الأكثر مشاهدة

فاطمة وهيدي* لطالما قيل إن العالم كتاب، ومن لا يسافر؛ لا يقرأ منه سوى صفحة واحدة …

بين جغرافيا المكان وتضاريس الروح (رحلةٌ في ملكوت الكلمة)

منذ 3 دقائق

0

0

فاطمة وهيدي*

لطالما قيل إن العالم كتاب، ومن لا يسافر؛ لا يقرأ منه سوى صفحة واحدة، لكن حينما يتعلق الأمر بأدب الرحلات، فإننا لا نكتفي بالقراءة، بل نعيش حيواتٍ متعددة فوق حيواتنا، ونعبر برزخاً ثقافياً يربط بين ضفافٍ متباعدة.

إن هذا الجنس الأدبي الفريد ليس مجرد تدوينٍ بارد لمسافاتٍ قُطعت، أو حدودٍ جغرافية عُبرت، بل هو الجسر الروحي الذي ينسجه الإنسان بحسه المعرفي، وتوقه الأزلي نحو المجهول. وفي الكتاب الذي نحن بصدد سبر أغواره، نجد أنفسنا أمام حالةٍ إبداعية استثنائية، تجسدها شراكة أدبية وحضارية عميقة بين قلمين وثقافتين: قلم أدريانا فووك، الأكاديمية والكاتبة الأرجنتينية المسكونة بسحر الكلمة، وقلم حسين بن صبح الغامدي، الكاتب السعودي الذي يحمل معه عبق ورؤية المثقف العابر للحدود.

​لسنا هنا أمام مجرد أديب يصف رحلة بدأت بهدف ثقافي، استمرت بهدف استكشاف المكان، والسياحة، ولقاء الأصدقاء، بل نحن أمام أديب عاشق يرى في السفر مرآةً كبرى تعكس جوهر الوجود.

فالسفر كما يتبدى في هذا العمل، لا يغير الأماكن التي نزورها؛ بقدر ما يغيرنا نحن، ويصهر قناعاتنا؛ ليعيد تشكيلها وسط دهشة البدايات المستمرة، والكلمة هنا هي لغة القلب والدهشة، وليست مجرد تقريرٍ سياحي؛ حيث تنساب العبارات لتعيد بناء حوار عميق، ولطيف، نشأت فكرة هذا الكتاب في معرض الكتاب في بوينس آيرس، بين عالمين مختلفين، لغة عربية وأخرى إسبانية، لكنهما وجدا لغةً مشتركة، هي لغة الإحساس الصادق، والرغبة في بناء جسرٍ حقيقي بين الثقافات.

​تتحول الجغرافيا الصماء بين دفتي هذا الكتاب إلى لغة ناطقة، وتتحول الخرائط الجامدة إلى مشاعر تضج بالحياة؛ حيث يبحر بنا الكاتبان من “الطريق إلى بوينس آيرس” إلى “الرياض ضيف شرف معرض الكتاب بالأرجنتين”، ومن “مركز الملك فهد الثقافي الإسلامي” إلى “مدينة ليونيل ميسي (روزاريو)”.

كاتبان .. لم يكن أيٌ منهما عابراً للسبيل، بل كانا فنانَين يغزلان من غبار الطرقات حكايات، ومن وجوه العابرين قصائد وتأملات، مستمدين إلهامهم من “الجذور، الإيمان، والشغف”.

​هذا العمل هو امتدادٌ حديث لتلك الرغبة الإنسانية الفطرية في كشف المستور، وفهم سر التنوع البشري، تماماً كما خط الأوائل من أمثال ابن بطوطة والإدريسي وابن جبير وغيرهم من الرحالة أولى كلماتهم.

كتاب (بلاد البلاتا) ليس دليلاً سياحياً، بل هو رؤية أنثروبولوجية عاطفية، وجسور بين الثقافات والأحلام، تجلب العالم كله ليوضع بين أيادي القراء. إنها رحلةٌ استثنائية تبدأ بقلب الصفحة الأولى، لكنها لا تنتهي بوضع النقطة الأخيرة؛ فهي دعوة مستمرة للتأمل في جمال الاختلاف، وفي التحديات والآمال المشتركة، وفي وحدة الوجع الإنساني الذي يجمعنا مهما تباعدت بنا الدروب.

بداية عند البحث عن كلمة “البلاتا” (Plata) نجد أنها كلمة إسبانية تعني حرفياً الفضة، وتُستخدم بشكل واسع كمرادف عامي للمال أو النقود في العديد من دول أمريكا اللاتينية، وعند تصفح كتاب (بلاد البلاتا) نجد أنه ينقسم إلى جزءين، مقدمة بقلم الكاتبة الأرجنتينية أدريانا فووك، ثم الجزء الأول والمكون من ثمانية فصول بقلم الكاتب السعودي الأستاذ حسين بن صبح الغامدي، ثم الجزء الثاني بقلم الكاتبة الأرجنتينية أدريانا فووك، والمكون من ثمانية فصول أيضا، ثم خاتمة بقلم الأستاذ حسين بن صبح الغامدي.

الجزء الأول: عدسة الرائي حسين بن صبح واكتشاف أقاصي الجنوب

بواكر الدهشة وعبور حاجز اللغة بالوجدان

​في مستهل رحلته، يخرج الكاتب الأستاذ حسين بن صبح من إطار السائح ليدخل في كينونة المتأمل، ليصف تحول اسم “بوينس آيرس” في مخيلته من مجرد لفظ جغرافي ثقيل إلى أغنية تفتح أبواب البهجة، يركز الكاتب على أن اللغة الحقيقية في السفر ليست القواميس، بل هي “الملامح، النظرات، والابتسامات”، ويوثق لحظات الوداع المؤثرة في مطار جدة، وصورة طفلته “رزان” وهي غارقة في نومها، مما يمنح الرحلة بعداً إنسانياً حميماً؛ فالكاتب هنا لا يغادر وطنه بجسده فقط، بل يحمل معه قلبه متمثلاً في أسرته، كذلك يظهر تأثره ببيئته من خلال دهشته من ربط ابنه “رازي” (7 سنوات) للأرجنتين بـ “ميسي”، وكيف أصبح هذا الربط حافزاً له لكتابة نص أدبي في جناح الرياض بمعرض الكتاب  .

​عند ملامسة الأرض الأرجنتينية، تلتقط عينه أدق التفاصيل مثل اهتمام الناس بالأعشاب والبذور في وجبة الإفطار، وثقافة المقاهي المتجذرة من “اللاكريما” إلى “الكورتادو”، وحيوية شارع فلوريدا الذي أعاد إليه حنين ليالي رمضان في السعودية وبعض البلدان العربية، وحتى في لحظات القلق من اللصوص، والتحذيرات التي تلقاها، وكيف واجه ذلك بشراء هاتف رخيص، لكنه يحول هذا التوجس إلى مغامرة أدبية، حينما يكتشف دفء الشعوب وتعدد جنسياتها (البرازيل، فنزويلا، الصين، روسيا) التي تعيش في وفاق سلس.

الرياض ضيف شرف: حينما يتكلم الخط العربي في بوينس آيرس

​ينتقل الكاتب إلى لحظة تاريخية؛ اختيار الرياض لتحل كضيف شرف في معرض بوينس آيرس الدولي للكتاب، يصف الجناح السعودي كـ “واحة ثقافية” وسط المحيط اللاتيني.

هنا، لم يكن الحضور الأرجنتيني مجرد زيارة عابرة، بل كان استغراقاً قدسياً في جماليات الخط العربي، و المثقف السعودي هنا لا يمثل نفسه، بل يتحول إلى دبلوماسي ثقافي يذيب الجليد بين الشرق والغرب بمرونة وانفتاح، وقد استعد لهذه المهمة بالقراءة والبحث في (اليوتيوب، كتب السفر القديمة مثل كتاب محمد بن ناصر العبودي) ليمزج بين المشاهدة الحية والمعلومة الموثقة، يوثق الكاتب لحظات تقديمه لمحاضرته التي كانت مزيجاً بين الأدب والواقع، وكيف أن تفاعل الجمهور الأرجنتيني والمثقفين العرب المقيمين هناك أثبت أن الوجع الإنساني واحد، وأن الفن هو اللغة العالمية التي لا تحتاج لمترجم.

وفي هذا الفضاء (معرض الكتاب) ينبت الخيط الذهبي لكتاب (بلاد البلاتا)؛ اللقاء مع شريكته في الكتاب “أدريانا فووك”، حيث تتولد فكرة هذا العمل المشترك من رحم حوار عابر، مؤكدين أن أدب الرحلات لا يكتبه شخص واحد، بل تكتبه المسافات المشتركة.

مركز الملك فهد: منارة الروح في بلاد الفضة

​يصف الكاتب المركز الثقافي الإسلامي بكونه تحفة معمارية تجسد السكينة، حين تلتقي القباب والمآذن والرخام، وكيف يشعر الزائر العربي بـالألفة فور دخوله، وكأنه استعاد جزءاً من وطنه في أقصى جنوب الأرض، ويحدثنا عن الدور الحضاري للمركز، حيث يبرز الكاتب أن المركز ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو جسر ثقافي واجتماعي؛ فهو يضم مدرسة، ومكتبة، وقاعات للمحاضرات، ويفتح أبوابه للأرجنتينيين من مختلف الأديان للتعرف على الحضارة العربية والإسلامية، مما يعزز مفهوم حوار الحضارات الذي يدعو إليه الكتاب. ​

كذلك يصف الكاتب روحانيات المكان، ومشاعر السكينة التي غمرته عند أداء الصلاة فيه، وكيف أن صوت الأذان في تلك البقاع البعيدة يمنح الزائر شعوراً بالأمان والاتصال بالسماء، متجاوزاً حدود الجغرافيا. ​

ويرصد الكاتب لقاءاته مع القائمين على المركز والزوار، مشيراً إلى مفعول الابتسامة كقاسم مشترك بين العاملين هناك وبين الشعب الأرجنتيني، وكيف تذوب الفوارق في ساحات هذا المركز الواسعة.

سفراء الكلمة في “أرض الفضة”

يصف الكاتب التناغم بين أعضاء الوفد السعودي، وكيف تحولوا إلى أسرة واحدة في بلاد الغربة، ويُبرز دور المثقف السعودي، الذي لا يمثل نفسه فحسب، بل يحمل صورة وطنه، ويسعى لتقديمها بأبهى صورة في محفل دولي ضخم.

​كذلك يخبرنا عن التحديات اللوجستية بروح أدبية، فيتحدث عن كواليس التنظيم، والمواقف التي واجهت الوفد، بأسلوب لا ينسى الجانب الإنساني؛ فالمعاناة من المسافات الطويلة أو فروق التوقيت تتحول في نصّه إلى تأملات في الصبر والشغف بالمعرفة.

​ويرصد لقاءات الوفد مع زوار المعرض من الأرجنتينيين، والانفتاح على الآخر، وكيف أن الفضول تجاه الثقافة السعودية (الزي، اللغة، القهوة) كان مدخلاً لحوارات أعمق حول الأدب والفكر، ويركز على فكرة أن المثقف هو الأقدر على إذابة الجليد بين الشعوب.

وخلال تجولنا بين صفحات الكتاب نجد أن الكاتب يصف المدينة ليس كخلفية جغرافية فقط، بل كبيئة محفزة للإبداع، ويصور بوينس آيرس كمسرح للتبادل الثقافي، حيث تتقاطع مسارات الأدباء السعوديين مع نظرائهم من أمريكا اللاتينية، مما يخلق حالة من المثاقفة الحية التي تتجاوز الكتب لتصل إلى المشافهة واللقاء المباشر.

ويأخذنا في جولة سياحية تاريخية ثقافية بين متحف ميتر، ويشير إلى صحيفة لا ناثيون التي تأسست في نفس المبنى الذي يضم المتحف قبل أكثر من قرن ونصف، كذلك كاتدرائية بوينس إيرس وساحة مايو موضحا أهميتها التاريخية والسياسية، ثم يطوف بالقارئ في الشوارع والأزقة الضيقة، ليصل إلى سوق سان تيلمو القديم الذي يقارب عمره أكثر من مائة وثلاثون عاما.

يؤكد الكاتب حسين بن صبح أن التقاطعات والتشابهات مع الأرجنتين وجدها حتى في الأطعمة، فإحدى أكلاتهم التقليدية الإمبانادا هي السمبوسة لدينا، والأسادو هو اللحم المشوي، والدولسي دي ليتشي هي الكريم كراميل.

وحين يصل في جولته السياحية إلى حي لابوكا، يصفه بأنه حي الألوان والفن وكرة القدم، مشيرا إلى الجداريات التي تجسد رمز الكرة الأرجنتينية مارادونا، وكذلك التانجو.

أوشوايا.. الوقوف في نهاية العالم

يبرز الكاتب الرهبة التي يفرضها اسم “أوشوايا” (أقصى مدينة في جنوب الكرة الأرضية)، ويصف الرحلة إليها بأنها ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي مواجهة مع فكرة النهايات، والوقوف في النقطة التي تليها القارة القطبية المتجمدة. ​

يصف الكاتب الطبيعة هناك ببراعة؛ ويصور ثنائية البرد والدهشة، حيث الجبال المكسوة بالثلوج، ودرجة الحرارة التي تصل إلى صفر، والمياه الزرقاء العميقة، والرياح العاتية، كما يشير إلى السكان الأصليين لأقصى جنوب أمريكا الجنوبية (شعب اليمانا أو الياغان) الذين كانوا يقطنون هذه المنطقة بين الأرجنتين وتشيلي، وتحديدا في (أرض النار) منطقة تييرا ديل فويغو ومحيط قناة بيغل. وبالرغم من هذه القسوة المناخية والجبال الجليدية، إلا أنها لا تمنع الكاتب من استشعار الجمال، بل يراها جزءاً من هيبة الخالق، وعظمة تكوين الأرض.

ويحدثنا عن سائقة التاكسي التي قامت بدور المرشدة السياحية، وأخذته في جولة عبر المرتفعات الجليدية، ومرتفع (حلق الشيطان) الذي يختزن الثلج حتى فصل الصيف ليصبح مكانا مناسبا للتزلج، شارحة له كيف يستفيد السكان من الثلوج التي تغطي الجبال، عندما تتحول إلى مياه يستخدمونها في المنازل.

ويشرح لنا حسين الغامدي كيف زار مدينة (كالافاتي) في خياله، عندما قرر مغادرة أوشوايا بعد ليلتين فقط، متجها إلى بوينس إيرس، وبحث عن تذكرة طيران، فأخبرته موظفة حجز الطيران أن سيتوقف في كالافاتي، فراح يبحث عن معالم المدينة عبر الإنترنت، ليجدها مدينة ساحرة، تقع على ضفاف أكبر بحيرة في الأرجنتين (بحيرة أرجنتينيو)، ويحيط بها سلسلة من جبال الأنديز، لتفاجئه موظفة الطيران أنه مدة التوقف ستكون نصف ساعة فقط، وأنه لن يغادر مقعده في الطائرة.

وعورة الطريق إلى بلد الشعراء

خلف أسوار “الأنديز” رحلة الوجدان إلى تشيلي وضيافة العائلة

يخط الكاتب حسين بن صبح صفحة جديدة من رحلته اللاتينية، منطلقاً من الأرجنتين نحو جارتها تشيلي، يبدأ بوصف بصري لرحلة العبور، حيث تتجلى هيبة جبال الأنديز الشاهقة التي تفصل بين البلدين، وكأنها حارسٌ تاريخي يرقب المسافرين، ويصف الكاتب مشاعر الترقب وهو يجتاز الحدود، وصولاً إلى العاصمة سانتياغو التي استقبلته بمزيج من الحداثة وعبق التاريخ، وكيف تمت مصادرة التمر الذي أخذه معه كهدية لأصدقائه في تشيلي، والقرنفل واللوز أيضا.

حين ينقلنا الكاتب إلى شوارع سانتياغو، واصفاً عمارتها وتفاصيل حياتها اليومية مؤكدا أن الجمال الحقيقي للمكان تجسد في البشر؛ حيث يوثق لقاءه بصديقته التشيليّة “أنغريد” وزوجها “باتريسيو”، ويصف الكاتب ملامح المدينة من خلال أعين مستضيفيه، وكيف تحولت المعالم الجغرافية إلى ذكريات حية بمجرد اختلاطها بضحكات الأصدقاء وحفاوة اللقاء، مستعرضا جولتهم معه في حديقة (سان كريستوبال) أكبر حديقة حضرية في العاصمة التشيلية سانتياغو، والتي تضم التليفريك، وتمثال ضخم للسيدة مريم العذراء، وحديقة للحيوانات، ومسارات جري ومشي، ومسبح، ثم ذهابهم إلى قلب المدينة التاريخية، حيث ساحة الأسلحة، والمتحف الوطني، والبريد المركزي، ومشاهدة العروض الموسيقية، ثم انتقالهم إلى ساحة الدستور، حيث  المقر الرئاسي .

ويحكي حسين بن صبح عن توماس ابن أصدقائه انغريد ومارك، الذي علمه نطق اسم البلدة التي سيتجهون لها (تيشمبارونغو)، حيث مقر إقامة والد ووالدة انغريد، واصفا الطريق الذي استغرق قرابة الثلاث ساعات، وصولاً إلى منزلهما الذي يفوح بدفء العائلة. هنا، يتوقف الكاتب عند تفاصيل البيت الريفي الذي يذكره ببيوت القرى لدينا، حيث: الحديقة المنزلية، بساطة الأثاث، والأجواء التي توحي بالسكينة.

ويركز على مشهد المائدة التي أعدتها (سيلفيا) والدة أنغريد، بمساعدة زوجها (سيريجو)، احتفاءً بضيفهما السعودي؛ فيصف أصناف الطعام التشيلي التقليدي، وكيف أن رائحة الطعام كانت جسراً للتواصل قبل الكلمات، ويبرز شخصية الأب بوقاره وترحيبه، والأم بلمستها الحانية التي جعلته ينسى أنه في أقصى غرب الأرض.

روزاريو.. مهد العلم الأرجنتيني وأرض الأساطير

تعتبر روزاريو أكبر ثالث مدينة في الأرجنتين، ويخبرنا الكاتب الأستاذ حسين بن صبح أنه يشعر أن العائد المعرفي يصبح ثري حينما يأتي بعد معاناة، وخاصة عندما يقرر خوض غمار التجارب في الوصول لمناطق جديدة لم يذهب إليها من قبل، كفكرة استخدامه وسائل المواصلات العامة كالحافلات، وفي رحلته من بوينس إيرس إلى روزاريو أستقل حافلة، و يقطع المسافة من محطة الحافلات بعد وصوله إلى الفندق سيرا، فيكتشف جمال المدينة، ويكتشف في الفندق أيضا أن روزاريو تتميز بجمال فتياتها كما أخبره صديقه (رودريغو)، ويصف بن صبح جولته السياحية بالمدينة مع صديقه، وزيارته  لكلية العلوم الإنسانية والفنون هناك، وتجوله في مكتباتها وساحاتها، مع صديقه رودريغو المغرم بالكتب، ليذهبا بعد ذلك إلى ساحة سارمنتو، التى تضم سوقا قديما يصل عمره إلى 150 عام، ويحتوي على  مكتبات وغاليريهات فنية ومحال الحرف اليدوية، والمتاجر الفريدة، ثم ينتقلا إلى ساحة النصب التذكاري للعلم الأرجنتيني، حيث رُفع العلم الأرجنتيني لأول مرة عام 1812 على ضفاف نهر بارانا، والذي يُعد أطول أنهار أمريكا الجنوبية، لذا يُطلق على مدينة روزاريو (مهد العلم الأرجنتيني)، كذلك يعتبرونها أرض الأساطير، لأنها كانت مسقط رأس الكثير منهم، مثل الثائر تشي جيفارا.

يمتزج الشغف الرياضي بالحس الإنساني والأدبي، حيث يوثق الكاتب زيارته لمدينة ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي رمز عالمي للأحلام، يصف الكاتب وصوله إلى مسقط رأس ميسي، وكيف أن روح اللاعب ترفرف في كل زاوية؛ من الجداريات العملاقة إلى أحاديث الناس في المقاهي، وكذلك يصف المعالم المرتبطة بميسي (منزله القديم، النادي الذي بدأ فيه) بدقة تجعل القارئ يشاركه الرحلة خطوة بخطوة، مع مزج ذلك بملاحظات حول طبيعة المدينة الهادئة

المدينة في نصّه ليست مجرد مبانٍ، بل هي قصة نجاح تمشي على قدمين.

ولأن ​كرة القدم تعتبر لغة من لغات التواصل، فقد أبرز الكاتب كيف أن اسم “ميسي” كان كلمة السر التي تفتح له قلوب الأرجنتينيين؛ فبمجرد ذكر الاسم، تذوب الفوارق الثقافية، وتتحول الغربة إلى ألفة، وكأن ميسي هو السفير الدائم الذي لا يحتاج لترجمة.

​ونرى أن تأمل الكاتب لهذه المدينة البسيطة، ببيوتها وشوارعها العادية، والتي أهدت العالم عبقرياً كروياً، قاده إلى فكرة أدبية مفادها أن العظمة تولد من البساطة، وأن الإبداع لا يحتاج إلى القصور بقدر ما يحتاج إلى الإيمان والموهبة. ​

رياح الأطلسي .. ​خاتمة الرحلة ومبتدأ التأمل

 

يختتم الكاتب حسين بن صبح رحلته في الأرجنتين قبل أن ينتقل القلم إلى شريكته في الكتاب “أدريانا فووك”

فيستعرض اللحظات الأخيرة لرحلته في الأرجنتين، بدءاً من تجهيز حقائبه في بوينس آيرس، ومقارنة الأسعار والعملات بين الأرجنتين والسعودية، ملاحظاً التضخم الكبير في قيمة “البيزو”. وفي طريقه للمطار، يوثق حواراً ثرياً مع السائق حول أسطورة مارادونا والصراع الاجتماعي بين ناديي “بوكا جونيورز” و”ريفر بليت”.

​أثناء رحلة العودة التي مرت بـ (ريو دي جانير) ثم دبي وصولاً إلى جدة، يستغرق الكاتب في القراءة والتأمل؛ فيقرأ مذكرات “إرنستو ساباتو”، ويقارن بين ضخامة البرازيل الاقتصادية وتفرد الأرجنتين الثقافي، مشيداً بهوية الشعب الأرجنتيني وشغفه، مستعرضا مكانة الأرجنتين العالمية، وتاريخ استقلالها، وأبرز معالمها الطبيعية

​و يختتم الكاتب ببيان جهد تأليف الكتاب، مستعيناً بالصور والذاكرة التقنية، معبراً عن حنينه للعودة إليها مستقبلاً برفقة عائلته، مؤكداً أن الرحلة لم تكن مجرد انتقال جسدي بل تجربة فكرية عميقة.

 

الجزء الثاني: صوت الأرض.. أدريانا فووك وانعكاسات الروح المضيفة

 

 ​الجذور، الإيمان، والشغف الأرجنتيني

الكاتبة ​أدريانا فووك لا تكتب بصفتها رحالة، بل بصفتها صوت الأرض.

ففي مستهل كتابتها، تقدم الهوية الأرجنتينية للقارئ العربي على طبق من صدق، تشرح أن الشغف هو المحرك لكل شيء، من الفن إلى العلاقات، وتصف لقاءها بالوفد السعودي في بوينس آيرس، وتعتبره لحظة كاشفة؛ حيث لم تكن تصف السعودية بل كانت تصف دهشتها هي بمقابلة ثقافة كانت تظنها بعيدة ومنغلقة، لتكتشف وجهاً إنسانياً يتشابه مع إيمانها بالقيم الكونية.

​وتؤكد أن دورها في هذا الكتاب هو تقديم الأرجنتين الحقيقية بعيداً عن الصور النمطية، مستندة إلى إيمانها بأن الثقافة هي اللغة التي توحد البشر.

ونجد أن الكتاب بالنسبة لأدريانا ليس مجرد ورق، بل هو مرآة مزدوجة، رأت فيها السعودية من خلال رقي لغة حسين ولطف تعامله.

تحديات بناء الجسور

​تبدأ الكاتبة أدريانا فووك بتوضيح أن الأرجنتين ليست مجرد بقعة جغرافية؛ بل هي مزيج شعوري مكثف من الفخر، الحنين، الغضب، والأمل، وتؤكد على فكرة التعددية داخل الدولة الواحدة، فليس هناك أرجنتين واحدة بل “أرجنتينات كثيرة” متداخلة.

​وتذكر حواراتها الدينية والروحانية مع الاستاذ حسين بن صبح، وكيف تم الربط بين الإسلام والمسيحية

وتطرقت لزيارة حسين بن صبح للمسجد الكبير في “باليرمو” ببوينس آيرس، وشعوره بالسكينة التي تتجاوز العمارة لتصل إلى الروح.

​وأكدت أن حواراتها مع حسين كانت تركز على أن جوهر إيماني واحد (الصلاة، الخلوة، المغفرة، وعمل الخير دون مقابل).

وتذكر الكاتبة طقوس عائلتها الكاثوليكية، وتقارنها بإيمان حسين، لتصل إلى نتيجة أن المقدس لا يكمن في التصنيفات، بل في النية.

و​تستعرض الكاتبة الجذور التي بنيت عليها الأرجنتين، حيث ​الأصول المتعددة من إيطاليون، إسبان، ألمان، عرب، يهود، حيث قامت كل مجموعة بوضع بصمتها في اللغة والطبخ والتقاليد.

تؤكد الكاتبة أن تاريخ الأرجنتين لم يبدأ مع الهجرة فقط، بل هناك شعوب أصلية كانت تسكن الأرض قبل وصول السفن، وهي جزء أساسي من الهوية يجب ذكره.

وتشير بوضوح إلى موجات الهجرة العربية في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 (السوريون، اللبنانيون، الفلسطينيون)، وكيف حافظوا على ثقافتهم رغم تسجيلهم قسراً كـ “أتراك” بسبب جوازات سفرهم العثمانية آنذاك.

و​تنتقل الكاتبة إلى “الدين الدنيوي” في الأرجنتين وهو كرة القدم

وتذكر ​مارادونا، وتصفه كـبطل متمرد، ورمز أسطوري يتجاوز كونه لاعباً، وتذكر زيارته للنادي الأهلي السعودي عام 1987 كدليل على وصول سحره للشرق.

كذلك ​ميسي الذي تشير إلى الانبهار العالمي به، وكيف سأل ابن “حسين” عنه فور علمه بسفر والده للأرجنتين، مما يثبت أن كرة القدم توحد الشعوب أكثر من أي شيء آخر.

​و​تذكر الكاتبة نموذج “خالد حلار”، مقدم برنامج “القلم” في التلفزيون الأرجنتيني الرسمي، كونه أرجنتينياً من أصول عربية يساهم في تقريب المسافات، وتعريف المجتمع الأرجنتيني بالإسلام واللغة العربية بشكل صحيح وبعيد عن الصور النمطية.

وتخلص إلى أن الأرجنتين هي “أرض وجدت فيها الروح العربية منزلاً”.

ونجد هنا أن الرسالة الأساسية هي أن الاختلافات في العرق أو الدين ليست عائقاً، بل هي مصدر قوة لبناء مستقبل يعتمد على الاحتفال بالتعددية لا الانقسام، وتؤكد أن الهوية الأرجنتينية في نظرها هي قلب واحد ينبض بلغات وأحلام متعددة.

 

 الفن والذاكرة: حين يتحدث الوجدان بلا مترجم

 

​تؤكد أدريانا أن الفنون هي اللغة التي لم تحتج فيها إلى ترجمة مع الوفد السعودي، تشرح روح “التانغو” كتعبير عن الحنين والجذور، وتُعجب بكيفية استقبال المثقف السعودي لهذه الفنون بتقدير عالٍ، وتصف كيف تحولت النقاشات من نصوص صلبة إلى حكايات إنسانية متبادلة عن الأجداد والتقاليد، مما جعل الذاكرة السعودية والأرجنتينية تلتقيان في تبجيل القيم الأصيلة.

اكتشاف الذات في مرآة “الآخر”

​في واحدة من أعمق لحظات الكتاب، تعترف أدريانا بأن أسئلة حسين العميقة جعلتها ترى بلدها بمنظور جديد، لقد نبهها إلى جماليات في هويتها كانت تعتبرها بديهية، هنا تتجلى قيمة الكتاب كمختبر لتصحيح المفاهيم؛ فلا الشرق هو ذاك المتخيل القديم، ولا الأرجنتين هي مجرد بلد ناءٍ، المسافات الجغرافية شاسعة، لكن المسافات الذهنية تتلاشى تماماً بفضل الكلمة الصادقة.

رياح الأمل والرسالة الختامية

​تختتم أدريانا جزءها بالتأكيد على أن هذا المشروع هو دعوة لتغيير نظرة العالم، وترى أن الرياح التي تهب على الأرجنتين تحمل الآن أصواتاً وأفكاراً ثقافية متميزة، وأن الكتاب بالنسبة لها حلم استحال حقيقة ملموسة، وجسر مادي يعبر عليه القراء من ضفة إلى أخرى، مؤكدة امتنانها لهذا الصدق الأدبي الذي جعل الأرجنتين أقرب إلى الشرق.

حصاد الرحلة وفلسفة العودة “بأعين جديدة”

​يضع حسين بن صبح النقطة الأخيرة في الخاتمة، لكنها جاءت كنهاية مفتوحة على آفاق أرحب، فيخبر القارىء أنه أصبح يكتب بروح المسافر الذي لم يَعُد كما ذهب؛ فالسفر الحقيقي في نظره ليس رؤية مناظر جديدة، بل في امتلاك أعين جديدة تدرك جوهر المشترك الإنساني.

​يؤكد الكاتب أن هذا العمل هو رسالة حب عابرة للقارات، وأن دمج صوت أدريانا بجانب صوته كان ضرورة لخلق توازن بين دهشة الزائر وعمق المضيف.

لذا نجد أن كتاب (بلاد البلاتا) ليس مجرد توثيق لرحلة إلى الأرجنتين، بل هو بيان أدبي يؤكد أن المشترك بين السعودية والأرجنتين أكبر بكثير من المسافات التي تفصل بينهما.

​إن هذا العمل الاستثنائي يظل دعوة مستمرة للتأمل في جمال الاختلاف، وفي وحدة الوجع والأمل الإنساني، إنه الجسر الذي لا ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل يبدأ من جديد في كل مرة يقرر فيها قارئ أن يعبر بين دفتيه، ليكتشف أن العالم رغم اتساعه، لا يسعه إلا قلب يتسع للآخر، وكلمة تؤمن بالحب والجمال.

*كاتبة من مصر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود