مساحة للتجريب والتفاعل، غير أن الحكم على هذه التجربة ما زال مبكرًا لحداثتها مقارنة بالأشكال الشعرية العربية الراسخة. وفيما يتعلق بخصوصية المكان، فقد نجحت بعض النصوص الهايكوية السعودية في استحضار عناصر البيئة المحلية مثل الصحراء والإبل والنخلة والعادات الاجتماعية، وهو ما منحها قدرًا من الهوية.. إلا أن هذا الحضور لا يزال متفاوتًا؛ فبعض التجارب استطاعت تحويل المكان إلى عنصر بنيوي في النص، بينما بقي بعضها الآخر قريبًا من محاكاة النماذج العالمية دون توظيف عميق للخصوصية المحلية.

ومن حيث القيمة الإبداعية، يمكن النظر إلى الهايكو بوصفه إضافة محتملة للمشهد الشعري السعودي إذا عُومل كأداة تعبير لا كبديل عن الأشكال الشعرية العربية. فالأدب بطبيعته قائم على التفاعل والتأثر بين الثقافات، والمعيار الحقيقي ليس في كون الشكل وافدًا أو محليًا، بل في قدرة الشاعر على توطينه وإكسابه روحًا جديدة تنبع من بيئته.

أما من جهة العمق، فإن التكثيف في الهايكو لا يعني السطحية، بل قد يكون مصدرًا للعمق إذا اقترن بالإيحاء والدهشة. غير أن هذا التكثيف قد يتحول أحيانًا إلى مجرد وصف مباشر أو ومضة تقريرية تضعف الشعرية، ما يجعل نجاح النص مرهونًا بقدرته على إنتاج أثر جمالي مكثف يتجاوز المباشرة. وفيما يخص الهوية، يمكن القول إننا أمام ملامح أولية لما يمكن تسميته «هايكو سعودي»، غير أن التجربة لا تزال في طور التشكّل والتراكم، ولم تصل بعد إلى مستوى المدرسة المستقلة. مع ذلك، فإن استمرار التجريب وتزايد حضور العناصر المحلية قد يساهمان في بلورة هوية أكثر وضوحًا مستقبلًا.

وفي تقديري أن ثنائية «توطين أم استنساخ» تختزل الظاهرة، فالأدب بطبيعته يقوم على التفاعل والتطور، والهايكو السعودي اليوم تجربة واعدة ما زالت تبحث عن بصمتها الخاصة بين العالمية والمحلية.

نفتخر بتجاربنا ونعمل بشغف على اكتمالها  

وتبدي الشاعرة عطاف سالم، رأيها حول تجربة الهايكو السعودي ومدى ارتباطه بالبيئة، بقولها:
الحقيقة رغم أن التجربة بدأت على مستوى الخليج خاصة في السعودية مبكراً جدًا في التسعينيات دون تصنيف، ثم بعد الألفية الثانية بتصنيف، لكن ما زلت أعتبرها غير مكتملة وناضجة نظراً لقلة عدد كتاب هذه التجربة وقلة الاحتفاء بانتاجهم، غير أنها في طريقها للتعبير عن خصوصية الثقافة السعودية إذا أدخلنا الأدلجة في هذا الفن، وأتصور أنه لا بد من ذلك للخروج عن عباءة التجربة اليابانية إذا أردنا أن يكون هناك هايكو سعودي بحت يتعلق بيوميات الإنسان السعودي وتراثه ومقدساته، ورغم رؤية البعض لهذا الفن الشعري كنسخة أخرى من النص الوجيز أو الشذرة أو التوقيعة لكن يبقى الهايكو أو قصيدة الهايكو _ كما أحب أن أسميها فنًا مختلفاً له خصوصيته ومعاييره، من ثم فهو بحق إضافة جديدة ولافتة ومهمة للمشهد الشعري السعودي يأتي بعد قصيدة النثر من حيث ترتيب الأجناس الشعرية كما أرى، ونعم هو فن دخيل علينا من الآخر الآسيوي كما هو الحال مع قصيدة النثر الأوروبية ولا فرق ولا عيب في ذلك ما دمنا نتناوله من وجهة نظرنا نحن..
إذ نستفيد من القالب والمعيار نعم لكن المحتوى بفكر عربي_سعودي.
فالبيئة العربية لا شك تختلف عن البيئات الأخرى كذلك صور التعبير عنها مختلفة ومتنوعة.
إذاً هي تجربة مهمة ولا بد من إضافتها والاعتراف بها ودعمها ودراستها في المشهد الشعري السعودي.
الحقيقة نحن الآن نفتخر بتجاربنا في هذا الفن اللامع بمزاياه أنا وبقية الزملاء الذين يكتبونه أيضاً ونحاول قدر الإمكان الارتقاء بهذا الفن الشعري المميز؛ ونعم نخفق أحيانًا لكننا ندرك جميعاً أهمية الشعرية فيه بعفوية مدروسة، فالصنعة كما تقول العرب هي أن تخفي الصنعة، بمعنى ليس كل ثلاثة أسطر هو هايكو ما لم نصنع الصورة والمفارقة والشعرية بملمح مجازي دون الحاجة للمجاز في تكثيف واختزال يصنع الدهشة، ونعم تجاربنا متأخرة عن غيرنا لكننا نكتبه بوعي وفهم وسوف نسير على هذا النهج الذي قطعنا فيه أكثر من نصف المسافة.
وأتوقع أن الملامح متشابهة كثيراً مع الهايكو العربي بشكل عام وليس هناك خصوصية تذكر إلا قليلًا بحكم تشابه يوميات الإنسان العربي بوجه عام وتشابه مظاهر البيئة والعادات والتقاليد ونحو ذلك، لكننا نسعى الحقيقة ونطمح إلى سعودة نصوصنا فيه_إن جاز التعبير_ مستقبلاً ليتحقق لنا في القريب العاجل ما يسمى بأدب الهايكو السعودي الذي يحمل صبغة سعودية خاصة بنا هوية وبيئة وثقافة.
نعم نحن لم نزل في طور التشكيل لكن بسرعة إنجاز لافتة وإصرار كبير ورغبة جارفة.

الهايكو لا يقتحم عوالمه إلا المبدع الحقيقي

وتؤكد الشاعرة جميلة خميس على نجاح  الهايكو السعودي في التقاط روحية الزمكانية السعودية، بقولها:
من المؤكد أن معظم مبدعي الهايكو السعوديين قد نجحوا في محاكاة النماذج العالمية بصبغة عربية صبوافيه روح المكان والثقافة والإنسان السعودي، فكتبوا عن الرمل وبيت الطين والنخلة، وجسدوا في نصوصهم علاقة الإنسان بمحيطه وبيئته، كما عبروا عن تفاصيل دقيقة تنبع من الخصوصية الثقافية.
هذا هو الأساس في الهايكو وهو كتابة اللحظة التي يعيشها الأديب.
وعن المحاكاة للنموذج الياباني تقول أ. جميلة: أولًا المحاكاة ضرورة لا بد منها، فهي إدراك للقالب الذي نتعاطى معه، لكن ينبغي ألا تصبح نصوصنا نسخة من النصوص التي نحاكيها.. فالأديب السعودي نجح في استحضار بيئته وثقافته هايكوياً ليقدمها للعالم، وسيلتفت الجمهور يوماً إلى نتاجه، ويدرك مدى وعيه بسمات هذا النص، وكيف تخلص من المحاكاة ليبدع نصاً يشبهه.
المبدع السعودي تحدث عن علاقته بأبسط أشيائه والطعام والشراب، الإقط، والكمأة، والتمر.. والقهوة والشاي.. وتحدث عن مقتنياته التي تخص ثقافته كالرحى وبيت الطين، وغيرها وغيرها من الثيمات، وهذا دليل على أن الهايكو السعودي لم يعد يحاكي النموذج البعيد إلا في سماته الكبرى.
وعمق النص لا يقاس بعدد الكلمات، يقول النفري: «كلما اتسعت الفكرة ضاقت العبارة»، وأنا أرى أن الهايكو يمثل تحدياً  للكاتب قبل القارئ..
كيف أبدع نصاً عميقا في بضع كلمات؟
من هنا ندرك أن هذا النص لعبة خطيرة أرجو ألا يقع فيها المتساهل، لأنه أشبه ما يكون بفخ له. ولا يقتحم عوالمه إلا مبدع حقيقي.
بعض الأجناس قد تكون فضفاضة، تحتمل إلى حد ما الحشو، أما الهايكو فهو نص صارم، يتجنب الزخارف البلاغية، والزوائد اللفظية.. ويحتفي بالنقص، وهي المساحات البيضاء التي يتركها المبدع للمتلقي، يقال «يولد الهايكو ناقصاً ويكتمل في ذهن المتلقي»..
أتدركين صعوبة هذا النص الآن؟
وأجزم أن ملامح هذا الفن واضحة بنسبة كبيرة، وبإمكان القارئ العودة إلى نماذج ليلمس ذلك بنفسه، فنصوصه ترسم جغرافية المكان، وتتفاعل مع الكائنات والأشياء المحيطة به، مع المواقف التي لا يمكن أن تتشكل إلا في بيئتنا، وللعلم، فالجهود الآن على قدم وساق لإبراز كتب الهايكو السعودية، وخلال العامين القادمين ستكون كتب الهايكو حاضرة في المكتبات، وستفاجؤون بنصوص المبدعين السعوديين.

الإبداع لا يُقاس بأصله بل بتجاربه الجمالية 

ويرى الناقد عصام البقشي أن تجربة الهايكو السعودي واعدة من خلال حديثه عن هذا الفن العالمي: شهد المشهد الشعري السعودي خلال السنوات الأخيرة انفتاحًا ملحوظًا على أشكال أدبية عالمية متعددة، كان من بينها “شعر الهايكو” الياباني، ذلك الفن الشعري القائم على التكثيف والالتقاط الخاطف للحظة الإنسانية أو الطبيعية.
وقد أثار حضور الهايكو في الساحة الأدبية السعودية نقاشًا حول مدى قدرته على التكيف مع البيئة المحلية، وما إذا كان يمثل إضافة نوعية للإبداع الشعري السعودي أم مجرد محاكاة لشكل أدبي وافد.

في الأصل، نشأ الهايكو في اليابان ضمن سياق ثقافي وجمالي خاص، يرتبط بالطبيعة والفصول والتأمل في التفاصيل الصغيرة للحياة.
وعندما انتقل إلى البيئة العربية عمومًا والسعودية خصوصًا، واجه تحدي الترجمة الثقافية قبل الترجمة اللغوية، إذ كان عليه أن يجد لنفسه جذورًا جديدة في تربة مختلفة، من حيث المناخ واللغة والرموز والتجربة الإنسانية.

وعند النظر إلى التجربة السعودية، يمكن القول إن بعض الشعراء نجحوا في توظيف الهايكو للتعبير عن خصوصية المكان والإنسان السعودي.
فقد حضرت الصحراء والنخلة والبحر والواحات والقرية والمدينة الحديثة، كما حضرت تفاصيل الحياة اليومية المحلية بما تحمله من أبعاد ثقافية واجتماعية.
هنا في تصوري لم يعد الهايكو مجرد استنساخ لمشهد ياباني، بل أصبح محاولة لالتقاط لحظات تنتمي إلى البيئة السعودية وتنبع منها.

أما من حيث القيمة الفنية، فإن الهايكو أضاف إلى المشهد الشعري السعودي نافذة جديدة للتعبير، خاصة في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتقلص فيه مساحة القراءة الطويلة.
وقد أتاح هذا الشكل الشعري للشعراء اختبار قدراتهم على التكثيف والاقتصاد اللغوي، بعيدًا عن الإسهاب الذي يميز بعض الأشكال الشعرية الأخرى.
غير أن هذا لا يعني أن كل ما يُكتب تحت مسمى الهايكو يحقق شروط الشعر؛ فالتكثيف وحده لا يصنع نصًا شعريًا، كما أن الاختصار قد يتحول أحيانًا إلى مجرد جملة وصفية أو خاطرة عابرة تفتقر إلى العمق والدلالة.

هنا يبرز السؤال الأهم:
هل حافظ الهايكو السعودي على العمق الشعري رغم اعتماده على الاختزال؟
الواقع أن التجارب تتفاوت بشكل كبير.
فبعض النصوص استطاعت أن تحمل كثافة دلالية عالية داخل عدد محدود من الكلمات، وأن تفتح للقارئ أبوابًا واسعة للتأويل والتأمل.
في المقابل، وقعت نصوص أخرى في فخ السطحية أو الاكتفاء بالمشهد المباشر دون إضافة طبقة شعورية أو فكرية تمنحه بعدًا شعريًا أعمق.

وفي هذا السياق تبرز تجربة الشاعر السعودي “حيدر العبد الله” بوصفها إحدى التجارب التي أسهمت في التعريف بالهايكو وتقديمه للقارئ السعودي والعربي.
فقد سعى إلى استثمار خصائص هذا الفن في بناء صور مكثفة تستلهم الواقع المحلي والإنساني، مع المحافظة على الحس التأملي الذي يميز الهايكو.
وتمثل تجربته نموذجًا من النماذج التي حاولت الموازنة بين الوفاء لروح الهايكو والانفتاح على خصوصية البيئة العربية.

وربما يكون من المبكر الجزم بوجود “هايكو سعودي” مكتمل الملامح ومستقل تمامًا عن جذوره اليابانية، إلا أن المؤشرات الحالية تدل على أن التجربة تجاوزت مرحلة التقليد الخالص، ودخلت مرحلة البحث عن صوتها الخاص. فكما استطاعت القصيدة العربية الحديثة أن تستوعب أشكالًا وأساليب عالمية ثم تعيد إنتاجها وفق خصوصيتها الثقافية، يبدو أن الهايكو السعودي يسير في الاتجاه ذاته، وإن كان لا يزال في طور التشكيل والنضج.

في المحصلة، فإن السؤال ليس ما إذا كان الهايكو وافدًا أم محليًا، بل ما إذا كان قادرًا على إنتاج شعر حقيقي يعبر عن الإنسان والمكان بلغتهما الخاصة.
فالإبداع لا يُقاس بأصل الشكل الأدبي، إنما بقدرته على التجدد والتأثير وخلق تجربة جمالية صادقة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الهايكو السعودي بوصفه تجربة ثقافية وشعرية واعدة لا تزال تكتب ملامحها وتختبر حدودها في فضاء الأدب السعودي المعاصر.

الهايكو السعودي  نجح في التعبير عن ثقافتنا

وتعلق الأديبة  العنود يحي شراحيلي على محاور القضية المطروحة، بقولها:
نجح الهايكو في التعبير، وإن كان بدرجات متفاوتة، فنص الهايكو أجده يعبر عن ثقافتنا وبيئتنا ومجتمعنا.
ولم أجد بين السعوديين مَن يكتب نصاً بعيدًا عن واقعه.
وبالطبع يمثل الهايكو اضافة نوعية للمشهد الشعري السعودي، جنس أدبي يختلف في طريقة تعبيره وتناوله للأفكار عن بقية الأجناس الأخرى، كذلك يتجنب ما اعتدنا عليه من نصوص تزخز بالمجاز والخيال والأنسنة، لأنه يتجنبها.
فهو بهذا الاختلاف شكلاً ومضموناً عن الأجناس الأخرى يعتبر إضافة.
ولا أظن أن المبدع في أي مجال يعجز عن تمثيل فنه خير تمثيل، ومبدع الهايكو بوعيه لخصائص النص يعرف من أين ينطلق ليكتب نصاً ملفتاً. 
– سأكون متفائلة وأقول لقد وجدت نصوصاً تعبر عن ثقافتنا السعودية، قرأت نصوصاً كثيرة للدكتور أحمد القيسي وللدكتورة خيرية السقاف، وللشعراء محمد آل فاضل، وعبدالله العنزي وحيدر العبدالله، وجميلة خميس وعواطف سالم، وغيرهم… ووجدت في نصوصهم ملامح الثقافة السعودية والعربية الأصيلة.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود