9
0
16
0
20
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13592
0
13437
0
12270
0
12166
0
9616
0
تغطية_عبدالعزيز قاسم*
بعد استرواحنا في فندقنا الجميل “إيفا إن”، والفندقُ بالمناسبة أرباحه موقوفةٌ لجمعيةٍ خيريةٍ، وهناك شركةٌ تقوم بتشغيله، فكنَّا براحةٍ نفسيةٍ أننا نساهم في هذا الصندوق الوقفي عبر السكن بهذا الفندق.
.
انطلقنا عصر الأربعاء الموافق 24 يوليو 2024، إلى أشهرِ مرتفعٍ في بلادنا على الاطلاق، وكعبةِ السياح على مستوى الخليج العربي برمَّته، وبالتأكيد عرفتم المنطقة التي أقصد؛ إنها منطقة “السودة” الشهيرة، وجبالها الشاهقة التي تطال السحاب، وقد صعدنا إليها عبر طريقٍ مسفلتٍ رائع، وعهدي قبل سنواتٍ عشرٍ أنها تُغصُّ بالسيارات غير المألوفة، ذواتِ اللوحات الخليجية أو السعودية الآتية من كل أنحاء المملكة، لذلك استلفتني خُلوَّ الطريق منها، وسألتُ لاحقًا عن السبب، فأخبرني أهلها أنَّ هناك مشروعاتٍ سياحيةٍ كبرى يجرى بناؤها على قدمٍ وساق، وأغلقت المنطقة أمام الزوار إلا من بعض المنتجعات.
مَنْ كان مِثلُنا في رحلةٍ برِّيةٍ، ورفقةٍ انسجمت نفوسهم عبر السنوات الثلاثين من الصداقة؛ فالتكلُّف والرسمية تتداعيان ولا شكَّ، فنخوضُ في أحاديثَ شتَّى لا تنتهي، منها دخولنا في سِجالٍ عن أعلى قمةٍ في السعودية، فالبعضُ قال بأنها “السودة” في أبها، والبعضُ رجَّحَ قمةَ جبلٍ في النماص، قصدوا قمة “شعف آل ناصر”، وصديقٌ قال بأنها قمة جبل “اللوز” في تبوك، بينما رابعٌ راهنَ على قمةِ جبل “عكران” في تنومة، وبالتأكيد في سجالٍ كهذا بين الرفقة؛ نُهرعُ للسيد “قوقل” ليحسمَ بيننا، فألفيناهُ -تلك المعجزة البشرية- يردُّ علينا في ثوانٍ؛ أنَّ قمةَ جبلِ “السودة” هي الأعلى على الاطلاق، على ارتفاع 3015 مترًا فوق مستوى سطح البحر، بينما تأتي بعدها قمةُ جبلِ “شعف آل ناصر” في النماص بارتفاع 2,556 مترًا، بينما بنتُ عمِّها وجارتُها تنومة تأتي بعدها، عبر قمةِ جبلها “عكران”، التي هي على ارتفاع 2,551 مترًا، أما قمة جبل “اللوز” في تبوك، فتتبعها على ارتفاعِ 2,549 مترًا، وأخيرًا الباحةُ الجميلة، التي يُوجد بها الجبل “الأحمر” الذي يبلغ ارتفاعه 2,536 مترًا..
.
أخذتني الحماسةُ وبعضَ الزملاء بالجزمِ على أنَّ قمةَ “السودة” هي أعلى قمةٍ في كلِّ الجزيرة العربية وجبال السروات، بيد أنَّ السيد “قوقل” لَطمَنا بعدم صحة ما ذهبنا له، وقال بأن الصوابَ هو جبل “شعيب” في اليمن الشقيق، وأنه الأعلى على الاطلاق في الجزيرة العربية، بارتفاع يبلغ 3666 مترًا، بينما السودة 3015 مترًا.
.
تأملوا في السعادةِ التي تمدَّدت على وجوهنا بكثيرٍ من الاسترخاء، ونحن نَنعمُ بتلك النسائم الجبلية الباردة التي تهبُّ علينا، وتصافحُ أرواحنا قبل أجسادنا، وتجعلنا في خَدَرٍ كَاملٍ، لا نودُّ أن نفيق من هذا الشعور الحالم، ونحن الذين هربنا من رطوبة جدة الخانقة التي تذكرك بغرفِ “السُونا”، ومن هجيرِ مكة وصخورها المُرمَضَّة التي تشوظنا بشيءٍ أقرب إلى لفح النار.
نحن هنا في إطلالة “منتجع السحاب” في “السودة”، حيث ترمي ببصرك إلى قيعان الأودية الغائرة التي لا تستطيع أن تميِّزَ ملامحها من فرطِ انخفاضها، والعادة أنَّ الغيمَ والضبابَ يغمران المكانَ بُعيدَ الظهر، ومن حسن الحظ – أو سوئه.. لا أدري- أنهما لم تأتيا ذاك العصر، وإلا فالمطرُ سيحجب الرؤية، وربما يجعلنا لا نتمتع بهذا الجمال الساحر المنبسط أمامنا بلا انتهاء، بما نحن مشدوهين للآخر، وترانا في ذلك الخَدَر اللذيذ، لا نفيق إلا على تسبيحاتِ صديقنا خليل القاسم، وتهليلات عادل البغدادي، اللذان يقولانها بتأوّهٍ من فرط الدهشة الكاملة والجمال الأخَّاذ، فنحن أمام منظرٍ بانوراميٍ به من السحر والخيال ما يجعلنا صامتين بالكامل.
.
أفسد علينا هذا الجوَّ الساحر، ذلك المنتجعُ البائسُ الذي دلفنا إليه بعرباتنا، للأسف كان إجماعًا منا على عدم صلاحيته لجلوسنا، وتمنيتُ في حديثي ب”سنابآتي” على السياحة في أبها أن تُلزمَ أصحاب هاته المنتجعات السياحية الارتقاء بمرافقها، وأن تتواكبَ مع النهضة السياحية التي تشهدها كل مدن المملكة عبر رؤية ولي عهدنا المسدَّدة، التي أعطت وجهًا جديدًا لسعوديةٍ شابةٍ متوثبةٍ، وباتت المرافق السياحية -خصوصًا في الرياض وجدة- على مستوىً عالٍ تليقُ بما يطمحُ إليه أميرنا الهمام.
.
غادرنا المنتزهَ بعد أن رأينا بؤسه، وعدم ارتياحنا النفسي له، وكانت الوجهةُ الجديدة إلى منتزه “بني مازن”، وانطلقنا له عبر طريقٍ يُنزلنا لسفحٍ، ما نلبثُ -هنيهةً- إلا ونكون في قمةٍ، لنعود أخرى لسفحٍ تالٍ، ونجد أنفسنا صعودًا لنصل قمةً أعلى، وهكذا دواليك حتى وصلنا إلى قمةٍ رائعةٍ؛ توقفنا فيها جبرًا لجمال الاطلالة، حيث تتمدَّد بالأسفل بكلِّ بَهاءٍ وغنجٍ ودَلالٍ مدينة أبها البهية.
.
شعرتُ -والزملاءُ- بشيءٍ من ضيقِ التنفس؛ لارتفاعِ المنطقة في “بني مازن”، وقلةِ الأكسجين، وانبجستْ من ذاكرتي مشهدٌ قريبٌ منه، يعودُ إلى سنواتٍ بعيدةٍ خلت، بمروري في جبال “قَراقُرم”، وهي إحدى سلاسل الهملايا الجبلية التي بين باكستان والهند والصين، وتضم قمم الهمالايا المرتفعة، كقمة “كي 2 ” التي ترتفع (8,611 م)، وقمة “موستاج” التي ترتفع (7,273 م) وهناك جبالٌ -للبوذيين والهندوس- مقدسة، يذهبُ لها السيَّاح، وأتذكر أنني عَبرتُ تلك الجبال مع صديقين عزيزين عبر حافلةٍ متهالكةٍ، وبمجرَّد نزولنا منها للتمشَّي بعد توقفها للراحة، إلا وعُدنا مرعوبين لها، تكاد أعيننا تخرج من محاجرها، إذ لم نكد نخطو بضعَ خطواتٍ إلا وشعرنا بضيقٍ شديدٍ في التنفس، وكدنا نختنق، وقلوبنا تكاد تخرج من ضلوعنا من قوة دقاتها، بل حتى الكلام يتحشرجُ ولا يخرج من الفم، ولم ندرِ وقتها سببَ ذلك، وعلمنا لاحقًا أنَّ ما حدث لنا سببه الارتفاع الشاهق الذي يقلُّ فيه الأكسجين، وعدم اعتيادنا هذا العلو الكبير في سالف أيامنا الماضيات.
أروع ما في رحلتنا تلك إلى منطقة “بني مازن”، مرورنا على فتىً عَلْكَمِيٍّ صغير، يبيعُ “البرشومي” -مع أخيه الأصغر- وبعض الفاكهة، وسألناه عن الطريق بعد تخبُّط “قوقل ماب” بسبب الجبال هناك، فردَّ علينا بكثيرٍ من الترحابِ والبشاشةِ الصادقةِ، ودعانا الفتى للعشاء في بيتهم، بأريحيةِ نفسٍ وطلاقةِ وجهٍ، فاستأذنته بالتقاط “سنابةٍ” معه، فرحَّب بذلك، وتحدث عن المنطقة بكل بلاغة، ويا لفصاحة ذلك الفتى وروعة حديثه واجاباته! ويا لروح الكرم التي تربى عليها! وبالتأكيد أنه أنموذجٌ ومثالٌ لأهله وجماعته.
.
لديَّ أصدقاءٌ ينتهي لقبهم ب “العلكمي”، ولم أدرِ أنَّهم يعودون إلى قبيلة “عسير” العريقة، وهذا الفتى الفصيح من أبانَ لنا ذلك، فقال بأنه نواف العلكمي، واسم أخيه نايف، وعندما رأى وجوه رفقتي مستغربة من اللقب، فبادر وقال العلكمي العسيري، نحن نعود لقبيلة “عسير”، وصمَّمتُ على الاستزادة عن هذا الفرع من قبيلة “عسير” حال عودتنا، من وحي فصاحة وشجاعة هذا الفتى العلكمي الذي أسرنا بحديثه وتربيته.
.
قرأتُ عبر مدوَّناتٍ ومعاجمٍ عن هذا الفرع الأصيل “علكم”، وألفيتُ لهم تأريخًا مجيدًا، إذ أطلق عليهم لقب (علكم الهول)، وقال الباحث سعيد العسيري في مدونته، أنَّ هذه الصفة تلازم قبيلة “علكم” ملازمةً دائمة، بل إنِّها من القبائل العربية القليلة التي يَردُ اسمها مقرونًا بصفتها في المعاجم والكتب التاريخية التي عُنيت بتاريخ عسير وقبائلها.
.
ويشير الشاعر الشعبي العلكمي إلى هذه الصفة، فيقول:
.
يـا ناشـدٍ عنـا، ومبعـدٍ فـي هقـاويـه
رفيقنا محشوم، ونمنعه من قشرها
.
نمشيه ممشانا، ولا يلحق مشاريـه
ونرفـع لـه البيضـا، وفعلـه نشرهـا
.
“علـكـم الـهـول”، وأسـمـع طـواريــه
حليفنـا يضحـك، ولا هـمـه خطـرهـا
.
نفـديـه بارواحـنا، ونـبـني مبانيه
وان زانـت الدنيـا، فسعـده سفـرهـا
.
وأما سببَ هذا اللقب فيرجعُ إلى ما عُرف عن أفراد القبيلة من قوةٍ وبأسٍ في القتال.
.
وهناك لقبٌ آخرٌ ناله هؤلاء القوم، وهو (علكم الطلاعة)، وقد اكتسبوها بعد اقتحامهم أسوار مدينة “الحديدة”، أثناء الحروب التي قادها الأمير محمد بن عائض ضد الأتراك بسواحل اليمن عام 1287هجرية. فبعد أن استعصت “الحديدة” على السقوط لفترة طويلة، وطال الانتظار على الجيش العسيري، قام أبطال قبيلة “علكم” بعمل سلالمَ من الأشجار، وصعدوا على الأسوار لابسين أكفانهم، واقتحموا “الحديدة” عنوة، وتمَّ إخراج الأتراك منها، بعد أن قتل من “علكم” ما يقارب تسعين رجلًا، فسُمُّوا على أثر بطولتهم هاته ب (علكم الطلاعة).
بسببٍ من تخصُّصي الإعلامي، وقضاءِ زهرةِ شبابي في دهاليز صاحبة الجلالة؛ ما يزالُ عشقي للتصوير حاضرًا، والتأرخة لأمثال هاته الرحلات عبر الصور والفيديوهات، ولذلك لستُ من الذين يكتفون بصورِ الاصطفافِ التقليدي للحضور، بل دومًا أطلبُ ما هو غريبٌ ولافتٌ وغيرَ معتاد، وإذ وجدتُ نفسي هناك في القمم التي تُشرف على الهاويات السحيقة في “بني مازن”؛ لمحتُ صخرةٍ صغيرةٍ ناتئةٍ على بُعدِ أمتارٍ، أسفل الحافة التي نقف عليها، وأخذتني جهالة الشباب وحماستهم، فنزلتها بخطواتٍ متتالية مستندًا على يديّ، أمام ذهولِ الرفقة وجزعهم، وصياحهم عليّ، كلُّ هذا لالتقاط ِ صورةٍ من زاوية أعلى لكاميرا الجوال، كي تتفرد الصورة بخلفية الهاوية السحيقة، وفعلتُ ذلك سريعًا وصعدتُ، وقد التقطتني أيادي الرفقة لي بكلِّ الحذر، وحالما استويتُ وانتصبتُ؛ وبلا شعورٍ التفتُّ تجاه قيعان الأودية الغائرة، ونظرتُ نظرة خمسينيٍّ يَنشدُ السلامة؛ أدركتُ حماقة أو جنونَ المغامرة التي تقمَّصتني، في تهوُّرٍ لا يفعله سوى الشباب المراهق!
.
أدرنا مَقاوِدَ سياراتنا وعدنا أدراجنا لأبها، إذ ينتظرنا موعدٌ مساءَ ذلك اليوم في منزل اللواء الخلوق محمد بن موسى عسيري، والرجل تقاعد حديثًا، استقبلنا بترحيبات القوم هناك وبكل الحفاوة عانقنا، وإذ أخذنا أمكنتنا، ترى مضيفنا يتنقَّلُ بيننا سريعًا سعيدًا، راسمًا الابتسامة على وجهه طيلة الوقت، ولا غرو ولا عجب، فقد كان مُضيفنا مديرَ سُجونِ مكة المكرمة، ومن كان في هذا المكان سيرى أهوالًا وعجائبَ وغرائب، وتمرُّ عليه قضايا تذيبُ القلبَ وتكوي الكبدَ وتُميتُ الإحساس، لا تمرُّ على كلِّ أحد، لذلك تراه يتنفَّسُ الصعداء وهو للتوِّ تقاعد.
.
يحكي لي صديقٌ عمل معه في السجن، أنه لم يَرَ أحدًا -طيلة حياته العسكرية- مثل اللواء محمد، في تواصله وعطفه وحدبه على المساجين، وأنه يأتي صباحًا ويبدأ بالمرور على المساجين في زنازينهم، ويبقى معهم يتحدث ويُنصت، ويَحلُّ مشاكلهم إلى قبيل الظهر، ليأتي لمكتبه ويُنهي المعاملات، ويقضي الوقت في إصلاح وتقويم سلوك أولئك المساجين، الذين يحسُّ أنه مسؤول أمام الله وولاة الأمر عنهم، ويجلبُ لهم الدعاة والمختصين الاجتماعيين، ليحدثوهم ويصلحوا من قناعاتهم ونظرتهم للحياة، وأنه يمدِّدُ دوامه -لمرات كثيرة- إلى بعد المغرب، كي يحلَّ مشاكل سجينٍ مع زوجته، أو نصحَ شابٍ تنكَّبَ الطريق، وتورط في المخدرات، ولا تنتهي القضايا والجُنَحُ التي سجنوا لأجلها، واللواء أبو موسى هذا دأبه مع كل المساجين، يحاول استطاعته التقرب منهم ونصحهم .
.
صديقي الذي عمل معه يقول -برأيه الخاص- أنَّ كل ما عمله في كفة، مقابل جهده في تصحيح أوضاع إحدى الجاليات في مكة المكرمة بكفَّةٍ ثانية، فقد سرَّى عن عشرات الآلاف من الأسرِ بعد تصحيح أوضاعهم، وكان له دورٌ كبيرٌ في ذلك.
عندما دلفنا إلى باحةِ دارة اللواء محمد عسيري في أبها؛ ألفينا بعضَ أعمامه وإخوته وجماعته هناك، ودارتْ -عبر شباب العائلة- القهوةُ الجنوبيةً المميَّزة، وحسنًا فعل مضيفنا بأن أجلسنا هناك في الباحة المفتوحة، فقد أمضينا أمسيةً ماتعةً فيها، نَنعَمُ بجوِّ أبها الخلَّاب في تلك المساءات الساحرة، التي من جرَّبها؛ يدركُ وصفي لها الآن، ولربما ينتفضُ بدنُه ويقشعرُّ قليلًا، جرَّاءَ تلك البرودة اللذيذة التي تدغدغُ روحَك، وتجعلك منتشيًا طيلة الوقت، بما كنَّا عليه من حال.
.
جلس بجواري العم علي البطاط العسيري، وكان رجلَ أمنٍ متقاعد، وأصرَّ علينا أن نلبيَ دعوته، ويرجونا -صادقًا- أن نقبل زيارته في بيته، حفاوةً منه وحبًّا، وليس فقط كعادة اجتماعيةٍ لا بدَّ منها حالَ حضوره مناسبةً بها أضيافٌ لقريبه، في تلكم المنطقة الجميلة التي ينبجسُ الكرمُ من نفوس معظم أهلها جبلَّةً منهم وفطرة.
.
ولأنَّ مُضيفنا من قبيلة عسير، فلا بدُّ من التعريج البسيط عن هذه القبيلة العربية الأصيلة، والتي فروعها: (مغيد، علكم، ربيعة ورفيدة، بني مالك، رجال ألمع)، والمنطقة برمتها نُسبت إلى القبيلة، وسُمِّيت “عسير”، وليس بما هو شائع أن التسمية لعسرة الأرض هناك ووعورتها، بل الأرجح أن النسبة لهاته القبيلة العريقة.
.
ربما تتفاجؤون بأن مصطلح (عسير) كإقليم ومنطقة لم يكن معروفًا لدى المؤرخين والجغرافيين الأوائل كما كان الحال في أسماء: اليمن والحجاز واليمامة والبحرين، بل ظهر الاسم أواخر القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر للهجرة، وبخاصة عند الكتاب الغربيين، وإن كان مقتصرًا في جغرافيته عند كثير منهم على أبها وما أحاط بها من جبال وتلال.
ولأنَّ مُضيفنا سعادة اللواء محمد بن موسى عسيري، تجري في دمائه الضيافةُ وحبُّ اجتماعِ أحبته، فنقلَ ما كان يفعله في مكة المكرمة إلى أبها، إذ اشتهر إبَّان عمله في العاصمة المقدسة، باستراحته المسمَّاة “زهواء المبارك” في منطقة “المغمَّس”، فليَالِ نهايةِ الأسبوع الثلاث؛ لا بدَّ من إحيائها عبر زوَّار الحرم، وزملائه في العسكرية، وأصدقائه، طيلة كل تلك السنوات التي قضاها في مكة.
دعوكم مما فعل هناك، وتعالوا وانظروا لنا في باحة منزله في أبها، وبأيدينا أكوابًا مملوءة ب مَرَقَ الخروف؛ نُمزمزُه باستمتاع كاملٍ، ونرتشفه ارتشافًا، يُمرِّر علينا مِزعُ اللحم الصغيرة والكبد، تأتينا من الصاج مباشرة، وكانت عادة من عادات القوم هناك، وظني أنها في جميع مناطق المملكة، قبل أن تغزونا المطابخ الجاهزة، ولطالما ذقتُ -شخصيًّا- هذا المرق، إن خرجنا في “كشتات” البرِّ، بيد أن هذا المَرَقَ كان طعمه مختلفًا، وبه لذةٌ عجيبةٌ أسكرتنا، فبادرتُ اللواء أبو موسى، وقلت له: إما أنَّ الجوَّ البارد هو الذي فعل فعله بنا، لدرجة أن نطلب كوبين وثلاثًا، أو أنَّ هذا المرق به وصفة سحرية؟!
وأمام ضحكات الرفقة الذين وافقوني، ونحن نطلب من الأبناء أكوابًا جديدة، أشار مُضيفنا إلى الطباخ اليماني الشيخ، الذي يقفُ على قِدرٍ كبيرة، والحطب من تحتها، ويُقلِّبُ في اللحم والمَرَق، فأتيته وقلت: يا عم.. ما هي وصفة هذا المرق، الذي تلذذنا به؟
.
فضحك ذلك الشيخُ الأشيبُ طويلًا، وطربَ لما سمعه من ثناء، فأمال رأسه عن القِدرِ تجاهي، وقال: لن أخبرك بتفاصيلها، ويكفي مني أن تعلم بأنَّ هذه وصفةٌ خاصةٌ بأهل مدينة “إب” اليمنية.
بالطبع لم أتركه، وأنا الإعلامي المخضرم، فألححتُ عليه إلا أن يخبرني، فردَّ أبو بسام، علي اليماني -وهذا اسمه- بأنه يَسكبُ المَرَقَ في إبريقٍ كبيرٍ، ويُضيفُ عليه بعضَ البهاراتِ والأعشابِ الخاصة التي تعطيه هذه النكهة ..
دعوةٌ مني لأهل “الكشتات” من أحبتي في القويعية والقصيم أن تبحثوا عن هذه الوصفة، فوالله إنه لمَرَقٌ سحرِّيٌ عجيبٌ، زادَ من لذته؛ حفاوةُ مضيفنا وطلاقة وجهه، يُسربلُ ذلك كله أجواءُ خلَّابةٍ لمساءاتِ أبها في الصيف
ويكرُّ علينا ثانيةً العمُّ أبو بسام علي اليماني بمفاجأة، وقد دعانا مُضيفنا إلى طاولة الطعام، فانكببنا على ذلك العشاء المُتقن، تاركين الملاعق، وقد هجمنا بأيدينا على ذلك المُفطَّح المتمدِّد أمامنا، وعلى غير عادتنا، وجدتُنا صامتين، نلوكُ اللحم -الذي باتَ كالجُبنٍ من طهوه- في أفواهنا، ونزدَردُ الأرز ذا الطعم الخرافي بكثيرٍ من البطء والتؤودة، وقد خُلطَ بالزعفران وبعض المكسرات والزبيب.
الشيخ علي البطاط عاد ثانية وثالثة يرجونا أن نقبلَ دعوته، ونحن نحتسي الشاي الأخضر، بعد أن حَمدنا وشَكرنا ذلك الطباخ الماهر أمام ابتسامة مضيفنا الواسعة، واعتذرنا من الشيخ علي، الذي أنِسَ بنا وأنِسنَا به، وانصرفنا إلى الفندق نَنشدُ مَهاجعنا من يومٍ طويلٍ حافلٍ، ختمناه بهذا العشاء الخرافي الدسم، ولسان حالنا مع هؤلاء الكرام، أن صدق فيهم قول البحتري:
وَما تَخفى المَكارِمُ حَيثُ كانَت
وَلا أَهلُ المَكارِمِ حَيثُ كانوا





















*إعلامي وكاتب صحفي