6
0
12
0
13
0
10
0
15
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13561
0
13405
0
12239
0
12150
0
9593
0

بدر العوفي*
تحت مظلة (الخوف من الوقوع في الخطأ)؛ تنحصر التجارب في مساحات ضيقة، ويُحرم الفرد متعة اكتشاف المساحات المجهولة وتوسيع المدارك والخبرات! فكثيرًا ما يساء فهم (الخطأ)، رغم أن (الخطأ) و(الصواب) كلاهما من أبواب الخبرة!
بل قد أظهرت الأبحاث أن عقول البشر تتطور مع التجارب السلبية (الأخطاء) أكثر من التجارب الإيجابية (الصواب)! [1]
أما على الصعيد المهني، فيرى عالم الإدارة الأمريكي بيتر دراكر أن “الفرد يكون أفضل كلما كثرت أخطاؤه، لأنه سيجرب أشياء جديدة أكثر” بل يرى أنه لا ينبغي ترقية الموظف لوظيفة متقدمة إذا لم يكن يقع في الأخطاء، وإلا سيكون هذا الموظف تقليديًّا متواضع المستوى! [2] كما أن الاعتقاد الدائم بفعل الصواب يُطيل بقاء الفرد في (منطقة الراحة)، ويحرمه فرصة الاستكشاف واعتبار الزاوية الأخرى من الصورة، ما تتطلبه أحيانًا العوارض المهنية. وهذا ما أشار إليه هاميش طومسون في كتابه: “ليس من الصواب دائمًا أن تكون على صواب” [1]
حتمًا لا ينبغي تعمد ارتكاب الأخطاء، لكن لا ينبغي أيضًا الخوف من (الأخطاء) إلى الحد الذي يتوقف معه التجدد، وتنعدم معه الفرص بتنمية المهارات! فبحسب تقرير صادر عن هارفارد بزنس ريفيو، يُصنف الخوف المبالغ فيه من الوقوع بالفشل رهابًا مسجلًا (Atychiphobia)، وأول مراحل علاجه يكون “بإعادة صياغة مفهوم (الخطأ)، باعتباره فرصة للتعلم واكتساب الخبرة، والأخذ بالحسبان أن النجاح لن يأتي دون ارتكاب الأخطاء” [3]
لهذا الشأن، تهدف هذه المقالة لإعادة تعريف (الخطأ) من خلال استعراض نماذج لأخطاء أصبحت صواباً دون قصد، ما أدى إلى اكتشاف مساحات مُضيئة! والهدف الأسمى من ذلك هو كسر قالب الخوف المبالغ فيه من الوقوع في الخطأ!
ألكسندر فلمنج: نسي أن ينظف معدات معمله، فحصل على جائزة نوبل!
في عام ١٩٢٨، عاد الطبيب البريطاني ألكسندر فلمنج من إجازته لتفقد معمله، فوجد حاويات العينات تمتلئ بالعفن، حيث كان قد نسي أن ينظف معداته قبل مغادرته! لكن هذا (الخطأ) أسهم بحدوث ثورة بعالم الطب؛ حيث لاحظ فلمنج أن لهذا العفن قدرة عجيبة على محاربة البكتيريا! ما دعاه لإجراء المزيد من التجارب، التي أدت لاستخلاص مادة البنسيلين كأول مضاد حيوي! ساهم هذا الاكتشاف بعلاج كثير من الأمراض البكتيرية، وكوفئ على أثرها السير فلمنج بجائزة نوبل في الطب في عام ١٩٤٥م.
كونراد رونتجن: أردتُ عَمْرًا وأراد اللهُ خارجة!
في عام ١٨٩٥، تعرض الفيزيائي الألماني كونراد رونتجن لأهم (أخطاء) حياته، حين كان منهمكًا بتجاربه لملاحظة سير شعاع إلكتروني في أنبوب مفرغ من الهواء، غير أنه لاحظ وجود إشعاع غير معروف (X) لديه القدرة على اختراق المكونات المعتمة لمواد التجربة! أدرك على الفور أهمية هذا الإشعاع، فقام بتسليطه على يد زوجته فظهرت صورة حية لعظام يدها يتوسطها خاتمًا بيدها، لتنطلق بذلك تطبيقات الأشعة السينية بالمجال الطبي، ومجالات متنوعة أخرى. ويكافئ رونتجن لذلك بجائزة نوبل الأولى في الفيزياء في عام ١٩٠١م.
بيرسي سبنسر: جهاز يعمل لغير ما صُمّمَ من أجله!
كان المهندس الإنجليزي بيرسي سبنسر يمارس عمله في شركة لصناعة أجهزة الرادار. وعند شعوره بالجوع تناول قطعة شوكولاته من جيبه، ليجدها قد ذابت، رغم برودة الغرفة! أدرك حينها أن سببًا ما أدى لتوليد طاقة حرارية، فعمد إلى الاقتراب من صمام الإلكترونات وبيده كيس لبذور الذرة، فلاحظ انفجار حبات الذرة! فتم بذلك اكتشاف آلية توليد الحرارة عن طريق الموجات القصيرة. وأمام (خطأ) الاقتراب من صمام الكترونات أجهزة الرادار، أصبحنا اليوم جميعًا ننعم بأجهزة المايكرويف بمنازلنا ومكاتبنا!
كارل لينك: أراده سُمّاً للفئران، فصار دواءً للبشر!
ضجر أحد مزارعي ولاية ويسكونسن الأمريكية من نزف أبقاره حتى الموت. فتوجه إلى مركز أبحاث جامعة الولاية بحثًا عن الحل! حينها شرع كارل لينك وفريقه بالبحث عن السبب، وبعد عدة سنوات استطاع الفريق تحديد مادة بالبرسيم الحلو تعمل على زيادة سيولة الدم، ما تسبب بنزيف الأبقار ونفوقها! تم تسمية المنتج بالوارفرين، الذي استخدم أولًا لتصنيع وإنتاج سُمّاً للفئران! لكن المثير ما حدث لاحقًا، حين حاول جندي أمريكي الانتحار عبر تناول جرعات من الوارفرين، وبعد نقله إلى المستشفى، تبين عدم سميّة المركب، وفعاليته بزيادة سيولة الدم! أما اليوم، فقد أصبح من الشائع استخدام (سُمّ الفئران) لزيادة سيولة الدم وعلاج الجلطات الدموية للبشر!
ويلسون غراتباتش: خطأ، فملاحظة، فابتكار!
كان للمهندس غراتباتش شغف كبير بالإلكترونيات، وكان يسخر ذلك بتصميم جهاز لتسجيل نبضات القلب. وفي أحد الأيام قام ويلسون (بالخطأ) بإضافة مقاومة كهربائية من حجم مختلف، وبدلًا من التسجيل، ابتدأت الآلة بإصدار إشارات كهربائية غير منتظمة! قرر حينها عوضًا عن إكمال مهمته بتصميم جهاز لتسجيل نبضات القلب، أن يقوم بتصميم جهاز لإصدار نبضات كهربائية منتظمة، وأن يكون صغيرًا بما يكفي لزراعته بالمرضى الذين يعانون من نبض قلب غير منتظم! وهذا ما حدث فعلًا في عام ١٩٥٨م! واليوم، تتم زراعة جهاز منظم ضربات القلب (بمقاومته الخاطئة) في أكثر من ٦٠٠ ألف مريض سنويًا.
للمزيد أيضًا:
أظهرت دراسة منشورة (ممولة من قبل المكتب الأوروبي لبراءات الاختراع، اشتملت على بيانات ٩٠٠٠ استبانة لأفراد حاصلين على براءات اختراع) أن ٥٠٪ من الابتكارات المسجلة حدثت بالخطأ أو بمحض الصدفة! [9] وهذا يشير إلى أن الصواب الحقيقي يقع بالمنتصف بين ما نظنه صوابًا وما نظنه خطأً! فإن كان (الصواب) وجه عملة الابتكار الأول، فإن (الخطأ) وجه عملتها الآخر! وإذا كانت الأمور نسبية إلى هذا الحد، فلمَ إذن نخشى الوقوع في الخطأ إلى الحد الذي تتوقف معه الأعمال، وينعدم معه التجدد!
ومن جانبٍ آخر، فمن لا يخطئ لا يعرف جيدًا طريق الصواب! وتحقيقًا لذلك قام أحد المهتمين بإجراء تحليل للرميات الطويلة للاعب كرة السلة الأشهر مايكل جوردن، ليجد أن عدد الرميات الخاطئة التي أجراها جوردن تفوق عدد الرميات الصائبة التي أحرزت النصر لفريقه! فأصبحت الرميات الخاطئة دليل اللاعب إلى طريق الصواب! ثم نُسيَ إخفاقه، وما عاد الناس يذكرون إلا صوابه وتألقه وانتصاراته! [10]
المتعة في أن تكون مخطئًا!
في كتاب: فكر مجددًا، عنون المؤلف آدم غرانت أحد فصول الكتاب بعنوان: المتعة في أن تكون مخطئًا! وفيه أشار لحدث جمعه مع عالم النفس -الحاصل على جائزة نوبل- دانيال كانمان. حيث حضر كانمان يومًا عرضًا لإحدى دراسات غرانت، وعند استعراض النتائج، ابتسم كانمان وقال: “هذا عظيم! لقد كنت مخطئًا”، وأضاف: “لقد تعلمت شيئًا جديدًا”! وعند سؤاله عن سر قدرته على الحفاظ على هذا المبدأ، علق كانمان بقوله: “أنا أرفض أن اسمح لمعتقداتي أن تصبح جزءًا من هويتي!” [11]. ورسالة كانمان هنا أنه من الخطأ الانحياز لما نظنه صوابًا، لأن ذلك سيحجب متعة التعلم، ويوقف عجلة العلم، ويصد جريان نهر الأفكار والابتكار!
صواب أخير:
أما بعد، فلنتحاشى الخطأ دون أن نخشاه! فإن وقع، فقد تنكشف لنا المساحة المضيئة، وقد يستمر التجدد، لنصل به إلى الخبرة من بابها الآخر! ولأن “أكثر المعارف إمتاعًا هي تلك التي توجد في عالم المعرفة المجهولة”؛ فلنفكر دومًا خارج حدود صندوق المعتاد، ما نظنه صوابًا، فقد يكون الصواب المطلق خارج تلك الحدود! والأهم من ذلك، أن نعيد تعريف (الخطأ)، لنتخطى بذلك رُهاب الفشل! ولنتذكر أن جميع الابتكارات التي تم استعراضها، وغيرها كثير، كانت في يومٍ ما خارج حدود (الصواب)!
_________________
المراجع:
[1]
Hamish Thomson , It’s Not Always Right to Be Right, Wiley, 2020.
[2]
علي عبد المجيد، الإدارة الحديثة أسس ومبادئ وغايات، وكالة الصحافة العربية، ٢٠٢١.
[3]
هارفارد بزنس ريفيو، “ما هو رهاب الفشل؟”، مجرة, ٢٠٢٣.
[4]
الجمعية الكيميائية الأمريكية للمعالم الكيميائية التاريخية الدولية، “اكتشاف البنسلين وتطويره” 1999.
[5]
“يوم اكتشفت صدفة الأشعة السينية!” Deutsche Welle, ٢٠١٥.
[6]
Lemelson-MIT, “Percy Spencer Microwave Oven,” Massachusetts Institute of Technology.
[7]
عبدالرحمن السلطان، “من سم قوارض إلى دواء للبشر” العربية نت, ٢٠٢١.
[8]
طه عبد الناصر رمضان، “خطأ نجّى ملايين البشر من الموت” العربية نت، ٢٠٢٠.
[9]
Brusoni S, et al, “The Value Of European Patents Evidence From A Survey Of European Inventors,” European Commission, 2005.
[10]
Stewart W, The Little Giant Book of Basketball Facts, Sterling Publishing Company, 2005.
[11] آدم غرانت، فكر مجدداً، دار تشكيل، ٢٠٢٣.
* كاتب سعودي