الأكثر مشاهدة

إعداد – مباركة الزبيدي من ريشةٍ على ورقٍ إلى حرفٍ على شاشة، ظلّ الإنسان يب …

موازين الإبداع بين توريث «الورق» وتحديث التقنية

منذ 4 دقائق

2

0

إعداد – مباركة الزبيدي

من ريشةٍ على ورقٍ إلى حرفٍ على شاشة، ظلّ الإنسان يبحث عن وسيلة تحفظ صوته من النسيان. وبين إرث الورق ووهج التقنية، تتعدد الأدوات، ويبقى الإبداع هو القيمة التي لا يطويها الزمن.
رغم التحدي الذي يعيشه عالم الفكر والأدب وتدوينه في وقتنا الحاضر، ما بين من لا يزال يفضل الاستمتاع بمداعبة القلم والتدوين على دفاتر الورق، ومن رشّح التقنية وما تحمله من خدمات وامتيازات قد تجاوزت ما فضل غيرها بكثير، إلا أن لكلٍّ مميزاته التي لا يمكن التقليل منها.
الكتابة بأدواتها القديمة والحديثة هي أهم الوسائل لنقل الإبداع عبر الأجيال، إلا أنه، ورغم تطور وسائلها مع ما يشهده العالم من ثورة تقنية عملاقة، لا يزال التنافس قويًّا ما بين الكتاب الورقي والإلكتروني.

التدوين لحفظ الإنتاج الفكري، سواء كان ذلك نابعًا عن قصائد شاعر، أو نصوص كاتب أو ناقد أو غيرهم، من أهم الأمور، بل من الضروريات التي لولاها لما وصلت إلينا إبداعات المبدعين من مختلف العصور، ولما عرفناهم وما نبغوا وتميزوا به من فنون أدبية في أزمنتهم وأماكنهم، ابتداءً بالعصر الجاهلي، ثم عصر صدر الإسلام، ثم العصور الوسطى، وانتهاءً بعصرنا الحديث الحاضر، بغض النظر عما إذا كان المدوّن هو صاحب الإنتاج الفكري، أم قام بتدوينه أحد المهتمين بأدبه وفكره، سواء كان هذا التدوين في عصره، أم في العصور التي تلته.

نعم، لولا التدوين وريش النعام وورق البردي وغيرهما، وتطور وسائل التدوين وتناقل ما أُلِّف وكُتِب عبر كتب ومخطوطات تطورت عبر الأجيال، حتى وصل ذلك إلى الأوراق والأقلام المعروفة والكتاب الورقي المطبوع، الذي أصبح في عصرنا الحاضر من الموروثات والمقتنيات لمن يحرص على الحصول عليها والاحتفاظ بها، في ظل مزاحمة التقنية والاعتماد عليها في القراءة والتدوين على حد سواء.

نعم، لو لم يكن هناك تدوين للإبداعات، وتصفح وتدوين لما يتم كتابته أو تناقله بين أفراد المجتمع، وجمعه عبر امتداد الأزمنة والعصور، لما عرفنا المعلقات وشعراءها، ولما عرفنا امرؤ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، والنابغة الذبياني، وغيرهم من شعراء العصر الجاهلي.

ولما تعرفنا على الخنساء رضي الله عنها وقصائدها وأبياتها في مدح أخيها صخر، والتي منها:

«وَإِنَّ صَخْرًا لَمَوْلَانَا وَسَيِّدُنَا
وَإِنَّ صَخْرًا إِذَا نَشْتُو لَنَحَّارُ

وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ
كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ»

وقالت أيضًا:

«يَذْكُرُني طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا
وَأَذْكُرُهُ لِكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي
عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي»

ولما وصلت إلينا نقائض جرير والفرزدق في عصر بني أمية، وكذلك المتنبي في العصر العباسي، وأبياته الشهيرة المتناقلة حتى الآن، ومنها:

«إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ»

وله أيضًا:

«وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا
تعبتْ في مرادِها الأجسامُ»

ولو لم يعرف العرب الكتابة والتأليف والتراجم والسير، واستمروا في ذلك جيلًا بعد جيل، يستمتعون برائحة الورق وانسياب الحبر عليه، لما وصل إلينا كتاب «كليلة ودمنة»، الذي قام بترجمته عبد الله بن المقفع، وربما لو لم يستمروا في الحقبة التي عاصرت غزو المغول وإتلاف ما تم تأليفه وترجمته في فترة تشجيع ذلك في عهد كلٍّ من هارون الرشيد وابنه المأمون، لتم نسيان ما كان في القرون التي سبقتهم، مع الكتب التي ألقاها المغول في نهري دجلة والفرات.

نعم، إن للورق رائحة لا يشمها إلا من أحب الكتابة بصدق وشغف، وللقلم صوتًا لا يسمعه إلا من اعتاد الإمساك به ومداعبته بين أصابعه، وجعل ذلك الصوت مسموعًا من خلال حروفه.

نحن في عصر التقنية، والأجهزة الذكية المختلفة في أنواعها وأشكالها، وما تقدمه من خدمات متطورة، والذكاء الاصطناعي، والكتاب الإلكتروني، الذي أصبح منافسًا للكتاب الورقي منذ سنوات، وهناك من يفضله، سواء في التدوين وإخراجه كإصدار، أو في القراءة والاطلاع.

بل أصبحت قراءته والاستمتاع به أكثر حرية وخصوصية وأريحية عندما يتم ذلك من خلال الجهاز اللوحي أو الهاتف المحمول، خاصة في الأماكن العامة، حيث لم يعد الأمر ملفتًا كالسابق عندما كنا نشاهد من يحضر معه كتابًا يستغل في قراءته ساعات الانتظار في صالات المطارات والمستشفيات وغيرها، في انتظار إعلان رحلته أو دوره، بل ولم يعد من يريد أن يقرأ كتابًا إلكترونيًا، أو أن يكتب ويدوّن في غرفة مشتركة، يحتاج إلى الإضاءة إذا كان ذلك يزعج من معه؛ حيث يستطيع القيام بذلك حتى وهو على سريره وتحت لحافه!

ولا نبالغ أن التقنية والتدوين الإلكتروني باتا من الضروريات، مع التحديات التي يعانيها الكثير من المؤلفين مع دور النشر، لسهولة انتشاره.

لكن، رغم ذلك، ورغم جميع ما سبق، يظل الكتاب الورقي مزاحمًا لهذه التقنية وهذا التوجه؛ لأن هناك من يستمتع برائحة عبيره، ويسمع ويرى صوت وبريق حروفه عن قرب، متلمسًا دفء صفحاته.

وختامًا نقول: التدوين للإبداع وللإبداعات، مهما اختلفت وسائله عبر العصور، ولا سيما أن العالم في تطور مستمر، وربما بعد سنوات وعقود سوف تظهر وسائل حديثة أخرى، هو ليس رفاهية، وإنما حفظ للتاريخ والفكر والأدب لكل مجتمع، وخير معرّف لكل جيل بمن سبقه من الأجيال، وهكذا يتم النمو والازدهار.
تتبدّل الأدوات، ويبقى الإبداع هو الإرث الأجمل. فالورق ذاكرة، والتقنية امتداد، وكلاهما حين يخدم الكلمة يحفظ للأجيال أثرًا لا ينبغي أن يندثر.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود