الأكثر مشاهدة

إعداد_أمينة فلاتة التجريب في الأدب هو كسر القوالب الكلاسيكية المألوفة وابتكار أس …

التجريب في الأدب بين الأصالة والتجديد

منذ دقيقة واحدة

4

0

إعداد_أمينة فلاتة
التجريب في الأدب هو كسر القوالب الكلاسيكية المألوفة وابتكار أساليب وتقنيات تعبيرية جديدة وكل تحول أدبي يبدأ من سؤالٍ عن المألوف: هل نطوّره أم نتجاوزه؟ فالتجريب قد يكون طريقاً لاكتشاف أشكال جديدة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى قطيعة مع القواعد التي منحت الفن هويته. وبين ضرورة التجديد وخطر الانفلات، يبرز السؤال: متى يكون كسر المألوف إبداعًا؟
فرقد الإبداعية تطرح تساؤلاتها حول هذا الموضوع على نخبة من الأدباء والنقاد من خلال المحاور التالية :
* هل التجريب ضرورة لتطور الأدب أم مجرد خيار فني؟
* متى يكون كسر القاعدة إبداعًا، وهل يتطور الأدب بكسر قواعده، أم بإعادة اكتشافها ؟
* هل يشترط التجريب معرفة القواعد قبل تجاوزها؟
* هل كل جديد في الأدب يستحق أن يُسمى تجديداً وأين يلتقي التجريب مع الأصالة؟

 الأصول أرضية صلبة للانطلاق

يقول الإعلامي والكاتب/ علي معشي مفتتحاً حوارنا حول هذه القضية: قبل الخوض في مجريات هذا المقال دعونا نحلل عنوانه وخاصة لفظة التجريب لأنه قد يتبادر إلى الأذهان أن التجريب يدعو للفوضى والعبث بينما هذه اللفظة جاءت مناسبة لموضوع المقال فهي تعني وبشكل دقيق المحاولة والبحث عن وسائل وطرائق إبداعية لتصل في نهاية المطاف إلى نتيجة وهذه النتيجة تخضع للحكم عليها بعد ذلك.
أما إن أردنا الحديث عن التجريب فإنه، ينقسم في جوهره إلى مسارين متباينين يحددان قيمته وأثره:
التجريب البنّاء وهو التجديد الذي يستند إلى أساس متين، ويهدف إلى التطوير والتحسين والإبداع دون هدم القواعد الأساسية. يمنح هذا النوع الفن والأدب مرجعية أصيلة تُساعد على التقييم والتصحيح، مما يضمن مرونة النتاج الإبداعي واستمراره عبر العصور بعيداً عن الجمود والتقوقع.
التجريب العشوائي وهو تمرد سافر يتنكر للأصالة والتاريخ، ولا يستهدف سوى الاستعراض والتباهي ولفت الانتباه لمجرد الظهور. وهنا يكمن الخلل؛ حيث ينتهي هذا المسار بالصاحب إلى التخبط والضياع في تجارب لا طائل منها، ويتجلى هذا الفرق بوضوح في الشعر العربي الفصيح؛ فالشعر العمودي الأصيل قائم على ركائز صلبة من اللغة، والبلاغة، وعلم المعاني، وعروض الخليل. وهو ديوان العرب الذي يقتضي البقاء والخلود. ولذا، فإن محاولة إبداع “شعر” يفتقر إلى هذه المقومات لا تُنتج شعراً بمفهومه الأصيل، بل تُخرج النص إلى مسارات أدبية أخرى كالسرد، والخواطر، والفنون النثرية، وحتى هذه الفنون النثرية الحديثة التي يعود أصل كثير منها إلى ثقافات غير عربية عندما خضعت للتجريب والتطوير بما يتلاءم مع الفكر والنمط العربي، أصبحت إضافة إيجابية تثري الأدب ولا تقلل من قيمته.
إن التجريب الحقيقي لا يعني هدم الأصول، بل يعني استخدامها كأرضية صلبة للانطلاق نحو أفق إبداعي أرحب ومحسوب، وعلى سبيل المثال في الشعر ، لم تكن تجربة علي أحمد باكثير وتجارب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، انقطاعاً عن جذور الشعر العربي، بل كانت تطويراً لداخله. هم لم يلغوا “التفعيلة” -وهي وحدة النغم الخليلي الأساسية- وإنما حرروها من الشطرين المتساويين والقافية الموحدة لتستجيب لتدفق التجربة النفسية، هذا النموذج هو خير دليل على أن التجريب الناجح يتطلب استيعاب القواعد أولاً؛ فشعراء هذه الحركة كانوا من أعمق الناس دراية ببحور الخليل، ولذا جاء كسرهم للشكل العتيد مرناً ومقبولاً لدى الذائقة النقية، لأنه استبدل بالجمود شكلاً إيقاعياً يفيض بالحياة دون أن يفقد هويته العربية، وعندما انتقلت القصة والرواية من الأدب الغربي إلى الثقافة العربية، لم يقف الأدباء العرب عند حدود النقل الحرفي لفنياتها، لقد استثمروا هذا القالب ليعيدوا صياغته بأدوات عربية أصلية فاستحضروا أدبيات المقامة، وأساليب السير الشعبية، وفنون الحكايات والتراث الشفهي، وتجارب رواد مثل نجيب محفوظ، ويحيى حقي، وجبران ، وصولاً إلى جمال الغيطاني وإبراهيم الكوني، أثبتت أن الرواية العربية استطاعت أن تكتسب شخصيتها الخاصة فلم تهدم البناء الروائي المتعارف عليه عالمياً، لكنها غمرته بالروح العربية، والمكان العربي، وشجون الإنسان في هذه المنطقة.
انتهى.

الإبداع يولد بين أصالة الجذور ودهشة التجربة

وتبدأ الكاتبة زينب محمد مختار حديثها بتساؤلات توازن من خلالها بين الأصالة ودهشة التجريب بقولها :

هل كل خروجٍ عن المألوف يُسمّى إبداعًا؟ وهل كل ما نكسره من قواعد الأدب يفتح لنا نافذةً جديدة، أم أن بعض الكسور ليست سوى فوضى ترتدي ثوب التجديد؟

ربما لا يولد الأدب الحقيقي من القاعدة وحدها، ولا من التمرّد عليها وحده؛ بل من تلك المنطقة الدقيقة التي يقف فيها المبدع بين ما تعلّمه وما يريد أن يكتشفه، بين احترام الشكل والرغبة في تجاوزه، وبين أصالة الجذور ودهشة التجربة. التجريب في الأدب ليس مجرد رغبة في أن نكتب بطريقة مختلفة، ولا محاولةً لإبهار القارئ بكل ما هو غريب. إنه في جوهره سؤالٌ يطرحه الكاتب على الأدب نفسه:

هل ما نعرفه هو الشكل الوحيد الممكن للحكاية؟

ومن هنا يصبح التجريب ضرورةً في مسيرة الأدب؛ لأن الأدب الذي يتوقف عن السؤال، يتوقف بطريقة ما عن الحياة. فالعالم يتغير، والإنسان يتغير، ومشاعره وأسئلته وطرائق رؤيته للأشياء تتغير، ومن الطبيعي أن يبحث الأدب عن لغته الجديدة كلما تغيّر الإنسان.

لكن هل التجريب ضرورة؟ أم أنه مجرد خيار فني؟

أظن أنه خيارٌ يصبح ضرورة حين يعجز الشكل المألوف عن حمل الفكرة الجديدة. 

فالكاتب لا يحتاج إلى التجريب لمجرد أن يقال عنه مختلف، وإنما يحتاج إليه حين يشعر أن الأدوات القديمة لم تعد تكفي للتعبير عما يريد قوله. عندها يصبح التجريب امتدادًا طبيعيًا للحاجة الإبداعية، وليس زينةً تضاف إلى النص.

ولعل السؤال الأهم هنا، هو : متى يكون كسر القاعدة إبداعًا؟ 

ليس كل كسرٍ للقاعدة إبداعًا، كما أن الالتزام بها ليس بالضرورة دليلًا علىالجمود. قد يكون كسر القاعدة إبداعًا حين يكون وراءه وعيٌ بما يتم تجاوزه، وغايةٌ فنية واضحة، وضرورةٌ يفرضها النص. أما أن نكسر القاعدة لأننا لا نعرفها، فذلك ليس تجريبًا بقدر ما هو غيابٌ لها، فالكاتب الذي يعرف القاعدة يستطيع أن يحاورها، وأن يغيّر موضعها، وأن يعيد تشكيلها، وربما أن يهدمها ليبني مكانها شيئًا آخر. أما من لم يعرفها أصلًا، فقد لا يكون قد كسرها؛ لأنه لم يقف عليها يومًا. [فأنّى له أن يفعل شيئًا من ذلك، وهو لم يقف عليها أصلًا]

ولهذا أؤمن بأن التجريب الحقيقي يبدأ من المعرفة، لا من الجهل، فالموسيقي الذي يكسر الإيقاع يعرف الإيقاع، والشاعر الذي يعبث بالبنية يعرف كيف بُنيت القصيدة، والروائي الذي يخرج عن التسلسل الزمني يعرف معنى الزمن داخل الحكاية. إن التجاوز الجميل لا يأتي من فراغ، وإنما يأتي بعد ألفةٍ طويلة مع القاعدة.

ومع ذلك، هل يتطور الأدب بكسر قواعده؟

 ربما لا. وربما نعم. فالأدب لا يتقدم دائمًا بكسر القواعد، بل أحيانًا يتقدم بـ إعادة اكتشافها، كم من نصٍ عظيم استخدم الشكل التقليدي، لكنه منحه روحًا جديدة؟ وكممن كاتب لم يحتج إلى هدم البناء، بل اكتشف في تفاصيله أبوابًا لم ننتبه إليها من قبل؟

 التجريب ليس بالضرورة أن نقول: “سأفعل عكس ما فعله السابقون”، بل قد يكون أن نقول: سأنظر إلى ما فعلوه بعينٍ جديدة.” وهنا يلتقي التجريب بالأصالة، فالأصالة ليست أن نكرر الماضي، كما أن الحداثة ليست أن نتنكر له. الأصالة الحقيقية هي أن نعرف من أين أتينا، ثم نمتلك الشجاعة لنسأل: إلى أين يمكن أن نذهب؟ الأدب الذي ينقطع عن جذوره قد يصبح غريبًا عن بيئته، والأدب الذي يخاف من التجديد قد يتحول إلى نسخة مكررة من نفسه. وبين الاثنين يقف المبدع الحقيقي؛ يحمل ذاكرته بيد، ويفتح باليد الأخرى بابًا للمجهول.  لكن هنا تظهر مشكلة أخرى: هل كل جديد في الأدب يستحق أن يسمى تجديدًا؟ بالتأكيد لا. فالجِدّة وحدها لا تمنح العمل قيمته. قد يكون النص جديدًا في شكله، لكنه فقير في معناه. وقد يكون غريبًا في لغته، لكنه عاجز عن الوصول إلى القارئ. وقد يختلف عن كل ما سبقه، لكنه لا يضيف شيئًا يستحق أن يبقى. التجديد الحقيقي لا يقاس بمدى اختلاف العمل عن غيره، وإنما بما أضافه هذا الاختلاف إلى التجربة الإنسانية والجمالية. فليس المطلوب أن يكون النص غريبًا، بل أن يكون صادقًا. وليس المطلوب أن يكسر الكاتب كل القواعد، بل أن يعرف أي قاعدة يحتاج إلى تجاوزها، ولماذا. ربما لهذا أرى أن التجريب ليس معركةً بين القديم والجديد، ولا صراعًا بين القاعدة والحرية. إنه حوار بين ذاكرة الأدب واحتمالات المستقبل، بين ما ورثناه وما نريد أن نتركه، بين الشكل الذي اعتدناه والفكرة التي تبحث عن شكلها. فالقاعدة تمنحنا أرضًا نقف عليها، والتجريب يمنحنا أفقًا نتحرك نحوه. والإبداع الحقيقي ربما لا يكمن في أن نكسر القاعدة، ولا في أن نحافظ عليها، وإنما في أن نعرف متى نلتزم بها، ومتى نعيد اكتشافها، ومتى نملك شجاعة تجاوزها.

 وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل كاتب وقارئ:

 حين نكسر القاعدةهل نفتح بابًا جديدًا للأدب، أم نغلق بابًا من أبواب الجمال الذي لم نكتشفه بعد؟

 وربما تكون الإجابة الأجمل أن الأدب العظيم لا يخاف من القواعد، ولا يقدّسهابل يعرف كيف يجعلها جزءاً من رحلته نحو الحرية.

كسر القاعدة إبداعًا حين لا يكون اعتباطياً

وترى الكاتبة صفاء الأحمد من الأردن ضرورة التجريب غير المطلق بقولها : التجريب أراه ضرورة حين يكون الأدب حياً في وعي كاتبه، لا مجرد تكرار لما استقرّ قبله.
فحين أريد أن أكتب نصاً بأسلوب مختلف، لا أتعامل مع التجريب كمغامرة شكلية، وإنما أختبر إمكانات النص أولًا، وأعرضه على بعض القرّاء والنقّاد الذين أثق بحسّهم وقراءتهم، ثم أتأمل أثره وما أحدثه من استجابة، وأعود إليه بالحذف والإضافة وإعادة البناء حتى أبلغ الصيغة التي أشعر أنها أكثر وفاءً لما أردت قوله.
التجريب ضرورة لتطور الأدب، لكنه ليس ضرورة عمياء أو مطلقة؛ إذ لا قيمة لتجريب ينفصل عن المعنى، ولا لتجديد يكتفي بزعزعة الشكل دون أن يضيف إلى التجربة الأدبية شيئًا. ويكون كسر القاعدة إبداعًا حين لا يكون اعتباطيًا، وحين لا يأتي لمجرد الرغبة في المخالفة أو ادعاء التجديد، وإنما يفتح في النص أفقًا لم يكن متاحاً قبله، ويضيف إليه ما هو جديد ومختلف.
المخالفة في ذاتها ليست إبداعًا؛ إذ يمكن لأي أحد أن يخالف، لكن ليس كل من خالف أضاف، ثم إنني لا أؤمن كثيرًا بفكرة القواعد المطلقة في الأدب؛ فالأدب متحوّل، وما نسمّيه قاعدة اليوم قد يكون في لحظة سابقة خروجًا على قاعدة أقدم. وما من قاعدة أدبية إلا وكان وراءها زمنٌ من التمرد عليها، ثم استقرت لتصبح مألوفًا يُعاد النظر فيه. ولذلك لا أرى تطور الأدب مرهونًا بكسر قواعده وحده؛ قد يتطور بكسرها حين تصبح قيدًا يحول دون ولادة تجربة جديدة، وقد يتطور بإعادة اكتشافها حين نعثر فيها على إمكانات لم ننتبه إليها من قبل.
ليس كل ما هو قديم مستنفدًا، كما أن ليس كل ما هو جديد مكتشفًا بالضرورة. ولا أظن أن معرفة القواعد شرط مطلق للتجريب، وإن كانت معرفتها قد تمنح الكاتب وعيًا أوسع بما يفعل، وتتيح له أن يتجاوزها عن قصد لا عن مصادفة، ربما من المنصف أن نعترف بأن الأديب بالفطرة يختلف عن الأديب الذي تلقّى الأدب وتعلّم قواعده وأدواته.
الأول قد لا يبدأ من القاعدة أصلًا؛ إذ تسبقه موهبته إلى ما لم يتعلمه، وتكون لديه حساسية فطرية تجاه اللغة والإيقاع والصورة والسرد تجعله يبتكر قبل أن يعرف أن ما يفعله يندرج تحت مسمى أو قاعدة.
ولعل كثيرًا من القواعد التي نعرفها اليوم لم تُخلق ابتداءً في الكتب، وإنما استُخلصت لاحقًا من تجارب المبدعين.
أما الأديب الذي تلقّى الأدب، فتمنحه المعرفة قدرة على رؤية البنية من الداخل وعلى اختبار حدودها، ثم تجاوزها بوعي.
لذلك أرى أن المعرفة ربّما تطوّر الأدب المكتوب عبر التجريب، لكنها ليست بالضرورة شرطًا لولادة التجربة الإبداعية.
وقد تهتدي الموهبة إلى ما تعجز القاعدة عن تعليمه، والقاعدة قد تمنح الموهبة وعيًا بما تهتدي إليه.
وبين الفطرة والمعرفة تنشأ مساحات واسعة من الإبداع.

وبالطبع الجِدّة وحدها لا تكفي لتمنح العمل قيمته، فليس كل جديد تجديدًا، كما أن مجرد مخالفة المألوف لا تمنح النص صفة الإبداع.
قد يكون الجديد مجرد شكل مستحدث لم يضف إلى الأدب شيئًا، والتجريب استعراضًا تقنيًا يخفي فراغًا في الفكرة أو التجربة.

الأدب يكتسب أصالته من صدق التجربة وفرادة الرؤية وامتلاك الكاتب لصوته الخاص، والأصالة ليست أن نكرر ما سبقنا، كما أن الحداثة ليست أن نتبرأ منه؛ إنما أن نعرف ما الذي يستحق أن يبقى، وما الذي يمكن أن يتغير، ولهذا أرى أن التطوير يبدأ من الشكل الأصيل… نحافظ على الجوهر، ونختبر المظهر.
فحين يبقى المعنى حيًّا، يمكن للشكل أن يتبدل ويتشظى ويتخذ صورًا جديدة دون أن يفقد النص هويته.
أما حين يصبح التجريب غاية في ذاته، يتحول التجديد إلى قطيعة مع الأدب بدل أن يكون امتدادًا له.

هناك ما يمكن تطويعه للتجريب وما لا يمكن

ويشاركنا الشاعر والناقد المصري حسن الحضري في حوارنا حول قضية التجريب بقوله : يُعَد التجريب نقطة ارتكاز تيارات الحداثة التي تهدف إلى كسر القواعد والثوابت وإعادة تشكيل عناصر بناء النص الأدبي بشكل مختلف، يرى أنصاره أنه يمثِّل التطور الإبداعي، فالذين ساروا في فلك التجريب أرادوا أن يصطنعوا أشكالًا جديدة، وأن يمزجوا بين الأجناس الأدبية المختلفة، غير أن بعضهم لم يميز الأجناس التي يمكن تطويعها لتيار التجريب؛ مثل الرواية، من غيرها التي لا يمكن تطويعها؛ مثل الشعر. ومن نماذج الأشكال الأدبية الجديدة التي أفرزها تيار التجريب: ما يسمى بالقصة الشاعرة؛ التي أطال أنصارها في مدحها وتقريظها بحجة أنها ابتكار جديد يجمع بين الشعر والقصة، بينما الحقيقة التي تجاهلوها أن هذا الجنس الأدبي التجريبي لا تنطبق عليه قواعد الشعر؛ لأن الشعر قائم في أساسه على الوزن والقافية، ويمكن أن نفرِّق بين الإبداع الحقيقي والهدم، من خلال النظر في تراثنا العربي العريق، الذي نجد فيه المزج الحقيقي بين الشعر والقصة بأسلوب أدبي يحافظ على القواعد العلمية للشعر والخصائص البنائية للقصة، في إطار (الشعر القصصي)، الذي يروي لنا القصص والأخبار في إطارٍ شعري صحيح يلتزم بقواعد الشعر، فهذا هو الابتكار وهو التطور الذي يحافظ على شكل الجنس الأدبي ويطور في مضمونه، أما القصة الشاعرة التجريبية الحداثية فقد تأسست على هدم قواعد الشعر.  وقد حاول الحداثيون والتجريبيون التأصيل لمنهجهم، فأحالوا بعض أفكارهم إلى التراث من أجل تقوية حجتهم، فسلك بعضهم طريقًا قائمًا على الادعاءات والأوهام، ومن ذلك أنهم أحالوا نسبة المذهب الحداثي في الشعر إلى بعض الشعراء العباسيين، وزعموا أن القاضي الفاضل [ت: 596هـ] أسَّس لمنهجهم الذي ظهر بعد وفاته بنحو ثمانية قرون، وهذا ادعاء باطل منهم؛ فإن القاضي الفاضل لا علاقة له بالتجريب الحداثي، ونصوصه التي استندوا إليها ودعموا بها منهجهم ليست من قَبِيل التطور الشعري؛ بل هي ضربٌ من فنون الكلام والتَّنميق والزخرفة التي شاعت في ذلك الوقت، واشتهر بها بعض الشعراء آنذاك، فكانوا يجمعون بين الشعر والنثر في كلامهم دون أن يزعموا أن ذلك جنس أدبي جديد؛ بل كانوا يميزون بين الشعر والنثر، وقد تناول القلقشندي [ت: 821هـ] هذه الزخرفة الكلامية وأوردها في كتابه (صبح الأعشى في صناعة الإنشا)، دون أن يزعم أيضًا أنها جنس أدبي جديد أو أن أصحابها زعموا ذلك؛ بل تناولها باعتبارها زركشة كشَف الشعراء من خلالها عن تبحُّرهم في الشعر والنثر على حدٍّ سواء، مع التمييز بينهما وعدم الخلط في المسمى.

ولكن حين ننظر إلى جنس أدبي آخر مثل الرواية؛ نجد أن مكوناتها وعناصرها وطبيعتها السردية يمكن تطويعها للتجريب، بشكل يتيح لها المزيد من التطور والابتكار؛ لأن الرواية بمفهومها المعروف قد تأسست من عناصر بنائية غير قابلة للثبات، لذلك لم تستطع أن تستمر بشكلها الذي تأسست عليه في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ إذْ أثبتت مجريات الواقع أن الرواية تحتاج إلى شيء من التطور بما يواكب الأحداث السياسية والتطورات الاجتماعية المتجددة، ولذلك فإن الرواية ما زالت حتى اليوم قابلة للتطور بما يمكِّنها من أداء دورها في إطار العلاقة الراسخة بين الأدب والمجتمع.      

هكذا يبدو الاختلاف بين أثر التجريب في الشعر وأثره في الرواية، فيجب على الأديب أو الناقد قبل أن يسلك في ميدان التجريب؛ أن يميز بين ما يمكن تطويعه للتجريب وما لا يمكن؛ لأن بعض القواعد تُعَد من الثوابت التي لا يمكن العبث بها تحت أي مسمًّى. 

التجريب لا يبدأ من الورق، بل من النفس

 

وتؤكد الكاتبة ندى الجهني على ضرورة معرفة الأصول قبل التجريب ليكون التغيير أكثر وعياً بقولها:  أحيانًا لا يخرج الإنسان من القفص لأنه كره قضبانه، بل لأنه اكتشف فجأة أن الفكرة التي في داخله أكبر من المساحة التي اعتاد أن يعيش فيها. وربما يبدأ التجريب الأدبي من اللحظة نفسها؛ لحظة يصبح فيها الشكل مألوفًا إلى الحد الذي يعجز معه عن حمل المجهول الذي يتكوّن في الداخل.

ليست القاعدة دائمًا خصمًا للإبداع، كما أن مخالفتها ليست دائمًا انتصارًا عليه. فالقاعدة تشبه معرفة الطريق قبل أن نقرر الانحراف عنه؛ تمنح الخطوة الأولى شيئًا من اليقين، ثم يأتي القلق الجميل حين يشعر الكاتب أن الطريق المعروف لم يعد يقوده إلى المكان الذي يريده.

لهذا لا يبدأ التجريب من الورق، بل من النفس.

يبدأ حين تضيق العبارة بما يريد القلب قوله، وحين يشعر الكاتب أن اللغة التي ورثها، على جمالها، لا تكفي لتسمية شيء لم يُسمَّ بعد. عندها يصبح البحث عن شكل جديد نوعًا من البحث عن الذات؛ كأن المبدع لا يجرّب النص بقدر ما يجرّب قدرته على رؤية نفسه والعالم خارج المرآة المعتادة.

لكن هناك فارقًا خفيًا بين من يكسر الباب لأنه اكتشف نافذة، ومن يكسره لأنه أراد فقط أن يسمع صوت الزجاج.

كسر القاعدة لا يصنع إبداعًا لمجرد أنه كسرها. قد يكون التمرد أحيانًا وجهًا آخر للعجز، وقد تتحول الرغبة في الاختلاف إلى فوضى حين يصبح المختلف غاية مستقلة عن المعنى. الغرابة وحدها لا تمنح النص حياة، كما أن الصدمة لا تكفي لتمنحه عمقًا. فالنص الذي يلفت النظر ولا يترك أثراً في الداخل يشبه ضوءاً قوياً في غرفة فارغة؛ يدهش العين لكنه لا يكشف شيئًا.

التجريب الحقيقي أكثر هدوءاً مما نظن. إنه لا يرفع صوته ليعلن أنه جديد، بل يترك القارئ أمام إحساس لم يعرف كيف وصل إليه. قد يغيّر ترتيب الجملة، أو يربك الزمن، أو يفتح للسرد أكثر من باب، لكنه لا يفعل ذلك استعراضًا للقدرة على مخالفة المألوف؛ يفعل لأن المعنى نفسه احتاج إلى طريق آخر.

وهنا تبرز علاقة التجريب بالمعرفة. فهل يستطيع الكاتب أن يتجاوز ما لم يعرفه أصلًا؟ ربما يستطيع أن يخالف، لكنه لن يعرف بالضرورة ماذا خالف، ولا لماذا. المعرفة ليست قيدًا على الحرية، بل قد تكون المساحة التي تجعل الحرية أكثر وعيًا بنفسها. ومن يعرف شكل الجدار يستطيع أن يميّز بين نافذة جديدة وثقب عشوائي فيه.

غير أن المعرفة حين تتحول إلى خوف من الخطأ تصبح سجنًا آخر. فالكاتب الذي يقدّس القاعدة إلى درجة يخشى لمس حدودها قد يكتب نصًا صحيحًا، لكنه لا يكتب بالضرورة نصًا حيًا. الأدب لا يعيش في سلام دائم بين النظام والفوضى؛ إنه يتنفس في المنطقة الحساسة بينهما، حيث يعرف المبدع متى يصغي إلى القاعدة ومتى يطلب منها أن تصمت قليلًا.

الأصالة كذلك لا تعني أن نعيد الماضي كما هو، ولا أن نهرب منه كي نثبت أننا أبناء زمن جديد. الأصالة جذور، وليست قفصًا. والحداثة أفق، وليست عملية محو للذاكرة. الشجرة التي تنكر جذورها لا تصبح أكثر حداثة؛ تصبح أقل قدرة على الوقوف. لهذا فإن التجديد ليس أن نأتي بما لم يفعله أحد، فهذه مهمة تكاد تكون مستحيلة، وإنما أن نرى ما فعله الآخرون بعين لم نستخدمها من قبل. قد تكون الفكرة قديمة، لكن زاوية النظر إليها جديدة. وقد يكون الشكل مألوفًا، لكن الروح التي تسكنه لم تُكتب بهذه الطريقة من قبل. الجديد الحقيقي لا يصرخ: «انظروا إليّ، أنا مختلف»، بل يجعل القارئ يكتشف اختلافه بنفسه.

وربما لهذا السبب يخاف الإنسان من التجريب أكثر مما يخاف من القاعدة. القاعدة تمنحه وهم الأمان؛ تقول له إن هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة، بينما التجريب يسحبه إلى مساحة لا توجد فيها علامات كافية. هناك يصبح الكاتب مسؤولًا عن خطوته، لا عن مخالفة غيره. يصبح عليه أن يكتشف لماذا يكتب بهذه الطريقة، ولماذا لا يستطيع أن يكتب بطريقة أخرى. في تلك اللحظة يتحول الأدب إلى اختبار نفسي عميق. فكل شكل جديد يختاره الكاتب يحمل في داخله موقفًا من الحرية، وكل خروج عن مألوف يكشف شيئًا من علاقته بالخوف. بعضنا يكسر القاعدة لأنه يريد أن يتحرر، وبعضنا يكسرها لأنه يريد أن يثبت أنه مختلف، وبين الحالتين مسافة لا يراها القارئ دائمًا، لكنها تظهر في روح النص.

التجريب إذن ليس احتفالًا بالاختلاف، بل مسؤولية تجاهه.

فإذا لم يفتح لنا بابًا إلى معنى أعمق، أو إحساس أكثر صدقًا، أو رؤية لم نكن قادرين على بلوغها بالشكل القديم، فما الذي تغيّر سوى هيئة الكلام؟

ربما لا يحتاج الأدب إلى أن يكسر قواعده بقدر ما يحتاج إلى أن يسألها: إلى أين يمكن أن تصل بي؟ ومتى تصبح عاجزة عن مرافقتي؟

وعندما يصل الكاتب إلى تلك العتبة، لا يعود السؤال: هل أنا أكسر القاعدة أم أحترمها؟ بل يصبح أكثر قلقًا وأجمل: هل أمتلك من الوعي ما يجعل خطوتي خارجها اكتشافًا لا هروبًا؟

هناك فقط يبدأ التجريب الحقيقي؛ حين لا يكون الكاتب واقفًا أمام باب مغلق يحاول تحطيمه، بل واقفًا أمام جدار قديم، يضع يده عليه طويلًا، ثم يكتشف أن الجدار لم يكن نهاية الطريق قط… كان يخفي وراءه طريقًا لم يكن يعرف أنه موجود.

التجريب ضرورة حين يصبح الأدب أسيرًا للتكرار

وتطرح الإعلامية والروائية خلود عبدالجبار رؤيتها حول القضية من خلال تساؤلاتها : التجربة .. هل نخالف القواعد أم نفتح دروباً جديدة ؟ في الأدب، لا أظن أن القواعد وُجدت لتتحول إلى أسوار عالية تحاصر الكاتب، ولا أن كسرها بطولة في حد ذاته. فبين الالتزام الصارم والتمرد المطلق، توجد مساحة واسعة اسمها التجربة ؛ تلك المساحة التي يختبر فيها الكاتب صوته، ويغامر بأفكاره، ويبحث عن طريق ربما لم يسلكه أحد قبله. لكن السؤال الذي يشغلني دائمًا: هل التجريب ضرورة لتطور الأدب، أم أنه مجرد خيار فني؟

أراه ضرورة حين يصبح الأدب أسيرًا للتكرار. فلو كتب كل جيل بالطريقة نفسها التي كتب بها من سبقه، لما تغير شكل الرواية، ولا تطورت القصيدة، ولا ظهرت أساليب سردية مختلفة قادرة على التعبير عن إنسان يتغير وعالم لا يتوقف عن التحول. الأدب في النهاية كائن حي، وإذا توقف عن التجربه خسر شيئًا من قدرته على الدهشة، لكن ليس كل خروج عن المألوف إبداعًا، وليس كل كسر للقاعدة تجديدًا. أحيانًا نكسر القاعدة فنفتح نافذة، وأحيانًا نكسرها فلا نجد خلفها سوى فراغ. والفارق هنا هو الوعي. الكاتب المبدع لا يختلف لمجرد أن يقال عنه مختلف، ولا يجعل الغموض دليلًا على العمق، ولا يهدم الشكل القديم فقط ليعلن أنه جاء بالجديد. التجريب الحقيقي يجب أن يضيف إلى النص، وأن يمنحه حياة أو معنى أو إحساسًا لم يكن ليصل إليه بالطريقة المعتادة.

ومن هنا يأتي سؤال آخر: هل يشترط أن نعرف القواعد قبل أن نتجاوزها؟

بالنسبة لي، نعم. كيف أعرف أنني خرجت عن الطريق إذا كنت لا أعرف الطريق أصلًا؟ وكيف أكسر قاعدة لا أعرف لماذا وُضعت؟ معرفة القواعد لا تعني الخضوع لها، بل تمنح الكاتب حرية أكثر ووعيًا أكبر حين يقرر تجاوزها. هناك فرق كبير بين من يكسر القاعدة لأنه لا يعرفها، ومن يعرفها جيدًا ثم يقول: هنا تحديدًا لن ألتزم بها، لأن نصي يحتاج طريقًا آخر.

وقد يكون الإبداع أحيانًا ليس في كسر القواعد، بل في إعادة اكتشافها. ربما نعود إلى أسلوب قديم فنقدمه بروح معاصرة، أو نستعير شكلًا مألوفًا ونضع داخله فكرة لم تكن مألوفة. وهنا يلتقي التجريب بالأصالة؛ فلا نقطع جذورنا كي نصبح حديثين، ولا نبقى أسرى الجذور خوفًا من التغيير.

والأصالة في رأيي ليست أن نكتب كما كتب السابقون، بل أن نعرف من أين جئنا، ثم نمتلك الشجاعة لنقرر إلى أين نريد الذهاب. أما الجديد، فليس كل ما لم نعتده يستحق أن نسميه تجديدًا. قد يكون الجديد مجرد غرابة عابرة، وقد يكون محاولة للفت الانتباه، وقد يكون فكرة جميلة لكنها لم تنضج بعد. التجديد الحقيقي هو ما يبقى بعد زوال دهشة المفاجأة؛ ما يجعلنا بعد سنوات نعود إليه فنكتشف أنه لم يكن مختلفًا فقط، بل أضاف شيئًا إلى الأدب.

أنا أحب التجريب في الكتابة، لأنني أؤمن أن الكاتب الذي يخشى المغامرة قد يكتب نصًا صحيحًا، لكنه ربما لن يكتب نصًا يُدهشنا. وفي المقابل، المغامرة بلا معرفة قد تمنحنا نصًا غريبًا، لكنها لا تضمن لنا نصًا جيدًا.

لذلك أرى أن أجمل منطقة يقف فيها الكاتب هي تلك الواقعة بين المعرفة والجرأة؛ أن يعرف القاعدة، ويحترم تاريخها، ثم يمتلك الشجاعة لتجاوزها عندما يشعر أن الحكاية أكبر منها.

فالأدب لم يتطور يومًا لأنه هدم كل ما سبقه، ولم يتطور لأنه حافظ عليه كما هو؛ بل تطور لأن هناك دائمًا كاتبًا نظر إلى الطريق القديم، احترم الذين مروا منه، ثم لمح دربًا صغيرًا إلى جواره وقال:

وماذا لو جرّبت أن أمشي من هنا ؟

الأدب يتطور حين يجمع بين الأصالة والتجديد

وتفيد الكاتبة أمل الحربي بأن التجريب يسبقه فهم القاعدة بقولها : نقف أمام كل ما هو جديد في بعض الأحيان ونسأل: هل كل جديد يستحق أن نتبعه؟ وهل الخروج عن المألوف يعني أننا نبحث عن الإبداع، أم أننا فقط نريد أن نكون مختلفين؟

في الأدب، أرى أن التجريب ليس مجرد كسر للقاعدة، وإنما هو محاولة طريق آخرللتعبير. فالكاتب قد يملك الفكرة، لكنه يبحث عن الطريقة التي يستطيع من خلالها أن يوصلهابصورة مختلفة، أقرب إلى إحساسه وإلى القارئ.

لكن هل يعني التجريب أن نتخلى عن كل ما سبق؟  في رأيي: لا. فالإنسان لا يستطيع أن يبني شيئًا جديدًا إذا كان لا يعرف ما الذي يبني عليه. وكذلك الكاتب،حين يعرف القواعد ويفهمها، يصبح قادرًا على أن يتجاوز بعضها عندما يرى أن التجاوز يخدمفكرته ونصه. أما أن نكسر القاعدة لمجرد كسرها، فهذا لا يجعل النص أكثر إبداعًا.

وأعتقد أن التطوير والتحديث لا يعنيان أن نترك كل ما هو قديم ونبحث عن كل ما هو جديد. فبعض الأشياء القديمة ما زالت تحمل جمالها وقيمتها، وبعض الأشياء الجديدة قد لا تضيفشيئًا سوى أنها جديدة.

الأدب يتطور عندما يستطيع أن يجمع بين الأصالة والتجديد؛ يأخذ من الماضي ما يستحق أنيبقى، وينظر إلى الحاضر بعين واعية، ويفتح للمستقبل مساحة للتجربة. ولذلك لا أرى أن القاعدة عدو للإبداع، كما لا أرى أن التجريب عدو للأصالة. المشكلة تبدأ عندمايتحول الالتزام إلى جمود، أو يتحول التجريب إلى فوضى.

فالكاتب الحقيقي، في نظري، لا يحتاج أن يثبت اختلافه في كل سطر، وإنما يحتاج أن يكونصادقًا مع فكرته. قد يكتب بأسلوب مألوف، لكنه يقول شيئاً جديداً، وقد يكسر قاعدةأدبية،لكنه يقدم معنى يستحق أن يُقرأ.

وربما السؤال الأهم ليس: هل نكسر القاعدة؟ بل: ماذا سنقدم بعد كسرها؟

إذا كان ما بعد القاعدة يفتح للقارئ نافذة جديدة، ويجعله يرى فكرة اعتاد عليها بطريقةمختلفة، فهنا يصبح التجريب إبداعاً. أما إذا كان مجرد خروج عن المألوف دون معنى، فلن يكونالاختلاف وحده كافياً لصنع الأدب.وفي النهاية، أؤمن أن الأدب مساحة واسعة، تتغير بتغيرالإنسان، لكن الإنسان نفسه يحتاج إلى أن يعرف ما يؤمن به قبل أن يتأثر بكل ما حوله. وكذلك الكاتب؛ من حقه أن يجرب، وأن يغير، وأن يبحث، لكن عليه أن يعرف لماذا يفعل ذلك. فالتجديد الحقيقي ليس أن نهدم ما سبق، بل أن نعرف ما يستحق أن يبقى، وما يمكن أن يتغير،وما يمكن أن نكتشفه لأول مرة.

المبدع الحقيقي لا يحارب  الخبرة، إنما يحاورها

وتعلق الكاتبة والروائية أميرة الراشد على محاور القضية المطروحة بقولها :

أرى التجريب ضرورة حين تكون لدى الكاتب رؤية لا تتسع لها القوالب المألوفة، وخيارًا حينيتحول إلى مجرد رغبة في الاختلاف. فالأدب،في نظري، كائن حي .. ولو ظل يعيد الأدوات نفسهابالطريقة نفسها، لما استطاع أن يعبّر عن إنسان يتغير ووعي يتسع وأسئلة تتجدد.

في تجربتي الشخصية  مع الكتابة، أجدني أنظر إلى التجريب بوصفه قراراً لحظياً، لأنه يأتي نتيجة طبيعية لما أردت أن أقوله. فهدفي الأسمى أن يعيش القارئ لي تفاصيل الرسالة، وفي الوقت نفسه يمر دون تلقين مباشر،بتجربة من التأمل واكتشاف الذات. لذلك يتداخل عندي السرد مع الرمز والتأمل والبعدالنفسي .. لأن أفكاري الكتابية نفسها تحتاج إلى هذه المساحة. ولهذا أؤمن أن التجريبالحقيقي لا يبدأ من سؤال: كيف أكتب بطريقة مختلفة؟ إنما من سؤال أعمق: ما الشكلالأصدق الذي تستطيع فكرتي أن تولد من خلاله؟

يصبح كسر القاعدة إبداعًا عندما يضيف إلى التجربة، وليس عندما يكون استعراضاً للخروج عليها.

أنا لا أرى أن الإبداع في هدم القاعدة،  أرى أن الإبداع يأتي من معرفة متى تصبح القاعدة أضيق من الفكرة. أحياناً يحتاج الكاتب أن يكسرها، وأحيانًا يكتشف داخلها إمكانات لم يستخدمها الآخرون من قبل، فالقاعدة في الفن ليست سجناً، وإنما خبرة تراكمت عبر أجيال. والمبدع الحقيقي لا يحارب هذه الخبرة، إنمايحاورها .. يأخذ منها ما يخدم رؤيته، ويتجاوز عن الغير مطلوب .فالأدب لا يتطور لأننا كسرناقواعده، الأدب يتطور حين نكتشف احتمالات جديدة لما يمكن أن يكون عليه.

ولايشترط معرفة القواعد قبل تجاوزها ، لكن أعتقد أن معرفتها تمنح الكاتب حرية أكبر فيتجاوزها بوعي، فهناك فرق بين أن يخرج الكاتب عن قاعدة لأنه لا يعرفها، وبين أن يعرف لماذاوُجدت ثم يقرر أن نصه يحتاج إلى طريق آخر.

في الحالة الأولى قد يكون الأمر جيداً، أما في الثانية فأنا أراه اختياراً فنياً وذكياً.

ومع ذلك، لاأؤمن بأن الإبداع ينتظر دائماً إذن المعرفة الأكاديمية. بعض المبدعين يمتلكونبالفطرة حساً يقودهم إلى مساحات جديدة، ثم تأتي المعرفة لتصقل هذه الفطرة وتمنحهاأدوات أكثر دقة.

بالنسبة لي، القواعد تمنح الكاتب الأدوات، لكن صوته الخاص هو الذي يقرر كيف يستخدمها.

يستحق التجديد أن يسمى تجديداً في حال أنه أستطاع أن يُوصِل الرسالة بثوب أدبي جديد فالتجديد وحده ليس قيمة أدبية.

قد يظهر الجديد غريباً وغير مسبوق، لكنه يترك في القارئ شيئاً لم يحدث من قبل.

التجديد الحقيقي كما أراه هو أن تقدم للإنسان تجربة مألوفة في جوهرها، لكنه يراها من زاويةلم يرها من قبل.وهنا تحديداً يلتقي التجريب بالأصالة.

فالأصالة ليست أن نكتب كما كتب السابقون، والتجديد ليس أن نقطع صلتنا بهم. الأصالة أنأعرف صوتي، وبيئتي،وأسئلتي، ورؤيتي ورسالتي، ثم أمتلك الشجاعة لأبحث عن الشكل الذييعبّر عنها بصدق.وهذا ماعلينا أن نحاول الاقتراب منه في كل مرة علينا أن نكتبفيها.فموضوعات مثل الخوف والفقد والبحث عن الذات ليست جديدة على القارئ الان، وهذايدعونا لأن نرى أهمية الالتفات للكيفية التي تجعل الرسالة تصل إليه من خلال مشاهد ورموز،بدلاً من أن تقف أمامه في هيئة موعظة،ولهذا ربما يكون تعريفي الشخصي للتجريب :

“أن نذهب باللغة إلى مكان جديد، دون أن نفقد في الطريق صدق الرسالة.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود