948
0
518
0
290
0
1258
0
661
0
5
0
14
0
2
0
10
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13628
0
13468
0
12292
0
12177
0
9632
0
اعداد : أحلام الجهني
ثمة أوطانٌ تعبر الحدود بأساطيلها، وأخرى تعبرها بكتبها. وبين العبورين مسافةٌ شاسعة لا تقاس بالجغرافيا، بل بالأثر الذي يبقى في ذاكرة الشعوب. فالكلمة الصادقة لا تطرق الأبواب بعنف، إنما تتسلل إلى الوجدان، وتعيد تشكيل الصورة من الداخل، حتى تغدو الرواية والقصيدة والمقال سفراء لا يحملون حقائب دبلوماسية، بل يحملون ذاكرة الإنسان وأسئلته وأحلامه.
من هنا لم تعد الثقافة ترفًا معرفيًا، إنما أصبحت أحد أبرز وجوه القوة الناعمة التي تصنع المكانة الدولية للأمم. وقد أشار الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه النقد الثقافي، إلى أن الثقافة لم تعد تُقرأ بوصفها نصًا أدبيًا فحسب، بل بوصفها منظومةً تصنع الوعي وتعيد إنتاج صورة المجتمع. ويؤكد الدكتور سعد البازعي في كتابه “قلق المعرفة”، أن الأدب هو أحد أكثر الجسور الإنسانية قدرةً على تجاوز الحدود وصناعة الحوار الحضاري.
ولعل الرواية والقصة القصيرة السعودية خير شاهد على ذلك؛ فمن “ترمي بشرر” و”طوق الحمام” لعبده خال، إلى «موت صغير» لمحمد حسن علوان، و”الوارفة” لأميمة الخميس، ” و”نزف من تحت الرمال” لحسن البطران، و”تهودة” لسلوى الأنصاري، لم تعد الأعمال الإبداعية تُقرأ باعتبارها حكايات محلية، بل بوصفها نصوصًا إنسانيةً تتحدث إلى العالم بلغته المشتركة.
في زاويةٍ هادئة من قاعة أحد معارض الكتب الدولية الكبرى، تقف أصابعُ زائرٍ غريب، تائه الملامح، لتستقر على غلاف كتابٍ حُمِلَ إليه من قلب الجزيرة العربية. يفتح الصفحات، فيتلاشى حاجز اللغات والمسافات؛ لم يعد يرى مجرد حبرٍ ينام على الورق، بل بدأ ينصت لقصة مجتمعٍ ينبض بالحياة، يدمج بين إرثه العريق وطموحاته التي تعانق السماء.
هذا المشهد البسيط ليس مجرد فعل قراءة، بل هو اللحظة الحقيقية لولادة الدبلوماسية الناعمة، حيث يتحول النص الأدبي من فكرة حبيسة الرفوف إلى سفيرٍ بلا جواز سفر، يعبر الحدود ليقود حوارًا حضاريًا ذكيًا وثقيل الأثر.
إن الحراك الثقافي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم، لم يعد يقتصر على بناء المؤسسات وتطوير المشهد المحلي، بل امتد ليكون جسرًا دوليًا تصنعه الكلمة. ولم تعد الثقافة مجرد ترفٍ فكري، بل أصبحت قوةً فاعلة تعيد صياغة حضورنا العالمي. فالرواية السعودية، سواء غاصت في عمق التاريخ والأصالة أو استشرفت المستقبل عبر الخيال العلمي، لم تعد مجرد حكايات للتسلية، بل أصبحت وثائق إنسانية وفكرية تمنح الآخر فرصة لقراءة المجتمع السعودي من الداخل. وحين تُترجم هذه الأعمال، فإنها لا تنقل نصوصًا فحسب، بل تنقل منظومةً من القيم والذاكرة والخيال، وتقدم صورةً أكثر عمقًا وإنصافًا عن الإنسان السعودي، تمامًا كما فعلت أعمالٌ روائية استطاعت أن تحجز مكانها في المكتبات العالمية وبرامج الترجمة، لتصبح الثقافة السعودية جزءًا من الحوار الإنساني المعاصر.
لقد تجاوزت معارض الكتب، وفي مقدمتها معرض الرياض الدولي للكتاب، مفهومها التقليدي بوصفها أسواقًا للنشر، لتتحول إلى منصاتٍ للحوار الثقافي العالمي، تلتقي فيها دور النشر والمترجمون والمفكرون وصناع القرار الثقافي، فتولد منها شراكاتٌ معرفية تتجاوز حدود الجغرافيا، ويصبح الكتاب بوابةً للتفاهم بين الحضارات أكثر من كونه منتجًا ثقافيًا.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والمشروعات المستقبلية العملاقة، يبرز الأدب الحديث بوصفه وسيلةً لأنسنة التقنية، فحين يكتب المبدع المحلي قصصًا تمزج بين الروح الإنسانية والتحولات الرقمية، فإنه يخلق لغةً عالمية يفهمها إنسان المستقبل أينما كان، ويؤكد أن الابتكار لا ينفصل عن الهوية، وأن المستقبل الأكثر إشراقًا هو ذلك الذي يحمل جذوره معه.
هكذا تغادر الكلمة رفوف المكتبات لتصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية، ويغدو كل كتابٍ يُترجم، وكل روايةٍ تُناقش في جامعةٍ أجنبية، وكل شاعرٍ يعتلي منصةً عالمية، إضافةً جديدة إلى الرصيد الحضاري للمملكة.. فالتاريخ لا يتذكر الدول بما شيدته من مبانٍ فحسب، بل بما شيدته في وجدان البشر. وحين تنجح الثقافة في أن تجعل الآخر يقرأنا قبل أن يحكم علينا، ويفهمنا قبل أن يفسرنا، تكون الدبلوماسية الناعمة قد بلغت أسمى غاياتها، وتكون الكلمة قد أدت رسالتها بوصفها السفير الذي لا يشيخ، والجسر الذي لا تهدمه الحدود.