105
0
71
1
116
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12339
0
12074
0
11732
1
10914
5
8743
0
بقلم: د. حمزة مولخنيف*
يبدو دخول عالم حضيّة عبده خافي في أسطورة بلاد النور، أشبه بالدخول إلى فسيفساء من الحكايات المتناثرة التي تجمعها وحدة وجدانية عميقة أكثر مما تجمعها وحدة سردية تقليدية. إن القارئ منذ الصفحات الأولى، يدرك أنه أمام كتابة لا تبحث عن الحبكة بقدر ما تبحث عن أثرها في الوعي؛ كتابة تتخفّى خلف بساطة لغوية ظاهرية، لكنها -في العمق- تمارس فعل التفكيك الهادئ للعالم: عالم الطفولة والخوف والهشاشة والقهر، والبحث عن معنى يتجاوز ضيق التجربة المعيشة.
الأسطر الأولى من هذه القراءة ستحاول أن تقارب هذا العالم مقاربة فلسفية ـ أدبية، بوصفه نصًّا يؤسس لرؤية سردية تلتقي فيها البراءة بالعنف، والخيال بالفقد، والمأساة بالأسطورة.
إن القصة الأولى، “العنقود”، تبدو للوهلة الأولى حكاية طفلة تشتهي عنقودًا من العنب، لكن الرغبة هنا تكتسب، وفق تصور جيرار دولوز للرغبة كقوّة منتجة وليست مجرّد افتقاد، طابعًا تأسيسيًا؛ فالطفلة تحاول الوصول إلى عنقود ليس لأنه عنب، بل لأنه وعد بالخروج من عالمها الضيق. الباب المغلق والبيت المهجور، والقشعريرة التي تسري في الجسد، كلها ليست مجرد عناصر مشاهدية، بل هي رموز لعوالم من الغياب والخوف، تُدخل القارئ مباشرة في قلب سؤال الوجود: من أين ينبثق الخوف؟ وكيف يمكن لرغبة صغيرة أن تتحول إلى عبور نحو العتمة؟ حين تسقط الطفلة داخل حديقة البيت المهجور، ينتقل السرد من الواقعي إلى ما هو أقرب إلى الفانتازيا، ويصبح “النور المنبعث من ثقب الباب” تجسيدًا لحدس غامض يذكر بقول هيدغر إنّ الإنسان “مُلقى في عالم لا يفهمه، لكنه يواصل الحفر فيه بحثًا عن معنى”. الطفلة تُلقي نفسها في المجهول، لا هربًا من العالم، بل بحثًا عن ذاتها، وهذا ما يضفي على النص بعدًا وجوديًا بديعًا.
أما “غفوة”، القصة الثانية، فتبدو أشبه بتجربة عبثية تتقاطع مع أجواء كافكا. الموظفون العالقون في المصعد، الساعة التي تشير في كل مرة إلى زمن مختلف، فقدان الوعي والضباب الكثيف. كلها عناصر توحي بأن الزمن في عالم حضيّة خاضع لاهتزاز داخلي. إن الزمن هنا ليس زمنًا خطيًا، بل “وعاء منفلت”، حسب تعبير برغسون، يختلط فيه الواقع بالوهم. اللحظة التي يكتشف فيها الراوي أن يومه كان يوم إجازة تُحيله مباشرة على سؤال الهوية: ما الذي نفعله حين نُفرغ حياتنا من المعنى حتى لا نعود نميّز بين العمل والراحة، بين الحضور والغياب؟ إن قصة “غفوة” ليست مجرد حادثة يومية، بل هي مرآة لجيلٍ تمزّقه الضغوط والركض المتواصل، حتى صار يفتقد الإحساس بحياته.
في “لم أكن أقصد”، تبلغ قدرة الكاتبة على تصوير التراجيديا اليومية أقصى مداها. حادث سير عابر، كلبة تموت، وثلاثة جراء تبحث عن أمّها. عناصر بسيطة لكنها تحمل من الشجن ما يعيد إلى الذهن ما قاله دوستويفسكي عن “الإنسان الذي لا يتألم لا يمكنه أن يفهم”. الجملة التي تختصر القصة كلّها هي تلك النظرة التي يلقيها أسامة على الجراء الصغيرة وهو يقول لنفسه: “لم أكن أقصد” هنا لا يصبح الذنب فعلًا مباشرًا، بل إدراكًا بأن العالم هشّ إلى درجة تجعل كل خطوة محتملة الكارثة.
إن ما يجعل هذا النص مؤلمًا ليس موت الكلبة، بل الأسى الأخلاقي الذي ينهض داخله: كيف يعيش الإنسان مع مسؤولية الأثر الذي يتركه على الكائنات حوله؟ كأن القصة تعيد طرح مفهوم “الأخلاق الضعيفة” عند ليفيناس، أخلاق ذلك الارتعاش الداخلي حين نواجه وجه الآخر، ولو كان حيوانًا صغيرًا لا حول له.
أما قصة “القرية تلك”، فهي تذهب بالقارئ إلى منطقة أخرى.. منطقة الأسطورة الريفية، والمعرفة البدائية والخوف البريء. خالد وعلاء، الطفلان اللذان يحاولان فهم سرّ المغارة، يرمزان إلى ذلك النزوع الإنساني القديم نحو اكتشاف المجهول. المغارة هنا ليست مكانًا، بل استعارة للعمق النفسي للطفل، لذلك الخوف الذي يتشكل قبل أن يتكوّن العقل النقدي. حين يسمعان الصدى يأتي من داخل المغارة يرتعش الجسد، كما لو أن النص يستدعي القلق البدائي الذي تحدث عنه فرويد في كتابه عن “اللا شعور”: الخوف من الظلام، ومن الأصوات غير المحددة، ومن ما لا يمكن تفسيره. لكن المفارقة الساخرة التي تختم القصة – حين تكتشف الأم الغاضبة وتعيد الطفل إلى “المذكرة المدرسية” – تفتح النص على علاقة بين الواقعي والخيالي، وتؤكد أن الكاتبة تدرك كيف تجعل من أبسط عناصر الطفولة مادة للتأمل الفلسفي.
قصة “الأربعاء القادم” تُدخل القارئ إلى فضاء الطفولة مرة أخرى، لكن من زاوية الألم الأخوي. مي وحنين ليستا مجرد شقيقتين، بل رمز لصراع الحب والغيرة، والبناء والهدم، والإبداع والقسوة. الورق الممزق الذي كانت حنين على وشك إنهائه هو في الحقيقة “حلم صغير”، لذا يتحول تمزيقه إلى جرح وجودي. الكاتبة هنا تُبرز هشاشة الفضاء الأسري، والتوتر الخفي بين الأطفال، كأنها تقول -كما قال سارتر- “إن الآخر هو جحيمي، وهو أيضًا خلاصي” إن العلاقة بين الأختين تختصر معضلة أبدية: الحب الذي يولّد الحسد، والطفولة التي تتحول إلى مختبر للآلام الأولى التي تتشكل فيها شخصياتنا.
أما “غصون”، فهي أقرب إلى نص تأملي يذكّر بكتابات جبران خليل جبران. الحوار بين الطفلة والشمس ليس حوارًا طفوليًا، بل حوار بين البراءة والكون، بين السؤال والمطلق. والشمس هنا ليست جرمًا سماويًا، بل “صوت الحكمة” الذي يعلّم غصون أن الوجود أعقد مما تراه العين. إن النص يطرح سؤالًا فلسفيًا حول المعرفة: هل معرفة العالم تتم عبر الاقتراب منه أم عبر قبول محدوديتنا؟ الشمس تقول: “من يقترب مني يحترق”.. وهي عبارة تكثّف حقيقة صادمة: إن المعرفة المطلقة قاتلة، وإن الإنسان محكوم بالمسافة. هذه المسافة هي سرّ الحياة، وهي جوهر الفلسفة منذ أفلاطون.
وفي “شيماء… تبكي”، نبلغ منطقة جرحية أكثر عمقًا، حيث الألم الأسري وغياب الأم وضعف الجسد ومواجهة الفزع. النص يتجاوز الحكاية ليصبح تمرينًا وجوديًا على الخوف. الجسد الزاحف، والصوت البعيد، والرعب الذي يشلّ القدرة على الحركة. كلها عناصر تجعل القصة أقرب إلى شهادة عن هشاشة الإنسان أمام الفقد. ما يجعل النص مؤثرًا هو أن شيماء لا تبحث عن شيء خارق، بل عن “مجرد أمّ”. هذه البساطة هي سرّ قوة النص، فهي تذكّرنا بما قاله محمود درويش: “الأمّ هي الوطن الأول”.
يتبين لنا أن حضية عبده خافي ليست مجرّد كاتبة قصص قصيرة، بل مهندسة عوالم داخلية، تُعيد تشكيل التجربة الإنسانية في بُناها الأولى: الخوف، الرغبة، البراءة، الذنب والفقد. إن نصوصها لا تقدم حلولًا، بل تفتح الأسئلة؛ ولا تبحث عن البطولة، بل عن الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة. لذلك، فإن عالمها يحتاج قراءة بطيئة عميقة، تسمح للقارئ بأن يستمع إلى أنين الشخصيات، وأن يدخل معها إلى تلك “المغارة الداخلية” التي نخاف جميعًا من رؤيتها.
تتابع حضيّة عبده خافي في مجموعة أسطورة بلاد النور، بناء عالمها القصصيّ المتوتر بين الواقع والهامش، بين الحياة اليومية التي نعرفها وبين تلك الطبقات الخفية من الوجدان الإنساني التي لا نكاد نلمسها إلا حين تنكسر الأشياء أو تنطفئ أو تفلت من أيدينا. وإذا كانت القصص الأولى تضع القارئ أمام “عتبة الوعي”، أمام الطفولة بوصفها الموضع الأول للدهشة والتصدّع، فإن القصص اللاحقة تتّخذ منحى أشد قسوة، وأكثر اتصالًا بالجانب الاجتماعي والنفسي والأخلاقي للإنسان في علاقته بالآخرين وبنفسه وبسلطة العائلة والمجتمع. إننا الآن نتحرك من “البيت المهجور” والظلام والمغارة والرغبة الأولى، إلى فضاءات أكثر تركيبًا: القبو والمدرسة، الشوارع والعلاقات العائلية والأسرار الصغيرة التي تشكل نسيج الحياة اليومية.
في قصة “المبلغ”، نواجه عالمًا مألوفًا، لكنّ حضيّة تقدّمه بزخمه الداخليّ العميق. فالصغير طُريف الذي يخفي جهاز الحاسوب في القبو ويعود في الليل متسللًا أمام ضوء خافت، ليس مجرد فتى مشاغب، بل هو صورة لوعي مراهق يبحث عن مساحته الخاصة، عن “سرّه” الذي يحميه من سلطة العائلة. إن العائلة هنا ليست كيانًا آمنًا، بل منظومة رقابية تُذكّرنا بما كتبه فوكو عن “المراقبة والمعاقبة” وكيف تعمل السلطة في الأصغر والأخفى والأكثر حميمية. حين تكتشف الأم الضوء في الغرفة، يصبح الضوء نفسه رمزًا للفضيحة، للانكشاف ولانهيار السرّ. تأتي لحظة المواجهة بين طريف وأخته سمر لتكون محمّلة بإيحاءات سلطوية: كيف يصنع الأطفال سلطاتهم الصغيرة؟ كيف يبتزون بعضهم؟ وكيف تتحول الغرفة إلى “مكان للهيمنة الرمزية”؟ الجملة التي تقول فيها سمر: “لأنك دفعت لي نصف المبلغ” ليست فقط احتجاجًا طفوليًا، بل تجسيد لاقتصاد اجتماعي صغير يتعلّم فيه الطفل مبكرًا معنى القوة والمقابل والتلاعب والابتزاز. هنا تبدو حضيّة قريبة من روح ناتالي ساروت في تحليلها لـ “الحركات النفسية الدقيقة” التي تكاد لا تُرى لكنها تحكم العلاقات الإنسانية.
أما في “عصا الخيزران”، فنحن ندخل منطقة أخرى: العقاب والخوف، والمدرسة والعائلة. عصام الطفل الذي ينتظر الإعلان عن النتائج، يُشبه -في توتره الداخلي- شخصيات دوستويفسكي حين تقف على أبواب الاعتراف والسقوط. الخوف ليس من الرسوب وحده، بل من العقاب الذي ينتظره في البيت. عصا الخيزران ليست مجرد عصا، بل هي سلطة مطلقة، تتجاوز العقاب البدني لتصبح رمزًا لهيمنة تمتد عبر الزمن: من الطفولة حتى المراهقة. إن حضيّة هنا تُظهر ببراعة كيف تتحول “الأداة” إلى “ميتافيزيقا للخوف”: حركة انتظار، نظرات عصام إلى شفاه أصدقائه، تذكّره لليالي العقاب، وتلك الهوّة التي يراها تقترب كلما نطق أحد باسمه. إن المفارقة حين يؤجل المدير الإعلان عن النتائج تعكس فلسفة القدر نفسه: الخلاص يمكن أن يأتي فجأة، كما يمكن أن يتأجل فجأة. إنّ النص يكثّف بصيغته القصيرة فكرة “المصير المؤجل”، وهو ما يذكّر بقول كيركغارد: “القلق هو دوار الحرية”، عصام هنا يقف على حافة الحرية: نجاحٌ يعني النجاة، ورسوبٌ يعني السقوط؛ وبينهما قلق لا يُحتمل.
وفي “ذو اليد المقطوعة”، نبلغ أحد أكثر نصوص المجموعة قتامة وبساطة في آن. إنّ القبو والعتمة والشمعة المكسورة، والعمة التي تُغلق الباب بإحكام، كلها عناصر تضع النص في فضاء سيميائيّ معقّد، حيث الظلمة ليست مكانًا بل رمز. نور الطفلة التي تُسجن، تُشبه -في بنية النص- ضحية سردية تنتمي إلى تقاليد “الواقعية المظلمة”، تلك المدرسة التي ترى أن الشرّ ليس حدثًا، بل بناء اجتماعي ونفسي. إنّ القصة تنحت الخوف نحتًا، وتجعله يتجسد في “اليد المقطوعة” التي تراقب الطفلة. هنا، تستثمر الكاتبة عنصر الرعب الرمزي لا بهدف التخويف، بل بهدف كشف بنية الظلم داخل العائلة. فالعمة ليست شريرة، لكنها تحمل في داخلها ذلك النوع من “العنف التربوي” الذي وصفه بيير بورديو بأنه “عنف ناعم”، يمارس باسم الحماية والنظام. نور في هذه اللحظة ليست فقط طفلة سجينة، بل هي تجسيد لصوت الطفولة المقموعة داخل الأسرة العربية بشكل عام. إن حضور “اليد المقطوعة” كائنًا وحيدًا يخرج من الحريق، هو استعادة للغة الأسطورة، تلك اللغة التي ترى في الظلام كائنات لا تُرى، لكنها تعيش على الهوامش، وتكشف ما لا يقوله الكبار.
تأتي قصة “الحلوى” لتقدّم نموذجًا آخر من الاشتباك بين الألم والبراءة. عمرو الذي تزلزله محادثة مع والده عن زوجته المطلقة وطفلته، يجد نفسه أمام طفل صغير يطلب قطعة حلوى. إن هذه اللحظة على بساطتها، تتجاوز الحدث نفسه لتدخل منطقة الأخلاق المعاصرة، تلك التي وصفها زيغمونت باومان بـ “الحداثة السائلة”، حيث الروابط هشة، والعلاقات متكسرة والمسؤولية غير واضحة. الطفل الذي يهرب والشرطي الذي يتدخل والاتهام بالسرقة. كلها مشاهد تُظهر هشاشة الإنسان حين يتورط في علاقة مع الآخر. لكن المشهد الأكثر شاعرية هو رفع عمرو بصره إلى الشمس وهو يتخيل ابنته في بلاد بعيدة، لا تعرف “تكامل الأسرة”. هنا يصبح النص تأملًا فلسفيًا في معنى الأبوة، وفي هشاشة العالم الحديث حيث يُنتزع الطفل من دفء العائلة، وتتحول الأسرة إلى سؤال معلّق.
في “ستعود يومًا”، نقترب من واحد من أنعم النصوص وأكثرها إنسانية. سارة التي تعود إلى بيت أبيها بعد سنوات من العيش مع العمة، تصبح رمزًا للطفولة التي تبحث عن أمّها. ليس في النص عنف معلن، بل “حزن صامت” يدبّ في الجسد كما يدبّ الليل على قرية نائية. هشام الأخ الذي يحاول أن يمنحها الطمأنينة، والعمة التي تعود أخيرًا، لا كأم، بل كامرأة حامل تخاف على جنينها. كلها عناصر تؤكد أن “العودة ليست دائمًا عودة”. إن لحظة سقوط سارة وبكائها وهي تقول: “لماذا قلتم ستعود يومًا؟” تذكّر القارئ بصرخة الطفل في مسرحيات بيكيت أو النبرة العالية التي يكتب بها بريخت عن الخيبة. إن النص يقارب موضوع الأمومة بمنطق الافتقاد، لا بمنطق الحضور، كأن حضيّة تقول إنّ الأمّ ليست شخصًا بل معنى، وإن ضياع المعنى أخطر من ضياع الجسد.
وتصل المجموعة إلى ذروتها في قصتها المركزية “أسطورة بلاد النور”، حيث يمتزج السرد الحكائي بالرمزية والأسطورة. العم زين، الحاكم، وردة المساكين وبلاد النور. كلها مفردات تُعيد إلى الأذهان حكمة الحكايات الشعبية، لكنها مكتوبة بلغة معاصرة تستبطن نقدًا للسلطة ولطغيان الجشع الإنساني. إنّ الحاكم الذي يعتقد أن كل شيء ملكه هو صورة لـ“الإنسان المتضخم” الذي تحدث عنه نيتشه، ذاك الذي يفقد حدوده فيتحول إلى وحش أخلاقي. أما العم زين، فهو الإنسان البسيط الذي يطارد حلمًا لا يفهمه، ويبحث عن “وردة” لا يعلم طبيعتها. الرحلة الطويلة التي تستغرق عامين، ليست رحلة جغرافية بل أنطولوجية؛ إنها هجرة في الذات. وما يجعل القصة رمزًا عميقًا هو أنها لا تُكمل الأسطورة، بل تتوقف عند لحظة الصمت: لحظة نوم الطفل وانقطاع السرد، كأن الكاتبة تقول إن الأسطورة لا تُروى كاملة، لأنها في جوهرها تظلّ مفتوحة على التأويل.
في هذا الشق من الأسطورة، نلمس أن المجموعة تتدرج من خوف الطفولة إلى قسوة العائلة إلى أسئلة السلطة والمجتمع. وتظل حضيّة عبده خافي وفيّة لأسلوبها: لغة بسيطة، لكن محمّلة بالمعنى؛ سرد قصير لكنه مكتنز؛ موقف نقدي لكنه غير مباشر. إنها تكتب من منطقة “ما بين”، من الحدّ الفاصل بين الواقعي والرمزي، بين المشهدي والتأملي، بين الحكاية والجرح.
بعد أن رسمت حضيّة عبده خافي فيما سبق من مجموعتها أسطورة بلاد النور ملامح عالم يتأرجح بين الطفولة المجروحة والمجتمع المأزوم، والأسطورة التي تشتغل كطاقة رمزية مضمرة، تأتي مجموعة القصص المتبقية لتعمّق هذا التوتر الداخليّ، ولتكشف عن جانب آخر من مشروعها السردي: جانب الاعتراف بالعطب الإنساني، وبذلك التصدّع الذي يعيشه الفرد داخل شبكة العلاقات اليومية. فالحياة عند حضيّة ليست حدثًا خارجيًا، بل بنية داخلية تتكون من صدمات صغيرة وخيبات متراكمة، وإيماءات تبدو بسيطة لكنها تحمل دلالات إنسانية كبرى. إننا الآن ننتقل إلى طبقة جديدة من النصوص، حيث يصبح الجسد والانكسار والخيارات الصعبة، أدوات لاختبار حدود الذات وقدرتها على التحمل. في قصة “القطة”، نواجه مشهدًا يكاد يكون مسرحيًا: شابان قطة عالقة فوق شجرة، صراخ وإصرار، خوف من الارتفاع، ومراوغات صغيرة تُحيل الأمر اليوميّ إلى مرآة لعمق الشخصية. هشام الذي يخاف المرتفعات، ووفاء التي تصرّ على إنقاذ القطة، يبدوان -في ظاهر الأمر- أمام خلاف بسيط، لكن النص يفتح الباب على ما وراء البسيط. فالقطة هنا ليست مجرد حيوان يحتاج المساعدة، بل رمز للضعف الذي نرفض الاعتراف بوجوده فينا. إن رفض هشام الصعود ومحاولته التذرّع، يعكس تلك الآلية النفسية التي تحدث عنها أدلر حين تحدث عن “المقاومة الشعورية” التي يمارسها الإنسان دفاعًا عن هشاشته. لكن وفاء بحسمها الظاهريّ، تكشف عن جانب آخر من العلاقات الإنسانية: هل نطالب الآخر بما يتجاوز قدرته بدعوى الحب؟ وهل الحب فعل مساعدة أم فعل قسر؟ المشهد الأخير، حين تهبط القطة بنفسها إلى حضن وفاء، يجعل من النص درسًا صغيرًا في فلسفة الإيمان بالذات: فالخلاص لا يأتي ممن ننتظرهم دائمًا، بل قد يأتي من حركة الحياة نفسها.
وفي قصة “بائع التفاح”، نجد أنفسنا أمام عمل قصصي يحمل بنية سردية أكثر تركيبًا، تقوم على التدرج والاسترجاع، وكشف الطبقات المخفية للعلاقات الإنسانية داخل القرية. علي بائع التفاح المتجوّل، يقف بين الماضي الذي فرّ منه، والحاضر الذي لم يكتمل بعد، وبين حلم ضائع وذكريات مؤلمة. هذه القصة من أكثر نصوص المجموعة اقترابًا من مفهوم “العودة” كما يفهمها غاستون باشلار: عودة ليست إلى المكان، بل إلى الذات التي تشرّدت في الزمن. إن علي حين يسمع من الصبي أن ابنة عمه يارا حاولت الانتحار، يصبح النص أكثر توترًا، إذ يتحول التفاح -هذا الثمر البسيط- إلى رمز لإعادة الاعتبار، للحياة التي تُمنح مرة أخرى لكن بثمن باهظ. إن اكتشافنا لاحقًا لشغف علي بيع التفاح، واستعادة العم سعد له بعبارته الحنونة، يعيد إلى النص تلك الحرارة الإنسانية التي تغيب في كثير من القصص الواقعية الحديثة. والعودة المتأخرة مع السيارة الجديدة، مع المكان الذي تغيّر، تُحيل القصة إلى مرثية للقرية التي لم تعد كما كانت، وللعلاقات التي تركها الزمن معلّقة. هنا تذكّرنا حضيّة بأسلوبها الهادئ، بما كتبته غادة السمان في رسائلها: “أحيانًا نعود لا لنستعيد أحبابنا، بل لندفن ما تبقى منهم فينا”.
أما “راحة اليد”، فهي نصّ يقتحم الوعي مباشرة من خلال استعارة جريئة: حوار بين الإنسان وظفره. هذه التقنية التي تبدو على السطح شاعرية، تنتمي في حقيقتها إلى تقاليد “الأليغوريا” الحديثة، حيث يتحول الجزء إلى رمز للكل، والمشهد الجسدي إلى استعارة لوجدان كامل. إن الظفر الذي يُخاطَب ويتهم ويُعاتب، ويعلن أنه “قابل للكسر”، ليس مجرد قطعة نافرة من الجسد، بل هو ما يصفه الفلاسفة بـ “الآخر السكنيّ”، الآخر الذي يسكننا نحن، ذواتنا الصغيرة التي نتخلّى عنها والتي نهملها، والتي نكسرها ثم ندعي أننا لم نقصد. الحوار بين الظفر وراحة اليد يشبه ما كان نيتشه يقصده حين كتب أن “على الإنسان أن يتعلم الإصغاء إلى صوته الداخليّ، مهما بدا سخيفًا”. إن حضيّة بهذا النص تكسر حدود الواقعية، لتبني نصًا تأمليًا يختبر معنى الاعتراف بالذات المهملة، الذات التي لم تجد من يعتني بها، الذات التي تُتلف يوميًا باسم “التجميل” و“التهذيب” و“الترتيب”. ولعل أجمل ما في النص تلك المفارقة حين يقول الظفر: “لو كنت تنبت في إصبع راحة يدِ غيري لكان الأمر أسهل”، وهي جملة تختصر الكثير من فلسفة الوجود: لو كنا في مكان آخر، في جسد آخر، في زمن آخر، ربما كنا سنكون أقل ألمًا.
وإذا عدنا إلى مجموعة القصص في كليتها، نلاحظ أن حضيّة تبني عالمًا يقوم على ثنائيتين أساسيتين:
الأولى هي ثنائية البراءة مقابل القسوة. فشخصياتها غالبًا أطفال أو مراهقون أو شباب لم تكتمل صلابتهم بعد، ما يجعلهم مرآة حسّاسة لعنف العالم.
والثانية هي ثنائية الرمزي مقابل الواقعي، حيث يُعاد تأويل الحياة اليومية عبر رموز صغيرة: بيت مهجور، مغارة، شمعة، قطة، تفاحة، ظفر. كأن الكاتبة تقول إن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما “يهتز داخله”. من الناحية الفنية، نلمس في هذه القصص نضجًا واضحًا في استخدام “التكثيف السردي”. إن حضيّة لا تكتب القصص القصيرة بمعناها التقليدي، بل تعتمد أسلوب “القصة الومضة الممتدة”، وهي تقنية تقترب من كتابات إيتالو كالفينو في المدن غير المرئية، حيث الجملة القصيرة تحتوي عالمًا كاملًا. وقد يظهر للقارئ أن اللغة بسيطة، لكنها في الحقيقة لغة مُحكمة، تعتمد الاقتصاد في التعبير بدل الإطناب، وتراهن على الإيحاء بدل الشرح.
ومن الملامح الأسلوبية التي تتكرر في المجموعة:
-1 الزمن المتصدّع: كثير من القصص تبدأ بلحظة توتر، ثم تعود إلى الماضي وتكسر التسلسل الزمني.
-2 التوتر النفسي الداخلي: الشخصيات متعبة ومرتبكة، تعيش في شرخ بين ما تريد وما تستطيع.
-3 التقابل بين الضوء والظلمة: الشمس والنور وثقب الباب والشمعة، كلها رموز تتكرر بشكل يشي بأن الكاتبة تعي أهمية الضوء كحضور وكغياب.
-4 الأسطورة كخلفية خفية: حتى في القصص الواقعية، يمكن للقارئ أن يشعر بأن هناك “ظلًا أسطوريًا” يرافق الأحداث، كما لو أن كل قصة تحاول الإفلات من الواقع نحو فضاء أكبر.
إن حضيّة تُظهر لنا أنها تكتب من منطقة حدّية: ليست واقعية تمامًا، ولا خيالية تمامًا، بل هي تلك المنطقة التي وصفها ميلان كونديرا بأنها “منطقة المرح العميق”، حيث يصبح السرد أداة لقول ما لا تستطيع الفلسفة قوله مباشرة. ففي كل نص، مهما بدا بسيطًا، هناك سؤال يتسلل: ماذا نفعل بهذه الحياة؟ كيف نحمي هشاشتنا؟ كيف نواجه سلطة الآخرين وسلطة أجسادنا علينا؟ كيف نتعامل مع الوجع حين يأتي من أقرب الناس؟
في هذه القصص، لا تُشبه الشخصيات بعضها، لكنها تتقاطع كلها في نقطة واحدة: الجرح. هذا الجرح هو مركز العالم عند حضيّة عبده خافي، وهو ما يجعل نصوصها رغم قصرها ذات أثر بعيد. وربما لهذا السبب، فإن قراءة هذه المجموعة ليست مجرد تجربة أدبية، بل تمرين على كشف العالم من جديد، على رؤية ما هو صغير باعتباره نافذة إلى ما هو كبير. حين نصل إلى نهاية الرحلة النصيّة في أسطورة بلاد النور، ندرك أن حضيّة عبده خافي لا تقدّم مجرد مجموعة قصصية، بل تقدّم مشروعًا سرديًا متكاملًا، له روح واحدة تتوزع على قصص تبدو متباعدة من حيث موضوعاتها، لكنها تنتمي إلى رؤية واحدة للعالم: رؤية ترى أن الإنسان كائن هشّ، وأن الحياة تعاش في المناطق الهامشية، في الشقوق الصغيرة، في تلك الأماكن التي لا يصلها الضوء إلا على استحياء. في هذه الأسطر الأخيرة من قراءتنا، سنتوقف عند الخيط الجمالي والفلسفي الذي يربط المجموعة كاملة، قبل أن نختم بتقييم شامل لطبيعة هذا المشروع الأدبي.
من أبرز السمات التي تبرز في النصوص الأخيرة للمجموعة هو ما يمكن أن نسميه التصعيد الرمزي للإنسان البسيط.
معظم الشخصيات أفراد عاديون: طفلان يلعبان، أختان متخاصمتان، بائع تفاح وأب يبحث عن ذاته، امرأة تبحث عن طفلتها. لكنّ حضيّة تمنح هذه العادية عمقًا وجوديًا يجعلها تبدو كأنها تمثل الإنسانية جمعاء. وهذا ما يجعل مجموعتها تنتمي، بشكل غير مباشر، إلى ما يسميه بول ريكور “التخييل الذي يعيد تأويل الواقع”. إنها لا تهرب من الواقع، بل تخلقه من جديد، وتجعله أكثر كثافة وإيحاء.
يظهر هذا جليًا في قصة “راحة اليد” مثلًا، حيث يتحول أبسط العناصر (ظفر في يد) إلى استعارة كبرى عن العلاقة بين الذات ونفسها؛ أو في “القطة” التي تصبح رمزًا للضعف المُستتر داخل العلاقات الإنسانية؛ أو في “بائع التفاح” الذي تقف قصته في تقاطع بين الماضي المفقود والحاضر المتشظي. هذه القدرة على تحويل البسيط إلى جوهري تجعل من حضيّة امتدادًا لتيار أدبي يعيد الاعتبار لـ “قصص الحياة العادية” مثلما فعل ريمون كارفر في السبعينيات، أو يوسف إدريس في القصة العربية الحديثة.
ولعل أهم ما يميز نصوص حضية خافي هو اعتمادها فلسفة الخسارة بوصفها مركزًا نفسيًا ووجوديًا. فالأمهات الغائبات والأطفال المتألمون، والفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، والفتيات اللواتي يفقدن أحلامهن الصغيرة، والرجال الذين يسحقهم الظرف الاجتماعي. كلها عناصر تصنع من المجموعة تجربة إنسانية صادقة. ومع ذلك فالقسوة ليست غاية، ولا الألم غاية. الألم هنا هو لغة، وطريقة لفهم العالم، وممرّ ضروري نحو معنى يظل دائمًا ناقصًا، لكنه حاضر بما يكفي ليجعل القارئ يعيد النظر في حياته، وفي علاقاته وفي خوفه وفي ضعفه.
تُظهر النصوص كذلك حضورًا لافتًا لفلسفة الآخر، وهي الفلسفة التي يتصدرها في الفكر المعاصر كل من ليفيناس ودريدا. في قصص حضيّة، الآخر ليس دائمًا صديقًا، ولا دائمًا خصمًا؛ إنه كيان مربك، يُعيد تشكيل هويتنا. الطفل الذي يطلب الحلوى والأخت التي تمزق قصة أختها، الجدة التي تروي الحكاية ثم تتوقف عن إكمالها، والعمة التي تغلق باب القبو على نور.
كل هؤلاء “آخرون” يعيدون صياغة تجربة الذات. لكن وعلى غير المتوقع، تُظهر حضيّة أن الآخر ليس مجرد تهديد؛ إنه أيضًا فرصة للتشكل من جديد. ففي قصة “ستعود يومًا” رغم المرارة، نجد أن هشام في النهاية هو الذي يعيد لأخته القدرة على الوقوف ولو جزئيًا. وفي “القطة” رغم الخلاف، يعود الوفاء للنفس حين تجد القطة حضنها. وفي “بائع التفاح”، يعود العم سعد ليقدم يدًا لطالما احتاجها علي.
من الزاوية الأسلوبية، تبرع حضيّة في بناء نبرة سردية هادئة ومتزنة، نبرة لا تنفعل رغم ثقل الأحداث. وهذا الأسلوب يذكرنا بتقنية “الكتابة الباردة” التي اعتمدها ألبير كامو في الغريب. الألم عندها ليس صاخبًا، بل صامت؛ والمأساة ليست إعلانًا، بل تنفّس بطيئ في العتمة. وهذا يجعل القارئ شريكًا في التجربة، لا مجرد متلقّ سلبي. إضافة إلى ذلك، نجد أن استخدام الروائية للضوء والظلمة ليس مجرد وصف، بل حركة داخلية في النص. الضوء يظهر كمهرب (ثقب الباب، الشمس، الشمعة) والظلام يظهر كقدر (المغارة، القبو، الأم الغائبة). هذه الثنائية تجعل من المجموعة ككل محاولة مستمرة لفهم العالم من خلال العين قبل العقل، ومن خلال الإحساس قبل الفكرة. كأن حضيّة تقول إن الإنسان يرى قبل أن يعرف؛ يتحسس قبل أن يفكر؛ يخاف قبل أن يقرأ.
ولعل أجمل ما في أسطورة بلاد النور هو ذلك التداخل بين الواقعي والخيالي، بين اليومي والأسطوري. ففي حين تتناول القصص الأولى تفاصيل الحياة اليومية، تأتي القصة المركزية “أسطورة بلاد النور” لتؤكد أن كل وجع صغير يحمل في داخله “أسطورة” ما، وأن كل إنسان مهما بدا بسيطًا، يحمل في داخله رحلة بحث تشبه رحلة العم زين. هذا التداخل يجسّد بكثافة ما قاله مرسيا إلياد: “الأسطورة ليست قصة قديمة، بل هي لغة الحقيقة الأولى” فالكاتبة لا تكتب أسطورة من أجل المتعة السردية، بل لأنها ترى أن الأسطورة هي أصدق شكل لقول ما لا يمكن قوله مباشرة: القهر والظلم والسلطة والطمع والفقر والنبل والإخلاص. في الأسطورة، يصبح العم زين رمزًا للفرد الذي يُفرض عليه أن يسعى دون أن يعرف لماذا، والذي يُطلب منه أن يعثر على ما لا يُعثر عليه، والذي يُحاسب لا على أفعاله، بل على ما لم يستطع احتماله. بذلك تتحول الحكاية إلى استعارة لوضع الإنسان المعاصر الذي يُطلب منه دائمًا أن يكون أكثر مما يستطيع.
إن أسطورة بلاد النور ليست مجرد مجموعة قصصية، بل هي مرآة للشرخ الإنساني، للضعف الجميل الذي يصنع الإنسان كما يصنع الفن. حضيّة عبده خافي لا تكتب قصصًا لتمرّ، بل تكتب لتبقى؛ تكتب ليس لأنها تعرف، بل لأنها تبحث؛ تكتب ليس لتفسر العالم، بل لتفتح شقوقًا جديدة نرى من خلالها ما لا نراه عادة. مشروعها السرديّ هو مشروع “إنساني بامتياز”، يستند إلى فلسفة ترى في الطفل إنسانًا مكتملاً، وفي المرأة ذاتًا تبحث عن معنى، وفي الرجل كائنًا متعبًا، وفي العائلة حاضنة تُداوي وتجرح في آن، وفي المجتمع كيانًا هشًا قابلًا للانكسار. إنّها كتابة منسوجة بخيوط دقيقة من الألم والحنين، ومن الخوف والحب، ومن الضوء والظلمة. تضع القارئ في مواجهة ذاته، وتجعل من القصص مرآة للوعي؛ لا وعيٍ مكتمل، بل وعيٍ قلق محتار، ينظر إلى العالم كما لو أنّه يراه للمرة الأولى. وهذا ما يجعل المجموعة نصًا بصريًا بامتياز، نص يقوم على الحركة، على الصورة، على الارتجاف الداخلي، وعلى تلك “اللغة الهادئة” التي تخفي تحتها عاصفة من الأسئلة.
لقد استطاعت حضيّة عبده خافي أن تضع قدميها بثبات في فضاء السرد العربي، لا بصوت مرتفع، بل بصوت عميق؛ لا بكلمات كثيرة، بل بكلمات مُصطفاة؛ لا بأحداث ضخمة، بل بلحظات صغيرة تكشف الوجه الحقيقي للحياة. والقدرة على التقاط هذه اللحظات هي ما يجعلها كاتبة تمتلك حسًا فلسفيًا أصيلًا، وتملك قبل ذلك حسًا إنسانيًا نادرًا.
بهذا نكون قد أكملنا قراءتنا المتواضعة مع أسطورة بلاد النور؛ رحلة بدأت بحكاية طفلة تبحث عن عنقود عنب، وانتهت بإنسان يبحث عن نور. وبين البداية والنهاية، انكشفت لنا أسرار كثيرة: أسرار الطفولة وأسرار القلوب، وأسرار العائلة وأسرار العالم الذي نحيا فيه دون أن نفهمه. وهذه هي مهمة الأدب الكبرى: أن يجعلنا نرى ونشعر ونفكر، وأن يترك فينا أثرًا لا يُمحى.
*كاتب من المغرب
التعليقات