مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

فاطمة الجباري*   عن أولئك الذين لا ينطقون إلا برحمة… لأنهم يدركون هشاشة الأ …

حين يصبح الكلام مسؤولية قلب

منذ 12 شهر

400

0

فاطمة الجباري*

 

عن أولئك الذين لا ينطقون إلا برحمة… لأنهم يدركون هشاشة الأرواح.

“ثمة قلوب لا تُجرَح بالسيوف، بل بكلمة،
وثمة نفوس لا تُنسى من أوجعها، ولو بنظرة”.

في عالم يمضي بسرعة، وتتسابق فيه الألسن بالكلمات كما لو أنها لا تترك أثرًا، يظل أولئك النادرون الذين يزنون أحاديثهم بميزان من ذهب، بمثابة نور خافت في زوايا ضجيجنا اليومي.

يُبهرني ذاك الشخص الذي لا يتحدث إلا وهو يضع قلب الآخر في اعتباره…
ذاك الذي يخشى أن تترك كلمته خدشًا في روح مرهقة، أو شرخًا في قلب لم يُشفَ بعد. لا يتحدث بدافع الانتصار لنفسه، ولا يُطلق الأحكام كالسّهام، بل يترفّق… كأن بينه وبين الآخر عهدًا من الرحمة.

هؤلاء الأشخاص لا يُظهرون فصاحة اللسان، بل جمال الضمير.
هم الذين يترددون قبل أن يكتبوا رسالة عتاب، ويخافون أن يساء فهمهم في لحظة انفعال، وهم الذين إذا غضبوا… صمتوا، لا خوفًا، بل احترامًا لما قد توجعه الكلمة في قلبٍ أحبهم يومًا.

إن الكلمة لا تموت بعد نُطقها، بل تسكن في الذاكرة، في لحظة ضعف، في موقف عابر، وربما تعيش عمرًا كاملًا داخل من لم يُظهر تأثّره بها.
لهذا، فالشخص الذي يدرك ذلك ويخشى أثر كلماته… هو إنسان راقٍ بفطرته، نبيلٌ حتى في صمته.

ليس ضعفًا أن نُراعي شعور غيرنا، بل هو قمة القوّة والسيطرة على الذات.
فكم من كلمة قالت: أنا صادقة! لكنها جرحت، وكم من صمتٍ قال: أنا أرحم!

القلوب ليست حقولًا لتجارب التعبير، ولا مستودعات لمشاعر الآخرين.
بل كائنات هشّة، تحتاج من يمسك الكلمات بيدين من لطف، لا بلسانٍ مسنون.

رُوي أن شيخًا حكيمًا كان يُعلّم أبناء قريته درسًا في الحديث والتعامل، فأحضر وعاءً زجاجيًا، وملأه بالعسل، ثم قال لهم:
“تخيلوا أن هذا العسل هو قلوب الناس… نقي، حلو، يداوي”.
ثم أخذ ملعقة صغيرة من الرماد الأسود، ورماها في العسل، فتعكّرت صفحته وتغيّر طعمه.

قال أحد الحضور: “ما الذي فعل هذا؟!”
قال الشيخ بهدوء:
“كلمة واحدة… تُفسد قلبًا، كما أفسد هذه الرمادُ العسل”.

ومنذ ذلك اليوم، صار أهل القرية يتحرّجون من قول أي شيء قد يُفسد “عسل القلوب”…

في الختام:
القلوب الطيبة لا تطلب الكثير، فقط أن تُؤخذ بعين الرحمة، أن تُعامل بالكلمة التي تَرقق لا تَكسر… فالكلمة مسؤولية، وصاحب الضمير الحي… لا يُطلقها إلا بعد أن يمررها على قلبه أولًا.

 

*كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود