الأكثر مشاهدة

الحسَـن الگامَـح* على سبيل البدء: تظل القصيدة الحداثية المغربية مختبراً مفتوحاً …

تفكيك البنية الجمالية لـديوان “لَنْ أقْتَفِي غَيْرَ أثري” للشاعر إسماعيل هموني

منذ 4 ساعات

7

0

الحسَـن الگامَـح*

على سبيل البدء:

تظل القصيدة الحداثية المغربية مختبراً مفتوحاً على الأسئلة الوجودية والاشتباكات الصوفية التي تعيد صياغة علاقة الذات بالكون، والذاكرة، والمكان. وفي هذا الفضاء الجمالي المعاصر، يأتي ديوان “لَنْ أقْتَفِي غَيْرَ أثري” للشاعر إسماعيل هموني ليمثل علامة إبداعية فارقة؛ إذ ينبثق من وعي شعري حاد يرفض النمذجة والاجترار، معلناً استقلالية الكينونة والمسار عبر تجربة تمتد على مدار 248 صفحة من التطهير بالماء والضوء والمجاز.

إن هذه القراءة النقدية المنهجية لا تقف عند حدود الملامسة الخارجية للنصوص، بل تغوص عميقاً في تفكيك البنية الجمالية والدلالية للمتن الشعري عبر مستويات متعددة. وتبدأ هذه الرحلة النقدية من سيميائية العتبة البصرية المتمثلة في لوحة الغلاف، لتنتقل إلى تفكيك شفرات العنوان المتمرد، ومساءلة المرجعيات التناصية وحوارية القدامى. كما تعرج الدراسة على “جيوبوتيقا” فضاء واحة “تغمرت” الجنوبي، مستجليةً أبعاد المتخيل الصوفي والتحولات الإيقاعية والبلاغية التي لم تنفصل عن ملامسة الوجع الإنساني المشترك والنزيف المقاوم.

ومن ثمَّ، تسعى هذه الورقة إلى تقديم إضاءة تفكيكية شاملة تستنطق كوامن التجربة الإبداعية عند هموني، وتتتبع تداخلات البصري باللفظي، والروحي بالواقعي، وفق المحاور التحليلية التالية:

على سبيل الغلاف

لا تنفصل اللوحة التشكيلية المعتمدة في الغلاف عن فلسفة الديوان؛ بل هي امتداد بصري لعنوانه وعوالمه الداخلية. يسيطر على الغلاف مزيج لوني يجمع بين زرقة عميقة تتداخل مع بياض ناصع، وهو ما يحيل سيميائياً على ثنائية “الماء والصفاء” و”المحو والإثبات” في التجربة الصوفية. 

الخطوط المنسابة في اللوحة تشبه أمواجاً أو طيوفاً متحركة ترفض السكون، مما يجسد فكرة “الأثر” غير الثابت، والذات التي تبحث عن مسارها الخاص بعيداً عن القوالب الجاهزة. إنها عتبة بصرية تدعو القارئ إلى العبور نحو فضاء يتداخل فيه التشكيل بالشعر، واللون بالمعنى، لتعلن منذ البدء أن ما بين دفتي الكتاب هو رحلة تجريدية لتطهير الروح. 

على سبيل العنوان:

إن عتبة العنوان “لَنْ أقْتَفِي غَيْرَ أثري” تحمل شحنة استباقية تلخص الموقف الفلسفي للديوان بأكمله. “الاقتفاء” في اللغة والاصطلاح الصوفي يرتبط باتباع السلف أو السير على خطى نموذج سابق، لكن الشاعر يعيد صياغة هذا المفهوم بجرأة معرفية ونرجسية إيجابية بامتياز؛ إذ يعلن النفي القاطع بالاستثناء (“لن… غير”) ليؤكد استقلاليته الوجودية. 

هذا النفي لا يمثل انعزالاً أنانياً، بل هو انكفاء وجودي منتج للمغزى؛ إنه إعلان عن ولادة “الذات الرائية” التي ترفض اجترار التجارب الجاهزة أو السقوط في فخ التبعية الفنية. الأثر هنا يصبح هو الهوية ذاتها، والشاعر لا يسير خلف الضوء، بل يصنعه بخطواته ومجازه الخالص. 

على سبيل المرجعية التناصية

لا يكتفي هموني بالتصادق مع عوالمه الخاصة، بل يقيم جسراً حوارياً وتناصياً مع متون الشعر العربي القديم ليعيد تدويرها في سياق حداثي يعبر عن رؤيته: 

  • الأفوه الأودي والتأمل الوجودي: استدعاء الأفوه الأودي يضع القارئ مباشرة أمام حقيقة “عوارية الحياة” وزوالها المحتوم، حيث يستخدم الشاعر هذا التناص ليعبر عن قلقه الوجودي محاولاً تخليد العابر عبر الكلمة. 
  • ثلاثية (أبو نواس، الأحنف، ابن الزيات): يمثل هذا التداخل تأسيسًا لـ “مذهب العشق المستقل”. فعبارة “دِيني لِنَفْسِي وَدِينُ النَّاسِ لِلنَّاسِ” تتحول على يد هموني إلى مانيفستو (بيان) روحي، يفصل فيه بين التدين الشكلي المجتمعي وبين “دين الحب” الخالص الذي يرى في العاطفة الإنسانية النبيلة والمعصية الناعمة ذروة السمو الروحي. 
  • أبو تمام وديك الجن (سلطان القلب): إن الانحياز للقلب عند الشاعر ليس مجرد انسياق عاطفي عابر، بل هو انحياز للمصدر المعرفي الأول؛ فالقلب في هذا الديوان هو “العين الباصرة” والبوصلة التي تفك شفرات الوجود حين تعجز العقول الحائرة. 

على سبيل المكان: 

تتحول واحة “تِغْمَرْتْ” في ديوان هموني من مجرد حيز جغرافي جنوبي بضواحي مدينة كليميم، إلى فضاء أسطوري وأنطولوجي متكامل. فالنخيل في هذه الواحة الأمازيغية ليس شجراً صامتاً، بل هو كائن حي يمتلك صوتاً وموقفاً كونه “يقاوم الطغاة ويصلي” ويسري ضوؤه في التاريخ ليرسم معالم البقاء. 

وفي سياق التساؤل عن اللون الذي يصطفيه الجنوب، يبرز اللون الأخضر ليس كعنصر طبيعي عادٍ، بل كرمز للخصوبة الروحية والظلال والحقيقة التي تقاوم جفاف العصر وغربته. الواحة هنا تصبح رمزاً للـ “الرحم الروحي” والموسيقى الوجدانية التي يعود إليها الشاعر ليتطهر من صخب العالم. 

على سبيل المتخيل الصوفي 

أ. “بسملة الحب” وحلولية الوجد

تصل الصوفية في الديوان إلى ذروتها في قصيدة “بَسْمَلَةُ الحُبِّ”. يقدم الشاعر قراءة حلولية بالمعنى الروحي النبيل للوجود، حيث يتماهى العابد بالمعبود عبر بوابة المحبة الخالصة. عندما يقرر الشاعر أنه لا يرى وجه الله إلا من خلال الحب (“أَرَاهُ فِي الحُبِّ الَّذِي أُصَلِّي وَرَاهُ”)، فإنه يهدم المسافات بين الخالق والمخلوق، محولاً الجسد بـ “مقامات الله” والطقوس التعبدية الجافة إلى رقصة وجدانية عارمة يرتدي فيها الفراغ قميصاً كونيّاً مضاءً بالحق. 

ب. شعرية الرقص والهدم الإيجابي

وفي نص “لَنْ أُطِيعَ سِوَى رَقْصِي”، يتخذ الرقص بعداً ميتافيزيقياً حراً؛ إنه أداة للتحرر من الجاذبية الأرضية والقيود المجتمعية. الرقص هنا يصبح هو “الشريعة الوحيدة الطاردة للحزن”، والوسيلة المثلى للتماهي والارتقاء الروحي، حيث يتناغم الشاعر مع ميلان خصر الأرض وكأنه يشارك الكون في دورانه واستعادته لانتعاشه الأزلي. 

على سبيل البناء الإيقاعي 

يتوسل الشاعر إسماعيل هموني بجملة من الأدوات الفنية والجمالية المقترنة ببلاغة المجاز لتعميق رؤيته الوجودية؛ ومن أبرزها الرمز الطيوري المتجسد في طائر الهدهد. يظهر الهدهد في القصائد بوصفه “حكيم العميان” وصاحب الرقيم، وهو رمز معرفي صوفي يعكس البصيرة والقدرة الكشفية على رؤية النور والماء والامتداد في غيابة الكهوف المظلمة. 

وعلى مستوى البناء الإيقاعي والموسيقى الداخلية للنصوص، يعتمد الشاعر بشكل مكثف على شعرية التكرار اللفظي، وتحديداً من خلال لازمة “وَأُصَدِّقُ صَحْوِي”. يساهم هذا التكرار في خلق توازن نفسي وإيقاعي يبين فيه الشاعر رغبته في الموازنة بين سكرة الوجد وسهو العشاق وبين صحو اليقين الروحي، معتبراً الصمت البهيج بمثابة نبيذ خالص لقصيدته. 

وتكتمل هذه اللوحة البلاغية عبر المفارقة الساخرة في قصيدة “الضَّحِكُ لَا يَخْدِشُ هَيْبَةَ الْمَاءِ”، حيث يربط الشاعر بذكاء وفلسفة نقدية بين تعاليم الضحك التي تطفئ حريق الحطب وبين تراث الجاحظ كحكيم للإضحاك، مؤكداً أن من يتوسد الصفاء والضحك يسهل عروجه خفيفاً إلى ملكوت السماء. 

على سبيل تلازم الوجع الإنساني: 

لم يغرق هموني في صوفيته الذاتية لدرجة الانفصال عن قضايا أمته؛ بل نجد الوجع الجماعي حاضراً بقوة من خلال استحضار أطفال غزة والنزيف الفلسطيني. الشاعر هنا لا يرثي غزة بالبكائيات التقليدية المستهلكة، بل يرفع الموت هناك إلى مرتبة “النبوءة العميقة” التي تنضح بالحب العظيم. النزيف في الديوان يتحول إلى دفق مقاوم، ويغدو الاستشهاد طقساً من طقوس الولادة الكونية والعبور نحو الخلود والحرية. 

على سبيل الختم:

إن ديوان “لَنْ أقْتَفِي غَيْرَ أثري” لإسماعيل هموني، الممتد عبر 248 صفحة من الحجم المتوسط، يمثل مدونة شعرية متكاملة لغسيل الروح بالماء والضوء والحب للنجاة من تأويل الظنون. لقد تضافرت لوحة الغلاف التجريدية مع لزوميات المعري، وأعطاب المتنبي المتخمة بالتعب، وصخرة سيزيف، لتخرج برؤية فلسفية فريدة تؤكد أن التعب ليس شقاءً، بل هو “غِبْطَةُ الأَحْيَاءِ”. إنه ديوان يُكتب بـسرير المجاز ليمنح الإنسان حريته الكاملة ليعيش كالنخل في فضاءات الوجد والصفاء البصري والروحي. 

*كاتب من المغرب

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود