999
0
616
0
467
0
449
0
420
0
5
0
5
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13513
0
12341
0
12194
0
9660
0
* أكملت دراستي الجامعية من أجل أمي.
*مشهدنا الثقافي السعودي هو أحد المعجزات الثقافية العربية إن لم أبالغ.
*مبادرة الشريك الأدبي هي دُرّة المبادرات .
*نحن على بعد أربعة أعوام من بلوغ “اليوبيل المئوي للرواية السعودية.
-حوار – عبدالعزيز طياش..
– مضت على هذه الذاكرة المتفرعة عقود حصدتُ فيها ما لم أكن أتخيله يومًا، وحدث معي وأحدثت ما لم أتوقعه، وصرتُ، وصارت بي مقدراتي إلى ما لم أحلم به ولو لوهلة. عشت الطفولة بين محطة وقود أبي، ومزرعة جدتي ثم كبرت قليلًا لأنتقل إلى بائع قماش رفقة جدي، فعمي، ولم تمض سنوات حتى صرت ذلك الصغير الذي انضم إلى مدرسة المشاغبين في قريته لأغادرها بمواقف لا تنسى وزملاء لولاهم لما امتلأت حاصلة ذاكرتي اليوم بمواقفنا وضحكاتنا وأهدافنا حين نكبر ولا نذكر أنّ أحدًا منهم حقق هدفًا من سطور مذكراتنا الصغيرة تلك التي حملتها الرياح معها تاركة خلفها أضغاث أحلامنا. في المعهد العلمي بصامطة تغيرت معي الأمور أكثر، كنت أراه تجمّعًا قرويًا ومركزًا علميًا حالما تدخله في الصباح تشعر كما لو أنك أمام وفود القبائل لا طلاب عاديين. تأثرت كثيرًا بالعلماء المدرسين الذين أدركتهم بالمعهد العلمي إضافة للعلماء الذين وجدتهم كتبًا في مكتبته العملاقة، التي بدأتُ منها حكايتي، ونسيت معها مزرعة جدتي، وقماش جدي الذي مات ولم يحقق منه غير قطعة كفنه، ومحطة وقود أبي التي أحرقت كل أحلامه، وأحلامنا، وأنا الباقي في مواجهة ما تبقى من موسم الحصاد. لو لم أدخل تلك المكتبة أو أدرس بذلك المعهد لربما لم أكن ما أنا عليه اليوم، قبل انتظامي بالمعهد، درست منتسبًا لمدة عام حين ضاق ذلك العام بقبولي وطوال انتسابي حرصت على الحضور والدوام ليس لتمضية الوقت بل للاستعداد للعام المقبل، ولقضاء أطول مدة ممكنة من اليوم في تلك المكتبة العريقة التي صنعت داخلي ما عجزت عن صناعته أهدافي وأمنياتي الصغيرة مع زملاء مراحلي الدراسية السابقة، واللاحقة.
– عمر طويل مضى دون أن أشعر. بالفعل هما عقدين ظهرت خلالها أسماء روائية وصحفية تمنيت ألا تغيب، وأخرى تمنيت ألا تتوقف عن الكتابة، ووجوه قدموا للساحتين الصحفية والسردية وأمِلتُ أن يتحولون إلى مجالات أخرى لما عرفته من قدراتهم وإمكاناتهم فيها. عشرون سنة حدث فيها انقلاب تقني وإلكتروني غيّر المفاهيم وأمسك بخارطة الحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية وراح يبني فوقها أهدافه وخططه ليكمل انقلابه الديموغرافي. حدث ما يكسر قلم الصحافي ليس في الصحافة الثقافية فحسب بل بشتى المجالات الأخرى. تحول رقمي هائل أدى إلى تغييرات في التلقي وإنتاج المحتوى واستهلاكه. وتحديات جديدة أسهمت في التضليل وخلعت الساعات من معصم اليد وجلست تراقب العالم وتتحكم في محتواه تارة، وفي إجباره على أن ما يراه هو الأنفع وهو الحقيقـة، وفي الأخير قـلة هـم مـن يـعـرف الـحقيقة؛ لهذا الصحافة الثقافية هي رهان المجتمعات التي ترى في ثقافتها مصنع للفكر وتنمية للعقل وتوجيه للمعرفة وما نـحتاجه اليوم هـو مبادرات إلـزامية في تـبني صحف ثـقـافية رسـمية تجمع كتّاب وخبراء الثقافة والمهتمين بشؤونها، ورواد الصحافة الثقافية السعودية الذين ما زالوا قيد الحياة، جمعهم ثم منحهم فرصة لإثراء المجتمع بما أحدثه قبلهم وفي الجانب الآخر يتناول كـتاب هـذا الجيل ما أحـدثـه قـبلهـم في تـجـاربـهم أيـضًا وفـي مشهدهم الثقافي السعودي؛ ليستمر النقل التسلسلي للمشهد الثقافي بشكل شجري لا يغيب منه شيء ولا يندثر ولا ينسى وإنما يتداول وينشط من خلال هذه الصحف الثقافية الرسمية.
– مشهدنا الثقافي السعودي هو أحد المعجزات الثقافية العربية إن لم أبالغ. تخيل أن يبدأ مشهد ثقافي بأكمله بأدبه الخاص على الرغم من توافر كل شواهد الآداب العربية الأصيلة السابقة على أرضه ابتداءً من الجاهلي وانتهاءً بالعصر الحديث، وكان باستطاعة القائمين على الثقافة منذ انطلاقتها بالدولة السعودية الأولى أن يتبنون أدبًا ممتدًا لكل هذه الآداب من خلال شواهدها ومواثيقها ومسوداتها المنقوشة، والمحفورة التي تعتمر بها مكتبات الأرض المكشوفة والمباني الأثرية بكامل مساحات السعودية، ومكتبات المعاصرين، والأعيان، والأشراف، والمثقفين على امتداد وتحولات السعودية طوال الثلاثة قرون المنصرمة، ثم نشاطها ونهضتها الثقافية منذ توحيد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- لهذه الأرض، ولكن ما حدث كان مختلفًا ومعجزةً حقًا. قيام أدب سعودي بدأ بالتجريب ثم التفرد ثم الإمتاع ثم التواجد ثم الانتشار واليوم الثبات والـتمـوضع يُـجسّر الآداب الأخرى، ويقدم نفسه للعالم بـاعـتبار نفـسه لا باعتبار غيره، يترجم، ويبادر، ويغدو ضيف شرف في كثير من المحافل الإقليمية والدولية، ويشارك العالم ومنظماته الثقافية أعظم ما لديه من مبهرات، ومنجزات، وأسماء وفنون، وتراث وحضارة.
الأدب السعودي بكل ما فيه غدا ثقافة عربية موثوقة ومحتوىً إبداعيٍ متصاعد. والشواهد على ذلك كثيرة لا يتسع المقام لذكرها. ولكن المهم الآن وبهذه الفترة العالمية الحرجة على الثقافة أن تغدو ثقافتنا السعودية هي قضيتنا الدائمة بكل مناحيها وأجناسها وتستمر وتبقى قوتنا الناعمة التي نخاطب بها العالم من خلال الاستثمار في الأدباء السعوديين ومحتواهم على امـتداد أجيالهـم وتـصـديرهـم لـلـعـالـم بكل المحافل وتقديم أبدع منجزاتهم بكل اللغات، هذه أبرز القضايا، وأعظم المبادرات التي يجب أن تستمر وقد بدأت بوادرها؛ لأن العالم اليوم يراهن على الثقافة والمثقفين رهانه على الطاقة، والسعوديين هم طاقة وطنهم.
– الجمعية ومنذ انطلاقتها في سبتمبر 2021 برئاسة الدكتور صالح زياد الغامدي، ونخبة من المثقفين والأدباء، وهي تعتبر نفسها أحد أجزاء واستراتيجيات وزارة الثقافية لذا ركزت على أهداف تأسيسية وبناء أرضها الصلبة حيث أنها جاءت برأيي لا لتـسد فـراغًا كـان مـوجـودًا بـل لـتـنـظمّ حـركة سير الأدب وتعيد التوازنات الثقافية بين الأجناس الأدبية، وهدفها الأسمى جعل الأدب صنعة ثقافية تستكشف تساؤلات المثقفين السعوديين وتسهم في تحولاتهم الثقافية والمجتمعية وتدعمها، وتشجعها، ويمكن أن يظهر ذلك من خلال إطلاقها سفراء بجميع مناطق المملكة وإقامة ورش تدريبية بشكل منتظم، وتفعيل تناقل الخبرات، وإعلان المنجز الأدبي وتكريمه من خلال المبادرات، والجوائز التي تطلقها إضافة إلى أنها تفّعل دور الشراكات مع الجهات الداعمة للبرامج الثقافية ولا يمكن إغفال دورها في احتضان المواهب الإبداعية واكتشافهم وإشراكهم ضمن بيئات المثقفين. واليوم وبمرور ستة أعوام على سيرها المنظم والمتناسق والمتقن وفريق مجلسها المتناغم بدءًا برئيسها التنفيذي الشاعر الأستاذ عبدالله مفتاح مرورًا بمجلس إدارتها المرشح منذ سبتمبر 2025 والمكون من سبعة عشر عضوًا بينهم أدباء ونقاد وشعراء وأكاديميين ومثقفات يملكون خبرات ثقافية هائلة، وقراءة فاحصة ومتمكنة لمشهدنا السعودي والعربي قادرون على تقديم الأدب والأديب السعودي كما يليق به.
-الحديث في هذا الجانب يتفرع وأخشى أن ينفرد بمساحة منفصلة عن هذا الحوار الشيّق، عدا أن كلا من السرد والشعر قد مرا بتحديات كبرى، ولما صارت الأرضية مهيأة لإنشاء جمعيات غير ربحية متى ما توافرت فيها الشروط والمعايير لم يبق على الراغبين من الخطوات الأساسية غير النداء والاستجابة وهذا شيء مما حدث في “جمعية آداب وفنون السرد (نالا)” وباقي الحكاية يطول شرحها وتفصيلها.. وما نراه اليوم وسنراه مستقبلًا من حراكها -ليس لأني جزء منها- بل لأنها تعرف ما عليها فعله، وما هو منوط بها في خدمتها للسرد السعودي وفنونه لا سيما وأن ضمن مجلس إدارتها أسماء أدبية مهمة في الوسط الثقافي السعودي بينهم الأديب والروائي العزيز الأستاذ يوسف المحيميد، وآخرون من الروائيين والروائيات والمثقفين المخلصين لاهتماماتهم وانتمائهم للسرد.
وأما عن غياب الشعر، أؤكد أنه لم يغب يومًا عن تهيئة بيئته الخصبة كونه خصب في كل أزمنته، ويحظى بمجتمع عذب ومحب لبعضه وحول وجود جمعية للشعر والشعراء، وشهادة للتاريخ أوردها اليوم: تحدثنا طويلًا أنا والشاعر الكبير الأستاذ الحبيب الحسن آل خيرات وشعراء آخرين حول أهمية وجود جمعية من هذا النوع، وما زلنا نتحدث حتى لحظة هذا السؤال، وأظن أن المسألة لا تحتاج إلا إلى وصول النداء للشعراء الذين يهمهم إيجاد جمعيتهم الخاصة.
لربما يعلم الكثير من القرّاء أن أحاديث كتابة الروايات وتجاربها وظروفها واعترافاتها تؤلف حولها الكتب منها: اعترافات روائي ناشئ، لأمبرتو إيكو. وكيف تعلمت الكتابة، لمكسيم غوركي. وكتاب عن الكتابة، لستفين كينغ. وكتاب بداياتهم مع الكتابة للأديب السعودي محمد القشعمي. وكتاب “في الكتابة والتجربة” لعبدالكبير خطيبي، والرواية والراوي، لحنا مينا.. والكثير الكثير من الكتب الأصيلة التي أراها تجلس أمامي الآن لتساعدني في الإجابة على سؤال يفتش في ذاكرتي التي بدأت للدفع بي لكتابة روايتي “إثبات عذرية” كل ما حدث بالضبط الأمر لا يعدو: حديثًا عاديًا دار بيني وبين أختي الكبرى- التي تولت رعايتي لما مرضت أمي- وما تزال حتى اليوم تقوم بدور أمي. ولكن حديثها ذلك اليوم تشابك مع الدموع حول ما يعيشه إخوتنا السوريين في عام 2011 حين قامت ثورتهم وعانوا ما عانوه. ما دفع بنا للحزن كثيرًا يومها أنّ صديقتها ابنة جارتنا السورية لسنوات طويلة قبل أن يهاجرون حضرت في ذاكرتها لتحضر بعدها فورًا ذاكرتي الصغيرة مع ابنتهم الأخرى التي كانت في عمري وكنا نقضي معظم أيام طفولتنا للعب معًا أنا وأختي الأصغر مني في بيتهم أو بيتنا أو حارتنا صحبة الأطفال. كل هذه الأحاديث المتراكمة دفعت بأختي ساعتها لأن تقول لي: “هل تتوقع بحال انتهت الثورة في سوريا وعادت الأمور واستقرت تستطيع الذهاب إلى سوريا للسؤال عن هذه العائلة؟ حرت في حديثها ولم أستطع الرد عليها في حينها.. واحتجت لأرد عليها إلى خمسة أعوام هي التي جعلت مني أفتش روائيًا وسرديًا ليس عن صديقتها السورية، أو تلك العائلة العظيمة التي لا نعلم حتى اليوم أين هم، وكيف هم؟ ولم يبق بيننا وبينهم غير دعاء الغيب والذكريات، بل مضت بي لأبعد من ذلك أتخيل قسوة الحياة التي مرت بها سوريا بأكملها، مستعينًا بحياتي وكيف يمكنني نقلها أيضًا لمن سيقرأها وأولهم أختي الكبرى. التي خنقتها العبرة في كثير من مقاطعها مع أنها تعلم أين الخيال وأين الواقع منها. ما أود قوله، وأؤكد عليه هنا هو أن: الرواية تستطيع أن تحملنا على أجنحة الخيال والواقع دون أن تؤذي أحدًا غير كاتبها، وكل من يفهم ما كتبه بشكل خاطئ.
-باعتبارك أحد الروائيين السعوديين النشطين و المهمين أسألك عما تحتاجه الرواية السعودية اليوم، وكذلك ما الذي ينقص الروائي السعودي ليغدو روائيًا عالميًا؟
– أرى أن الرواية السعودية باتت اليوم جزء من حياة الناس، وهذا ما كانت تحتاجه قبل هذا السؤال، وستظل تحتاجه بعده؛ لـهذا عـلى الرواية ألا تغيب عن المجتمع السعودي، أو تنفصل عنه؛ لأنها طوال العقود الماضية امتلأت بحكاياتهم، وأحداثهم، وتحولاتهم، وصراعاتهم. وكانت الرواية السعودية وما تزال وستظل راصدًا مُخلصًا وإن -خرج بعضها عن “التابوهات”- أو السياقات إلا أن الكثير منها ظل وفيًا للأرض والإنسان والمجتمع. من وجهة نظري أعتبر أن الرواية السعودية تختلف وتتسم عن أي رواية عربية أو عالمية أخرى؛ بكونها ظلت لعقود بمثابة المجال الثقافي الواسع للتنفيس الإبداعي ولكي يستعرض كتّاب وكتابات الرواية قضاياهم وأحداثهم الروائية طوال العقود الماضية ظل الرمز عونهم، وعضيدهم، حتى مع الأسماء الخفية التي نشرت رواياتها ما منحها فرصة لتقديم نصوص رائعة مليئة بالحكايات التي لم يكن بالإمكان كتابتها كما هي أو كما ستكتب اليوم حتى لو عاد كتابها وكاتباتها بأسمائهم الحقيقية وبنسخ منقحة ومزيدة. وهذا وحده يجعلنا أمام عدة مشاريع ثقافية تقوم على الرواية السعودية، يمكن لوزارة الثقافة ممثلة بهيئة الأدب والنشر والترجمة وباقي الهيئات الوقوف أمام منجز الأدب السعودي وتحديدًا الروائي منه ثم فرزه وإعادة تنظيمه وفق خطط ممنهجة ومدروسة لتكريمه في احتفالية أحلم وغيري أن نراها تحدث واقعيًا كيف لا ونحن على بعد أربعة أعوام فقط من بلوغ “اليوبيل المئوي للرواية السعودية” باعتبار أن أول رواية صدرت هي التوأمان لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930م وهذا بظني تحتاجه الرواية السعودية اليوم أكثر مما مضى.
وعن نـواقـص الـروائيين لـيغـدو عالميين عليهم أن يكتبوا للعالم وأن يجدون الدعم المستمر من جميع المؤسسات الثقافية، والرعاية الحقيقية من الجهات الاستثمارية في تبني مواهبهم وإمكاناتهم وتقديمهم للعالم بعد إخضاعهم لبرامج دولية تطويرية تزيد خبرة ودرايتهم بما عليهم مخاطبة العالم به، تمامًا كما يفعل الروائيين العالميين، والمؤسسات والمراكز الثقافية في دولهم.
– رحم الله الحربي الراحل الحاضر. الأدب الذي لا يأفل، والأديب الذي تبنى وصنع ودعم الأسماء والأجيال. الحربي لم يكن عمرًا من عمري بقدر ما كان روحًا في جسدي، كان يقبل مني الخطأ لا ليصوّبه لي بل ليعلمني منه عشرات الدروس. ظل يراقبني دون أن يخبرني بذلك. يبصرني بصمت كيف سأدخل المختبر الروائي. ولما نشرت روايتي الأولى مجاعة في عام 2013م، ومع أنه قرأ مسودتها الأولى إلا أنه لم يخبرني ببعض الأخطاء السردية فيها إلا بعد مضي عامين، مؤكدًا أنه تركها لي متعمدًا؛ لأتعلم من تلقاء نفسي أو من نقاد آخرين سواه. كان يكتفي بمراقبتي وكأنه لا يريد التدخل أبدًا في مسيرتي مع أنه كان الجزء الأعظم في سنواتي الكريمة والجميلة والسمان في حياتي كلها. كان يحملني معه لكل الجهات ولم أكن أحتمل غيابه عني لأكون رفيقه. أراه يخرج من عملية نسبة النجاح فيها غير مطمئنة ليرفع لي يده بإشارة القوة. كان أبي الروحي والأدبي والفعلي. لما مات أبي جاء لعزائي بكلمة واحدة: “رحم الله أبوك وأبقاك لي” واليوم أعترف أنني من بعده: أجدني يتيم الأبوين. الحديث عن الأديب أحمد الحربي أطول من حديثي عن نفسي.
– لا أستطيع الجزم أو النفي أنني موجود بسطر أو أكثر في جميع رواياتي ولكن بحذر وبحدود ما يسمح بعدم الإخلال بمسار الرواية الرئيسي ومتى ما شعرت بأن إيجادي في جزء من الشخصيات يسبب اضطرابا للشخصية ألغيه دون تردد. وفي هذا الجانب أستعين بما قاله العالمي ماركيز في سيرته الروائية “عشت لأروي”، “يجب أن تعتبر جزءًا هامًا من أعمالي التخيلية، لأنها ليست سوى هذا: تخيّلات حول حياتي” واعتراف الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير بأنه هو ذاته “مدام بوفاري” والاعتراف العربي الأشهر لنجيب محفوظ أنه هو كمال عبدالجواد، في ثلاثيته الشهيرة. فمن هو جابر مدخلي أمامهم وبينهم سوى روائي ينتظر أن تتضخم سيرته الذاتية يومًا ليكتبها بعيدًا عن الأجزاء السرية في نصوصه والتي قد لا يعرف غيره عنها، والغائصين في أعماق أبطاله.
أما فيما يخص القصة القصيرة فقد نشرت قصصًا في بداياتي، وكتبت قصصًا عديدة صالحةً للنشر ضمن مجموعة قصصية ولم يحن موعدها بعد، وأكتب بين حين وآخر قصصًا وأضمّها لملفٍ يأويها إلى جوار أخواتها.
وأما الشعر فالروائي لا يستطيع الخروج من مآزقه السردية إلا من خلال استعانته باللغة وتحديدًا الشعرية منها؛ لأنها الأقدر على إيصال الأخيلة، وحمل المشاعر، ونفخ الروح في وصفه، وتعبئة ملامح أحداثه بالمؤثرات. كما أنني أثرت ألا أبوح بقصائدي منذ وقت طويل؛ لربما أرجع الأمر لنصيحة عزيزة على قلبي قالها لي يومًا في جلسة حبّية أستاذي الجامعي في مادة “الأدب الحديث” الذي صار -لاحقًا- ناقدي وصديقي الدكتور حامد الربيعي يوم قال: “اترك الشعر يا جابر واهتم بالسرد؛ قصيدتك التي سمعتها منك شعرًا وليست شعرًا، كن الروائي الذي أحب وكفى” أعترف أني ليلتها لم أكن أنوي إلقاء قصيدتي أصلًا لولا أن الجميع قال شعرًا، فأردت أن أشعر بإحساس الشعراء وهم يلقون قصائدهم ولو في جلسة واحدة. أذكر ليلتها كان في جلستنا الخالدة تلك الصديق الرائع الراحل القاص والروائي الدكتور عبدالعزيز الطلحي -رحمه الله- وعدد من الأصدقاء الشعراء والنقاد.
نصيحة د. الربيعي تلك كانت بالنسبة لي بمثابة كتاب نقدي كبير وثمين أعادتني لمذاكرة الشعر، ومراجعة كل ما كتبته من قصائد لم أنشرها، ولربما ذات يوم أسمعه إحدى نتائج بذوره الشعرية داخلي خلافًا عمّا سمعه مني قديمًا.
أدين للحبيب د. الربيعي بالكثير ليس منذ أن التقيته طالبًا بجامعة أم القرى، بل على امتداد أحاديثه الحبّية في كل لقاء يجمعنا، وكل ذاكرة أستحضره فيها.
– رحلة البحث عني. يا إلهي من تلك الرحلة، ومن بحثك في عفش حياتي يا عزيزي عبدالعزيز. لم يكن دافع الكتابة الرحلة ذاتها، بل كل ما حدث قبلها، وما قد يسعفني الخيال والتوقعات لما بعدها. لم يكن الذهاب إلى الجامعة أمام التحديات التي مرت بي بالأمر اليسير. ثم لم أكن لأفوت قبولي الجامعي الوحيد في ظل تقلص وضآلة الفرص في المناطق المجاورة كأبها أو كلية المعلمين في أبو عريش -سابقًا- كانت مكة رحلة كل من في بيتنا يدفعني للذهاب إليها بحجة أنهم جميعًا يتمنون العيش في مكة لمجاورة الحرم وللطواف كل يوم. أمي ألّحت عليّ إلا أن أذهب وأنها ستأمن عليّ هناك أكثر من أي مكانٍ آخر، على أن أقطع لها وعدًا ألا أعود لكل إجازة إلا ومعي “جالونين” زمزم لها ولأبي. كلهم كانوا يرون ما لا أراه وأنا الخارج من رصيد كبير من القراءة المكثفة في مكتبة المعهد العلمي والتي ما تزال سطور كتبها التي قرأتها طوال الأربعة أعوام خضراء، وطرية خلف قفصي الذهني. واتخذت القرار وغادرتُ لاستكمال إجراءات القبول. في الطريق البري لم تكن النية للكتابة بل لتجزية الوقت بأحاديث المسافرين. ولكن استيقظت داخلي فجأة وبلا مقدمات تلك الأحداث القادمة في قِبلة المسلمين التي عليّ التهيؤ لها ولو بالتخيل. وبقيت طوال الطريق مستغلًّا ضوء الشمس ومستعينًا بأولى أقلامي الجامعية الجافّة و “دفتر أبو 40” للبحث عني في مدينةٍ كل إنسانٍ يتمنى الوصول إليها. وأني مقبل على طواف وسعيٍ سيظل مفتوح لي طوال أيامي الدراسية ولن يغلق أمامي يومًا. واليوم لو استعدت شيئًا مما كتبته بتلك الرواية فلن أستعيد غير بطولة أمي الأميّة في هذه الرواية التي قالت لي: “لا تغادر مكانك حتى تحقق أحلامي. أريدك أن تتخرج. أنت في المكان الذي يأتيك فيه كل الناس، فلن تشتاق لأحدٍ غيري، وحين أتأخر عليك اعتمر على نيتي.” الآن أعترف أن قرار دراستي في مكة أعطاني ثقافة العالم، وثقافتي، وإيمان أمي وثـقتها العظيمة بي، وعن نشر هذا النص، أعترف أني نشرته لمرةٍ واحدة يوم قرأته على أمي رحمها الله. ثم حررته قبل عدة أعوام وأعدت صياغته، لكنني لم أجده جاهزًا بعد للنشر حتى الآن.
– أنهيت عملًا روائـيًا جـديدًا ودفـعـت بـه إلى دار نـشـره، وأنـتظر رؤيـتـهم ورؤيـتـه للنور، ولا أخفيك أنني أشتاق لذلك، وأتحرى خروجه للقراء كما لو أنني لأول مرة في حياتي سأنشر رواية.
هذه الرواية -تحديدًا- أخذت مني أكثر مما أخذته غيرها ومع ذلك منحتني أكثر مما أحلم به كيف لا وقد قرّبتني كثيرًا من أسماء مهمة في وسطنا الثقافي السعودي قد يراهم بعض المثقفين أو الروائيين مجموعة قرّاء أو كتّاب مبتدئين ونقاد فاحصين لمشاعرهم القرائية ليس إلا. فيما وجدتهم أنا أكثر مما تمنيت وتوقعت، وسعدت جدًا أنني اتبعت حدسي ويقيني بأهمية ما سيصلني منهم إذ ما بعثت مسوداتي لبعض من ظلت مهمتهم الدائمة في حياتهم القراءة، قرّاء متمرسين يعرفون جيدًا عوالم السرد، ونقّاد غير رسميين يؤمنون بأن قراءة المسودة فرصة إيجابية للمؤلف ما لم ينشر عمله بعد.
ولا أخفيك أنني استلهمت منهم رؤىً وتوجيهات أكثر مما ألهمني الخيال أو أمدني الواقع. وأعترف لك ولهم بهدم هذا النص وبناءه عدة مرات مع كل ملاحظاتهم الثمينة بالنسبة لي، حتى بدا أنني في الأخير كتبت نصًا روائيًا جديدًا كليًا.
واليوم أجد فرصةً لشكرهم كونهم أعانوني على اكتشاف لذة الرواية الرابعة وجمال أن تكتبها أكثر من مرة ليس لمرئياتهم وملاحظاتهم المهمة والثمينة فحسب بل لأنني حصدت رصيدًا إضافيًا ومهمًا مع كل من قرأني حتى اليوم قبل النشر وبعده. ولأنني اكتشفت معهم لذة أن تجد قارئًا بمواصفات ناقدٍ أولّي يحمل فأسه ليقطع من شجرتك ما يراه من أغصان زائدة، أو أوراق مشوهة فاتك أثناء موسم زراعتك تشذيبها، ليتركك في الأخير أمام نصك لتبنيه وتهدمه كما تشاء وترى أنت.

