6
0
12
0
13
0
10
0
15
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13561
0
13405
0
12239
0
12150
0
9593
0

مهدية دحماني*
هل هاجرت إلى أرخبيل اليابان أو الهنود الحمر في جبال الروكي يا أصدقائي؟
– جلسة “حتى لا ننسى”:
…”الطفلة زريعة كل بلاد”.. “هو سيدها.. مولاها.. هو ساسها عَلّاها”.. “بنتي يا مفتاح البيت بوها في راس الزقاق وعمامتو عاليا”.
أمثلة شعبية عريقة.. قاعدة وقانون تنشأ عليهما البنت الجزائرية.
قيم وأعراف ترسخ لدى الطفلة الصغيرة تُهيَّأ بها عروسًا مُسيَّرة للانتقال مع زوجها في حله وترحاله حيثما شاء، وحيثما شاءت الأقدار.
شاءت الأقدار أن زوجي أستاذي القادم من أرض الحرمين ، فكان نصيبًا واختيارًا وقدرًا.
لم أعزم على الكتابة عن هذا الموضوع قاصدة بيوغرافيا أو سرد تفاصيل لحكاية بسيطة تتكرر مع البشر منذ الأزل: لقاء فزواج فحياة، ولا لسرد حكاية شخصية لامرأة عادية عابرة في نقطة ما في يوميات البشر.
كمثيلاتي نشأت على فكرة الرحيل الحتمي من بيت الوالدين في المدينة الكبيرة على مشارف العالم القديم.
حوض البحر الأبيض المتوسط ملتقى الحضارات والأمم، ما أكسب أهل هذه المدن تقبلًا وتعايشًا مع الآخر المختلف، وذلك على خلاف المدن الداخلية والصحراء الكبرى التي لا يزال أهلها أكثر تزمتًا وانحيازًا لقبائليتهم.. فللبيئة أحكامها.. ومن هنا نحن -سكان المدن المتوسطية- لم نكن نستنكر زواج الجزائرية من الأوروبي المسلم أو من التونسي أو المغربي أو المصري أو المشرقي على العموم .لكن.. ولكن.. ما الموقف بالنسبة للخليجي وللسعودي على الأخص؟
انطلقت رحلتي مع كم الاستغراب والاستنكار والتعجب من كل من حولي على هذا العربي!!
وأخيرًا حاز هذا الأسمر القادم من جزيرة العرب على الرضا. فهو شاعر وسيفه في الإقناع الكلمة ومرجعكم في هذا نصي السابق.
لب موضوعي اليوم وبكل أبعاده هو سرد ذاك الوابل من الاندهاش والتعجب الذي كان ينصبّ عليّ هنا وهناك طيلة ربع قرن حييته على هذه الأرض الطيبة.. أسئلة تصوَّب على رأسي الصغير لم أستوعبها يومًا.
كيف تأقلمتِ مع الغربة في السعودية؟
كيف استوعبت عادات وتقاليد هذا البلد؟
هل تفهمين لهجتهم؟
هل تعودت على العيشة في أرض المهجر؟
هل تأقلمت مع أهل زوجك؟
أسئلة وأسئلة لا تطرح على من تهاجر إلى أستراليا أو اليابان أو كندا أو حتى من ترحّل إلى أرض الهنود الحمر! إيحاءات مستفزة عن وضع المرأة، كلها تنتظر نقدًا واستياء ووعودًا ووعيدًا مبيتًا بأحقاد ضد السعودية.. تغذيها كل تلك الادعاءات والصورة المعتمة التي تصنعها الهالة الإعلامية المغرضة والصحافة الصفراء، خاصة عن وضع المرأة، ضد هذا البلد وحتى ضد الجزائر.. عروض للقاءات على الصحف والشاشة سؤالها دومًا مكرور: كيف تكيفت في السعودية وأنت من الجزائر؟
قررت اليوم أن أرد على كل هذه الأسئلة بعد ربع قرن من حياتي هنا مع أهلي في موطني الجديد.
وما أغنى وأكرم أن يمنحك الله موطنًا جديدًا هو أرض الحرمين؛ ليصير لك قلب في المشرق وقلب في المغرب.
أجيب أصدقائي وكل من سألني يومًا من صحفي يرغب في لقاء، أو مذيع تلفيزيوني يرغب في توثيق تجربة اغتراب مزعومة، أو سائل بسيط دفعه فضول بريء.
أنا مهدية دحماني.. لست مغتربة في السعودية. لم أنتقل من بلدي في تمثيل ديبلوماسي ولا في عمل ولا طالبة للجوء.. قدمت إلى هذه الأرض الطيبة زوجة صاهرتْ فيها أهلًا.. أقبلت على بناء صلة رحم.. انصهرت في عائلة شاركتني وشاركتها أحزانًا وأفراحًا.. عشرة عمرها اليوم ربع قرن.. اتسعت فيه لدي مساحة الحب.. حب أب وأم عشت معهما هنا عقدين من الزمن وبكيت رحيلهما كثيرًا كثيرًا، وأرهقني الحزن والحداد عليهما بذات الحزن والدموع والرثاء الذي بكيت به والدَيّ في الجزائر.. عايشت جيلًا بعد جيل من الأبناء، رأيتهم يولدون ويبلغون أشدهم بين أحضاني.. صرت جدة وخالة وعمة.
أنا مهدية دحماني أنادى هنا من أهلي بلقب: يا والدة.. يا أمّا.. ياخالة.. يا عمة.. ياجدة..إلخ…
لست مغتربة في بيتي مع زوجي وأهلي هنا.. أنا مواطنة.. مواطنة في السعودية.. لم أجد ما يرغمني على التجرد من جزائريتي، لأنني بكل بساطة لم أجد هنا ما يجب أن أبذل له جهدًا حتى أفهمه وأتغير مع الزمن.. بكل بساطة لم أجد اختلافًا يذكر لا في عادات ولا تقاليد ولا معاملات، ما يستدعي أن أتأقلم معه ببذل جهد سوى اختلاف بسيط كثيرًا ما نلاقيه بين المنطقة والمنطقة في الجزائر.
فالسؤال: (كيف تكيفت كامرأة في السعودية وأنت جزائرية بنت المدرسة والثقافة الفرنسية؟) لا محل له في عقلي.
أرد وأقول: تكيفت.. بل انصهرت، لأني بالذات جزائرية، ولأنني لست بنت المدرسة الفرنسية ولا ذات الثقافة الفرنسية.. أنا بنت المدرسة الجزائرية المستقلة.. المدرسة البومديَنِيّة.. مدرسة الراحل الرئيس (هواري بومدين) ذات الثقافة الجزائرية.. مدرسة منفتحة على الآخر المختلف، متمسكة بكل مقومات هويتها.
سيدة هنا أُثْرِيَتْ آدميتي سيدة حرة.. كل السبل من مرافق عامة وإدارات وأسواق وحتى الشوارع كُيِّفتْ لراحتهاوحريتها.. أعيش هنا السيدة المكرمة التي نص عليها الإسلام.. أتنقل بكل راحة وأمن، حتى في الليل أقضي أشغالي دون وصاية زوج أو ولد أو أخ أو أب.. سيدة ككل السيدات هنا، شخصيتها وعفتها ومالها في ذمتها المستقلة.. راحة وأمن لم أعرفه حتى في الغرب تحت شعارات حرية المرأة المزعومة في بقائها هناك في العمل طول النهار وجريها خلف عقارب الساعة.. و.. و.. كل ما آل إليه وضع المرأة هناك من استعباد ومتاجرة بجسمها وأنوثتها.
بالثقافة الجزائرية اندمجت في السعودية دون جهد وداع للتغير.
ألفت واندمجت، لأنني جزائرية.. كذلك أيضًا هي قصة.. قصة الألفة مع أرض الحرمين. الأرض التي نعيشها مسبقًا.. نعرفها قَبْليا، كغيري من الجزائريين نقرأ أرض الحرمين حنينًا وشوقًا هي ذلك الشروق.. إطلالة الشمس خلف خليج الجزائر العاصمة.. إطلالة هلال رمضان وهلال الأعياد.. ذلك النور الذي يأتي من الشرق خلف جبال الأطلس المنغمسة في شواطئ (مزغنة) هي إطلالة كل هذا الفرح، تحل مع فرحة لباس العيد وعطر الحناء التي يأتي بها الحجاج.. كلها تطل علينا من هناك.
الشرق المبارك حيث نجد الكعبة.. نجد القبلة بيت الله.. الروضة الشريفة.. كلها هناك في أرض الحرمين في الشرق خلف (جبال الخشْنة) التي تحيط بخليج الجزائر.. أرض الحرمين.. السعودية هناك خلف التل.. حيث تطل الشمس كل صبح على شرفة غرفتي.
كيف وكيف وكيف وأنت جزائرية؟!
ولأني جزائرية بالذات، وككل جزائري، عشت هذه الأرض الطيبة في لعبة طفل هدية (السي الحاج) الثمينة.. لعبة تلفزيون نرى فيه من خلال إطار صغير كل المشاعر المقدسة، فنعيش خشوع الحاج.. الحنين إلى التلبية والإحرام.. سبحة خشبية من هناك برائحة المسك والعنبر.. رائحة الكعبة والروضة الشريفة.. هدية ذلك المجسم للروضة والكعبة، الذي لا نحفظه إلا في مكان طاهر، ولا نلمسه إلا بعد الوضوء.. حنين وشوق.. الألفة في حجيرات يأتي بها الحاج من مزدلفة وحجر الوضوء من ثرى عرفات.. و.. و.. وآمال تأخذنا إليها روايا الحجاج عن أماكن طاهرة وأناس طيبين يخدمون الحجاج.. يسخرون الغالي والنفيس لخدمة ضيوف الرحمن.. روايات عن ذلك البلد الأمين الذي تبقى محلاته بكل خيراتها مفتوحة دون حارس أثناء الصلاة ولا أحد يسطو عليها.
جزائرية ومسلمة.. طفلة صغيرة تلبس إحرام أبيها وتطوف حول بئر البستان، تكرر ما تدربت عليه في الروضة من طواف وسعي.. تجعل من ينبوع الحديقة بئر زمزم، ومن شجرة التوت مقام سيدنا إبراهيم، ومن حبات البرقوق غير مكتملة النضج حصى ترجم بها الشيطان خلف الشّبْك الذي يفصل بستان الجيران. .تصغي إلى مديح “رابح درياسة”:
(الله الله الله احنا حجاجِ مشوّرين لمقامْ رسول الله). تصغي بدقة.. تحفظ الأغنية التي يردد فيها مناسك الحج والأماكن.
السعودية.. أرض الحرمين.. هي كل هذا، وأنا كل هذا.. هي الأرض التي تسكننا.. هي الموطن الذي اتّسع لي من حدود الجزائر -عبر الحرمين- إلى أرض (السروات) وأودية (التهائم).. هي رابطة القرابة، وصلة الرحم التي امتدت فسحتها إلى أم ترقد في المشرق، وأم ترقد في المغرب.
أنا مهدية دحماني.. سيدة وزوجة وأخت معززة مكرمة. مواطنة من وإلى موطن ممتد من هنا إلى هناك.. فيا أصدقائي هل أنا اغتربت؟! هل أنا هاجرت؟!
لم أهاجر ولم أغترب في أرض الحرمين.. السعودية التي امتدت إلى شماريخ “الأوراس والطاسيلي والأهَقار” في أرض “التوارق” منَحَتْنِي وطنًا فسيحًا اتّسع إلى ضفاف الخليج… هي السعودية.. صوت والدي ودموع الحنين، والوفاء لمقولة الملك سعود الشهيرة “عليكم الدم وعلينا المال” هكذا كانت جلسة والدي.
– “جلسة حتى لا ننسى”.
لم يكن والدي “المُسَبِّل في صفوف جيش التحرير الوطني إبان الثورة) مهملًا لدور كل من دعم ثورته الجزائرية.. جلسة إجبارية تعسفية يفرضها علينا ونحن أطفال على “صوت الثورة الفلسطينية” تتلوها “جلسة (حتى لا ننسى) يركز فيها على دعم السعودية للثورة الجزائرية قادة وملوكًا وأمراء عرفتهم في صور أرشيف بَرْوزَها وعلّقها بعناية في مكتبته الصغيرة.. الملك سعود.. الملك فيصل.. الملك/ سلمان أمير الرياض آنذاك.. وجوه ألفتُ رؤيتها طفلةً.. قصاصات جرائد تحمل خبر تهديد السعودية لفرنسا بالمقاطعة تضامنًا مع جزائر الحرية.. صور وأخبار عن الملك سعود رافعًا العلم الجزائري بيده في الأمم المتحدة، أول من فرض على المجتمع الدولي تدويل القضية الجزائرية.. صوت السعودية الصارخ يتهم الولايات المتحدة في دورة ١٩٦٠ بتواطئها مع فرنسا ضد الجزائر.. شعار (تحيا الجزائر) والعلم الجزائري الذي رفع في حج ١٩٥٧.
كل هذا التاريخ كان هنا في مكتبة أبي الصغيرة محفوظًا ومدونًا وموثقًا في جرائد ومنشورات.. طوابع وإيصالات تبرعات للثورة الجزائرية، كلها كانت تحف طفولتي بمنارة هي أرض الحرمين.. توفي والدي.. ضرب زلزال ١٩٨٠.. سقطت مكتبة والدي ومعها الصور والوثائق تحت الأنقاض، لكن لم تسقط الذكرى من ذاكرتي، ولم يسقط الوفاء من قلبي لأرض الحرمين شعبًا وقادة.. وحتى لا ننسى، أصَرَّ والدي على أنه حان الوقت أن نقول شكرًا.. ومن جهتي، حان الوقت بعد ربع قرن من حياتي في المملكة أن أقول:
لستُ مغتربة…
هذه البلاد هي كل الأساتذة الوافدين من المشرق الذين علمونا، والتي كانت السعودية تدفع لهم رواتب إيفادهم ونفقاتهم في الجزائر لدعم الحركة التعليمية لجزائر الاستقلال. السعودية هي ذلك الشاب الأسمر القادم من أعماق التهائم عبر قمم جبال عسير، يدفعه الشوق إلى أرض المليون ونصف المليون شهيد.. حلم وشوق.. جوارح فياضة تملأ قلب التلميذ الغض في إصرار والده الفلاح راعي الغنم، ورحلته الشاقة عبر جبال وعرة من قريته النائية، ليَسْتَلِفَ ريالَ الجزائر من التجار ويسهمَ به في دعم الثورة الجزائرية.
طيف المرأة الجزائرية صورة راسخة في ذاكرة الفتى الألمعي.. صورة الفلاحة الجزائرية تحمل البندقية والتي طبعت على غلاف كتاب القراءة وهو في مرحلته الابتدائية.. رواية وأصداء أخبار بعض أعمامه المظليّين الذين تطوعوا في صفوف جيش جبهة التحرير الجزائري في (المنطقة الأولى في وهران).. إصراره في أن يكون حتى ولو مع آخر بعثة إيفاد إلى الجزائر ويتوج كل هذا التاريخ.
هذه السعودية.. أرض الحرمين التي عشتها في جلسة والدي (حتى لا ننسى).
السعودية الوطن الروحي الذي يستوطنه المسلم حنينًا وشوقا.. قبلة.. كعبة.. وروضة شريفة.. خصوصية الأرض وألفتها.. هي الوطن الذي يسكنني وأسكن.. أهل ورحم وأرض طيبة.. زوجة معززة.. مكرمة.. آمنة، فهل أنا مهاجرة يا أصدقائي؟!




* كاتبة ومترجمة سعودية