6
0
11
0
28
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13531
0
13376
0
12212
0
12137
0
9568
0
محي الدين إبراهيم*
الشاعر عبد الرحمن حسن يهدم المألوف، ويشيّد صرحًا من غبار المعنى، ويدمر مرجعيات الإدراك المكانية والزمانية:
في زمنٍ تتكرر فيه القصائد كما تتكرر الظلال، يظهر الشاعر عبد الرحمن حسن في قصيدته “طَعْمٌ شاغِرٌ في الأَصابِعِ” لا ليضيف بيتًا إلى ديوان العرب، بل ليهدم المألوف ويُشيِّد من غبار المعنى صرحًا لا يستقر، فهو لا يكتب الشعر، بل يُغامر فيه، يعامله لا كمهنة ولا كطقس، بل ككائن حيٍّ يتنفس القلق ويقتات من الحنين.
ولا يتجلى شعر عبد الرحمن في الوزن والقافية، بل في قدرته على الإمساك باللحظة الهاربة، تلك التي تقف بين البوح والخذلان، لكونه شاعرًا من طينة الذين لا يقفون عند بوابات اللغة، بل يدخلونها كمن يدخل كهفًا مظلمًا حاملًا قلبه مصباحًا، وفي هذه القصيدة نجده لا يعرض فكرة، بل يصوغ فقدان الفكرة كشكل جمالي، وهو لا يتوسل المعنى، بل يرتّب ضياعه، كما يرتّب المتصوّف درجات الوجد، ومن هنا، تتجلى فرادته الشعرية، في كل بيت، يربكك، وفي كل صورة، يربط الوجود بالعدم بخيط من المجاز، وفي كل ختام، يتركك تتساءل: هل كانت القصيدة حقيقية، أم أنها مجرد صدى لما كان يمكن أن يُقال؟
إن الشاعر عبد الرحمن حسن يعرف أن اللغة ليست مرآة، بل متاهة، وأن الشعر العظيم لا يصف العالم بل يوقظه، لهذا، فإن من يقرأه لا يُصفق له، بل يصمت احترامًا للدهشة، ومن ثم، في كل مرة نقرأ فيها قصيدة للشاعر عبد الرحمن حسن، نجد أنفسنا أمام تجربة لا تُسلَّم للقارئ على طبق من الفهم المباشر، بل تُستدعي بالتأمل العميق وتفكيك المعاني المتداخلة، لتتكشف طبقات من الدلالة تُضاعَف وتُزاح، وتتقاطع الرموز والصور والمجازات لتُنتج عالمًا شعريًّا متعدد المستويات، ينفتح على أفق ميتافيزيقي وتأملي يخصّ الكينونة نفسها.
وفي قصيدته تلك “طَعمٌ شاغِرٌ في الأَصابِعِ”، لا يُقدم عبد الرحمن نصًا يُروى أو حكاية تُتبع، بل نصًّا يُفتَح على الذات والعالم معًا، نصًّا يتحرك في انزياح دائم، ويعيد تشكيل العلاقة بين اللغة، والهوية، والمعنى، والزمن، أو لنقل ببساطة: نحن أمام تجربة شعرية ليست للقراءة بل للاختبار الوجودي.
الذات والآخر: بنية المرايا المتقابلة
في مطلع القصيدة يقول:
“المَا وراءُ أنا، وأَنتَ الآخَرُ
واللا مَكانُ / اللا زَمانُ / الشَّاعِرُ”
هذا الاستهلال يؤسس لمنظور مختلف في التعامل مع ضميري “أنا” و”أنت”، فهما لا يشيران هنا إلى ذاتين محددتين، بل إلى إشارتين تأويليتين تُفجّران سؤال الهوية. “الما وراء” ليس غيابًا، بل حقل وجود يتجاوز الإدراك الحسي، ويجعل من الشاعر كائنًا معلقًا في الفجوة بين الغياب والتكوين. إننا هنا بإزاء تدمير لمرجعيات الإدراك المكانية والزمانية، حيث يقيم الشاعر في “اللا” – اللا مكان، اللا زمان – وهي منطقة الدهشة الكونية، التي لا يُدرك فيها العالم بالعقل، بل بالحدس أو الوجع.
الزمن المقلوب: الحاضر كغياب
في قوله: “اللَّحظةُ الأُولى هيَ الرَّمقُ الأَخيرُ”
التي ينسف فيها الشاعر المفهوم الخطي للزمن، ويعيد تشكيل الحضور عبر مفارقة تأويلية: البداية هي نهاية، والنهاية هي بداية، ومن ثم، فالقصيدة تضع القارئ داخل دائرة زمنية مغلقة لا مجال فيها للاستقرار أو التراكم، بل للانمحاء المستمر، والذات الشاعرة هنا لا تظهر كراوٍ يضبط إيقاع الزمن، بل كبؤرة تنفجر داخل اللغة، تمحو وتُعيد، تصوغ وتُبدّد.
الآه واليد والفخ: المعاناة كعلامة جسدية
البيت: “والآهُ: إمّا أَن يَكونَ لَها يَدٌ
أَو أَنَّها فَخٌّ؛ فَأَينَ تُغامِرُ؟”
يحمل المفارقة التأويلية في ذروتها: “الآه”، التي هي صوت نابع من الألم، تتحول إلى شيء ملموس، جسد له يد، أو مصيدة يُمكن أن تُطبق على الكائن. وهنا لا يُعبر الشاعر عن الألم كحالة وجدانية فقط، بل كاحتمال مزدوج: خلاص أو هلاك، وهو ما يدفع القارئ إلى مساءلة كل شعور، بل وكل علامة لغوية.
الفراغ ككيان حسي:
في أحد أكثر الأسطر توترًا وتركيبًا: “والأَيْنَ: بُوصَلَةٌ تُشيرُ إلى فَراغٍ ما .. وطَعمٌ في الأَصابِعِ شاغِرُ”.
نرى تداخلًا للحواس (synesthesia) يُنتج صورة لغوية غير مألوفة: الطَّعم في الأصابع شاغر. والمقصود هنا أن الإدراك نفسه قد تهشّم، وأن الحواس لم تعد تُمكّن من فهم العالم، بل تُربك صاحبه، فالفراغ لا يُقدَّم كغياب، بل كـ”مكان” قابل للإشارة، وهذا الفراغ هو ما تنطوي عليه التجربة الشعرية: بحث عن امتلاء، يتكشف دومًا كخواء.
ثم نأتي لللغة بين الاقتراح والتكذيب، حيث يُصرّح الشاعر:
“ها أنتَ واللغة: اقتراحٌ، والمَدى.. إفكٌ، وحدسٌ في التكهُّنِ حائرُ”.
اللغة، هنا، هي أداة التعبير والوجود، تُصبح محل شك، فهي لا تُقرر، بل تُقترح، والمَدى – ذلك الأفق المفتوح الذي يُفترض أن يحمل المعنى – يتحوّل إلى “إفك”، أي إلى كذب مُضلِّل. بهذا يعلن عبد الرحمن انفصاله عن اللغة كجهاز يقيني، ويحولها إلى كائن حيّ يُراوغ، يُضلل، ويخدع، إذ لا يقين في اللغة، ولا ثبات في معناها، وكل معنى مُؤجَّل على الدوام.
أما من زاوية تراكب الرموز وتكاثر الإيحاءات، فمن خلال تكرار بنية “ها أنتَ و…” (الجهة، المطر، اللغة…)، يعيد الشاعر بناء علاقته بالوجود على هيئة لحظات مواجهة جديدة، كل مرة، تقف الذات في وجه جديد للعالم، وتجتاز اختبارًا رمزيًّا مختلفًا، والعناصر الطبيعية (المطر، النهر، الرمل…) ليست زينة بل علامات على تحوّلات الذات وعجزها عن الترسّخ، فالنهر “عابر”، والرمل “ظمأ”، والمطر “تنبؤ”، وكلها علامات على هشاشة الوجود، وفي مواضع أخرى، تُعيد الصور بناء التشويش الدلالي في بنية دائرية: الزنبقات دوائر، العناق محفوف، والظل مسجى خاطِر، وهي كلها مؤشرات على أن القصيدة لا تتطور خطيًّا، بل تتكثف وتدور حول نفسها، كما يدور النجم حول ذاته في السماء البعيدة.
أما من ناحية علامات الذات نجد من كائن إلى علامة، وحيث في نهاية المطاف، لا يُقدّم الشاعر ذاته كـ”كائن”، بل كـ”علامة”، والقصيدة نفسها لا تُقيم علاقة واضحة بين الذات والعالم، بل تكشف كيف أن كل محاولة للفهم تُصيب الذات بالتيه، والمعنى هنا ليس غاية، بل مسارٌ متعرج، واللغة ليست أداة بل فخ، والوجود نفسه علامة تُخطئ نفسها في كل تأويل.
ومن خلال خياله الشعري نجد أن الشعر عند عبد الرحمن حسن هو ارتباك ضروري، فالقصيدة لا تقود القارئ إلى نهاية، بل إلى هاوية جميلة، تتأرجح فيها الكلمات بين أن تُقال أو لا تُقال، أن تُفهم أو تُستشعر، إنها قصيدة لا تُفكّ شفرتها بسهولة، لأنها لا تعطي شفرة واحدة، بل تُقدّم نفسها كسلسلة من الشفرات المفتوحة، ومن هنا، يكون عبد الرحمن شاعرًا لا يكتب فقط، بل يُجرّب، لا يشرح العالم، بل يُعلّق عليه بما يُربكه، ويُنقّب عن جوهره المتردد بين الحضور والغياب، إنه هنا، الشاعر الذي يقول ما لا يُقال، ويكتب حين تصبح اللغة نفسها في حيرة من أمرها.
وإذا أردنا استبصار اللغة هنا، نجد أن اللغة في هذه القصيدة ليست وسيلة إبلاغ أو وصف، بل حقل اضطراب، ليست بوقًا للحقيقة، بل خيطًا يرتجف بين المعنى والصمت، فكل بيت هنا يتقدم خطوة نحو الانكشاف، ثم يتراجع خطوة إلى التواري، ومن ثم، وفي تجربته الشعرية اللافتة “طَعمٌ شاغرٌ في الأصابع”، يواصل عبد الرحمن حسن هنا، الدفع بلغة الشعر إلى تخومها القصوى، حيث لا تعود الكلمات مجرد أدوات إبلاغ أو وصف، بل تصبح حقلًا مفتوحًا للاهتزاز والتوتر والاحتمال، ليست اللغة عنده بوقًا يُطلق الحقائق، بل خيطًا يتأرجح في الفراغ بين المعنى والصمت، بين الإمساك والتلاشي، إن كل بيت من هذه القصيدة، تتقدم اللغة خطوة نحو الانكشاف، ثم تتراجع خطوة إلى الغموض، هي لغة تتلكأ وتتعثر وتتهجى نفسها أمام قارئ مأخوذ بها لا كمفاتيح للفهم، بل كأصداء لحالة باطنية تتجاوز حدود التعبير، وللتأكيد على ذلك، انظر إلى قوله: “تلعثمَ المعنى، تحسّسَ نبضهُ”.. ليست هذه صورة شعرية فقط، بل تصريح وجودي عميق بعجز اللغة عن القبض على ما تريد قوله، فالمعنى هنا ليس حاضرًا في العبارة، بل يُتحسَّس مثل جرح قديم خلف رصاصة، والتلعثم ليس عيبًا بل صدقًا، لأن ما يُراد قوله (الوجود، الفقد، الغياب، الحنين) يتجاوز طاقة اللسان، ثم تأتي القفزة الأكثر رهافة حين يُصرّح الشاعر: “ها أنتَ واللغة: اقتراحٌ” .. اللغة هنا لا تُقدِّم اليقين، بل تعرضه على هيئة اقتراح، إيماءة، احتمال، إنّها لا تقول “الشيء” بل تلوّح به، وتترك القارئ في متاهة الاحتمالات المفتوحة، ومع هذه الرؤية، تتحول القصيدة إلى تجربة صوفية تُمارَس داخل اللغة، لا لتُمسك المعنى، بل لتلامس ظلّه.
وإنْ كانت اللغة تُراوغ وتُماطل، فإن الموسيقى التي تتخلل النص لا تقل التباسًا، بل تتحوّل إلى طيفٍ شعري يتنفس التوتر الداخلي للقصيدة، فالإيقاع هنا لا يُبنى فقط على الوزن أو البحر، بل على توتر داخلي يتولّد من الجُمل الملتوية والوقفات الحارّة، من الخلل المقصود في البنية الصوتية، ففي قوله: “وكأنَّهُ قلقٌ يُراقبُ حتفهُ.. من حافةٍ سقطتْ، وحظٌّ عاثرُ”، نشعر بإيقاع متوتر، متردد، يكاد يُشبه أنفاسًا تقفز من هاوية. ليست هذه موسيقى تُطرِب، بل تنهيدة متقطعة كتبها شاعر في لحظة هشّة، على جدار يتداعى، ولذلك لا نجد مواضع راحة إيقاعية في القصيدة، بل تراكبًا دائمًا بين الصوت والارتباك، بين النَفَس والمعنى المنزلق، ومن ثم، فالموسيقى هنا ليست فقط في البحر أو القافية، بل في التكرارات البنيوية التي تؤسس لنغمة داخلية تتردد كالذكر الصوفي: “ها أنتَ والجهة…”.. “ها أنتَ والمطر…”.. “ها أنتَ واللغة…”، كل “ها أنتَ” تُمهّد لوصلة من التوتر الداخلي، كأن الشاعر يفتتح كل مرة علاقة جديدة مع العالم، لكنها علاقة لا تنتهي إلى مصالحة، بل إلى مزيد من التشظّي، وحتى التكرار الصوتي لبعض الحروف (السين، الشين، الزاي)، كما في: “اللا مكان / اللا زمان / الشاعر”.. “مِن أين أَرمي للطريقِ توجسًا”، يصنع ما يشبه الصفير الخافت، وكأن القصيدة تتنهد من بين الحروف، لا تكتب فقط، بل تئنّ، ومن ثم، فاللغة هنا لا تُزَيِّن، بل توثّق لحظة هشاشة داخلية، والموسيقى ليست زينة صوتية، بل برهان وجود، ومن ثم، فإن العلاقة بين اللغة والموسيقى في هذا النص ليست علاقة تبادل، بل علاقة تخفٍ وتكشّف، فكلما اختنق المعنى، جاءت الموسيقى لتُنقذه لا بالشرح، بل بالشعور، إنّها علاقة أشبه بما وصفه بعض المتصوفة: “اللغة ظلّ الروح، والموسيقى رفيفه”.
ومن هذا كله، يتبيّن أن الشاعر لا يتعامل مع الشعر كصنعة، بل كمقام، هو ينتقل بين أحوالٍ داخلية أشبه بأحوال الصوفية: من التوجس إلى الحيرة، ومن الحنين إلى الغياب، والقصيدة بكاملها لا تتقدّم نحو معنى ثابت، بل تنحلّ فيه، فالكلمات عنده مطرٌ لا يسقط، بل ينتظر أن يُصدّقه التراب: “حتى يُصَدّقكَ التراب الطاهرُ”، تلك هي فلسفة عبد الرحمن حسن الشعرية: أن يُبقي القارئ في حالة انتظار، لا للمعنى بل لصداه، لا للحقيقة بل لاحتمالها، قصيدته لا تُغلق بابًا، بل تفتحه على الريح، ومن هنا، فإن عبد الرحمن ليس شاعرًا يكتب نصًّا، بل شاعرٌ يجعل اللغة تمشي حافيةً فوق جمر التجربة، والموسيقى، في حضرته، لا تُعزف، بل تُرتجى، وهكذا، تنتهي القصيدة كما تبدأ: لا بنقطة، بل بذوبان، مكثفة ورغم ذلك ليس فيها خيطٌ يُفضي إلى يقين، بل سُدًى يتهادى بين الأصابع كأنّه بقايا نورٍ لم يكتمل، إنها ليست قصيدة تُقرأ، بل تُذاق، ليست نَظمًا يُحدّق في المعاني، بل نجوى تتلمّس الغيب بأنامل مرتجفة، فجمالها ليس في الصور وحدها، بل في ذلك الشوق الخفيّ الذي يسري في كل بيت كما يسري الوجد في القلب العارف، وكأن الشاعر جلس على عتبة الوجود، لا ليسمّي، بل ليُناجي، ولا ليشرح، بل ليشهق من فرط ما لا يُقال، ومن ثم، فهذه القصيدة، في جوهرها، ليست نصًا بل تجربة؛ هجرة من الأنا إلى اللا أنا، من الكلمة إلى صمتها، من الحضور إلى الغياب الذي هو أصفى حضور، إنها صلاة لم تُكتَب على ورق، بل في الهواء، يتلوها شاعرٌ يعرف أن كل مجاز هو حجاب، وأن أجمل ما في المعنى… هو ما لا يُمسَك.
النص الشعري للشاعر اليمني (عبد الرحمن حسن)
(طَعْمٌ شاغِرٌ في الأَصابِعِ)
المَا وراءُ أنا، وأَنتَ الآخَرُ،
واللا مَكانُ / اللا زَمانُ / الشَّاعِرُ.
واللَّحظةُ الأُولى هيَ الرَّمقُ الأَخيرُ،
فَما سَيترُكُهُ غِيابُكَ حاضِرُ.
والآهُ: إمّا أَن يَكونَ لَها يَدٌ،
أَو أَنَّها فَخٌّ؛ فَأَينَ تُغامِرُ؟
وهَلِ انْتَصَرتَ؟ أَم انْهَزَمتَ؟ وهلْ
هُناكَ سِواكَ – يا وَجَعَ القصيدةِ – خاسِرُ؟
فالآنَ: جُرحٌ شاسِعٌ، وكِنايةٌ
عنْ كُلِّ غُصْنٍ، حينَ يُقلَعُ طائِرُ.
والأَيْنَ: بُوصَلَةٌ تُشيرُ إلى فَراغٍ ما،
وطَعمٌ في الأَصابِعِ شاغِرُ.
وعَليكَ أنْ تَلقى سُداكَ كظامئٍ،
حَتّى يُصَدِّقَكَ التُّرابُ الطاهِرُ.
ها أنتَ والْجِهَةُ / الطَّريدةُ، كُلَّما
الْتَفَتَتْ إلى جِهَةٍ، تَوَثَّبَ حافِرُ.
وتَلَعْثَمَ المعنَى، تَحَسَّسَ نَبْضَهُ،
وَدَمُ المَسافَةِ في الرَّصاصَةِ نافِرُ.
والرَّكضُ في عُرْيِ المجازِ كمائِنٌ
خَضراءُ، والظِّلُّ المُسَجَّى خاطِرُ.
واللّا هُناكَ يَدٌ، يُمِدُّ سَرابَهُ
لِلّاهُنا، والزَّنبقاتُ دَوائِرُ.
وكأنَّهُ أَبَدٌ أُحاوِلُ جَرَّهُ
مِمّا يُراوِدُهُ الحَنينُ الغابِرُ.
وكأنَّهُ قَلَقٌ يُراقِبُ حَتفَهُ
مِنْ حافَةٍ سَقَطَتْ، وَحَظٌّ عاثِرُ.
فالماءُ – مِنْ عَطَشِ الرِّمالِ – كأنَّهُ
ظَمَأٌ على شَفَةِ العَراءِ مُحاصَرُ.
كَفَتًى يُرَوِّضُ في السَّماءِ شِباكَـهُ،
وسُداهُ في نارِ الضَّلالَةِ كافِرُ.
ها أنتَ والأَرضُ / العِناقُ، وها هِيَ
الزَّفراتُ – وَهْيَ مَلاجِئٌ وَمَهَاجِرُ.
ها أنتَ وَالمطرُ / النَّشيدُ تَنَبُّؤٌ،
فَالقَطرَةُ الأُولى، وأنتَ أَواصِرُ.
مِنْ أَيْنَ أَرمي للطَّريقِ تَوَجُّسًا،
فَقَدَ الصِّراطَ، وفي يَدَيَّ مَصائِرُ؟
ها أنتَ واللُّغَةُ: اقْتِراحٌ، والمَدَى
إِفْكٌ، وَحَدْسٌ في التَّكَهُّنِ حائِرُ.
وَفُكاهَةٌ ظَلَّتْ تُقَهْقِهُ في الرُّؤى،
مُذْ عَلَّمَ الأَسْماءَ… حتّى غادَروا!
لا إرْثَ لِلصَّحراءِ. حاوِلْ أَنْ تُعانِقَ
ضِفَّتينِ، فكُلُّ نَهرٍ عابِرُ.
فَالمَا وراءُ أنا، وأَنتَ مَكيدَةٌ،
واللا مَكانُ / اللا زَمانُ / الشَّاعِرُ
*كاتب من جمهورية مصر العربية