2
0
5
0
4
0
2
0
0
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13714
0
13560
0
12382
0
12211
0
9712
0

الحسَن الگامَح*
على سبيل البدء:
تأتي الدواوين الشعرية المعاصرة لتطرح أسئلة وجودية وفنية شائكة تتعلق بمأزق الذات الكاتبة أمام زمن سريع ومجزء، وواقع محفوف بالتغيرات والحروب والخيبات. وفي هذا السياق، يبرز ديوان «خط متقطّع» للشاعرة اللبنانية ليندا نصّار (الصادر عن دار النهضة العربية، بيروت، 2026) تجربةً شعريةً مكثفةً تتخذ من التفتت والانقطاع مدخلاً لبناء عالمها الجمالي. لا تسعى الشاعرة في هذا العمل إلى تقديم خط متصل أو سردية متماسكة وخالية من التردد، بل تعتمد الهشاشة والمسافات المتقطعة بوصفها أسلوباً وجودياً وفنياً لاستعادة الأنفاس والترميم الذاتي. تسعى هذه القراءة إلى تتبع خطوط هذا الديوان عبر معالجة عتباته البصرية واللغوية، وتحليل ثيماته المركزية القائمة على جدلية العمر، العزلة، مكابدة الكتابة، والاشتباك مع جراح الواقع والحرب.
على سبيل الغلاف والتصميم البصري
يشكّل غلاف الديوان عتبة بصرية مكثفة تتكامل مع المضمون النصي والفلسفي للتجربة:
على سبيل العنوان وسؤال العتبة الأولى (خطّ متقطّع)
يشكّل العنوان «خط متقطّع» البوابة الدلالية والسيميائية الموجهة لقراءة النص بأكمله؛ فهو يتكون من تركيب وصفي يختزل فلسفة التجربة الشعرية لدى ليندا نصار:
إن العنوان ليس حكماً شكلياً على بياض الصفحة فحسب، بل هو تجسيد للوجود اللاحمي والمستقطع؛ فالشاعرة تستبدل بالخط المستقيم والمكتمل خطاً متصلاً بوقفات وانقطاعات، لتؤكد أن هذه الفجوات والمسافات المتقطعة ليست دليلاً على العدم، بل هي وسيلة ضرورية لتنفّس الذات واستعادة أنفاسها قبل العودة إلى الكتابة والتجربة من جديد.
على سبيل التمهيد والبنية النفسية للمسافة
تؤكد الشاعرة دلالة العنوان في عتبة التمهيد المعنونة بـ «مسافة قبل الإنصات»، حيث تقول:
“سعتُ إلى رسم خط أردته مستقيماً… لكن المحاولة كانت تنتهي، في كل مرة، إلى مزيد من التيه في المسافات… ولعل الانقطاع، في بعض الأحيان، ليس إلا الوسيلة الوحيدة لاستعادة الأنفاس”.
رابعاً: الثيمات الكبرى والبنية الدلالية
تتكرر في الديوان عتبة منتصف العمر (“الأربعين”) بوصفها زاوية مضاءة لكنها محاطة بأسئلة الوجود، وقلق الزمن الذي يتسرب كالرمل أو الزئبق:
“زاوية مضاءة في الأربعين…
وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا” (قصيدة: خط متقطع).
“أربع وأربعون سنة من عمري…
استبدلت بها رقصات على وقع
ردات فعل تقاس كالأرقام” (قصيدة: صور ممزقة).
“سبع سنوات،
وزئبق العمر ينفلت من أصابعي” (قصيدة: أستعير مسافة).
هذا الإحساس الدائم بـ “الزمن الثقيل” والتحولات العمرية يولد عند الشاعرة حاجة إلى اختراع “زمن خاص” تمارس فيه مشاكسة الموت أو ممارسة الرقص والتأمل بعيداً عن صخب الأرقام.
تحول فعل الكتابة في الديوان من مجرد أداة تعبيرية إلى طقس وجودي وقار ومؤلم. الذات الشاعرة تعاني من “رهاب كتابة الكتابة” و”متلازمة الورقة البيضاء”، حيث ينقلب الحبر إلى دم ناري يروض المسافات:
لا ينكفئ الديوان على الذات الفردية والعزلة فحسب؛ بل ينفتح على صدمة التاريخ والجغرافيا الحية (فلسطين والحرب). يظهر الطفل الفلسطيني في قصيدة «سأحمل شهادتي إلى قبر الحياة» كرمز للمقاومة المستمرة في وجه الموت والرعود:
في أحلامه سنبلة تنمو بين من تجرأوا الصعود إلى الأعلى”.
“حتى الكلمات صارت أشباحاً ترفرف في الفراغ…
فما جدوى الكتابة؟
وما جدوى الحرب؟”.
تتجلى مرجعيات الشاعرة الثقافية وتجربتها النقدية والأدبية عبر استحضار قامات شعرية عالمية كـ لوركا في قصيدة «مرثية النوتة الأخيرة» (المستعادة في بيته في “هويرتا دي سان فيسنتي”)، وفرناندو بيسوا. التناص هنا ليس شكلياً بل هو استدعاء لحالة العزلة والقتال بالشعر ضد مشيئة القتلة والغياب.
على سبيل المعجم اللغوي والتعدّد الأسلوبي
على سبيل المفارقات والتقنيات الفنية
على سبيل الختم
تخلص هذه الدراسة النقدية إلى أن ديوان «خط متقطّع» للشاعرة ليندا نصّار يشكل وثيقة جمالية وجودية مكثفة، تجسد وعي الذات الشاعرة بمآزق العالم المعاصر ومكابدة الفعل الشعري. لقد نجحت التجربة في تحويل “الانقطاع” من حالة سلبية دالة على العجز والتفتت إلى رؤية فنية ومنهجية ترميمية تمكّن الذات من الصمود واستعادة أنفاسها بين فواصل الموت، غبار الحروب، والزمن المنفلت.
ومن خلال التآزر والتكامل الفريد بين عتبات الغلاف البصرية، سيمياء العنوان، والمضامين النصية المتوزعة بين البوح الذاتي المأزوم والاشتباك الإنساني مع قضايا الأمة (كفلسطين والحرب)، يترسخ الديوان كشهادة شعرية ترفض الاستسلام للصمت. إنه نص يمارس الشغف والرؤية في أشد اللحظات قسوة، ليؤكد في النهاية أن الخطوط المتقطعة، وإن عجزت عن الاتصال التام، تظل أقدر على منح اللغة معناها الحقيقي ومساحتها الحرة للنفس والاستمرار.
كاتب من المغرب