مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد بن ربيع* ألسنة اللهب، وهذه الحرارة التي تتسعر من حولي بلا هوادة، وصوت سيّار …

مخابئ السعير

منذ 5 سنوات

630

0

محمد بن ربيع*

ألسنة اللهب، وهذه الحرارة التي تتسعر من حولي بلا هوادة، وصوت سيّارة المطافئ، كل ذلك قد أكد لي أن الغرفة تحترق، هذا إن لم تكن الدارة بقضها وقضيضها تحترق بالفعل. نعم هناك حريق، وكبير جدًا لكني ما عدت أرى جيدًا ولا أقدر على التمييز إن كان في غرفتي فقط أم في سائر الدار. الرائحة أيضًا تملأ أنفي، هناك لحم يحترق، وهناك أبخرة تتصاعد ودخان أشد كثافة من دخان البلدية عندما تنفث به سيارتهم في أزقة الحي. دخان كثيف لكني بمأمن من الاختناق حيث انبوبة الأكسجين متصلة بقصبتي الهوائية وها أنا أتحسسه فتصعد راحتي وتنزل تبعا لسطحه المحلزن.

لو كانت الممرضة قريبة مني لطلبتها استعجال رجال المطافئ، ليصلوا قبل أن أموت فهناك مخابئ تختبئ فيها النار دون أن يدري بها أحد، هناك بقع مستعرة قد لا يراها غيري، ولربما غابت عن أعين رجال المطافئ فتعود للاشتعال ثانية بعد خروجهم. الأمر مهم جدًا وعلى عاتقي تقع هذه الرسالة وإن لم تصل فإن جهد المطافئ سيبوء بالخسران المبين، سيقول قائلهم قد أخمدنا النار ثم لا يلبث إلا قليلًا فتعود النار من جديد. النار مخاتلة وتجيد لعبة الاختباء وتلك المخابئ تحتاج إلى سبّابة تشير إليها.

صرخت بأعلى صوتي أنادي على الممرضة، لكن الأنبوب المحلزن قد اعترض طريقي، فكرت قليلًا فتذكرت الجرس. الجرس قريب مني، خلف رأسي إلى اليسار فهل أراه رغم كثافة الدخان؟ وجدته وضغطت عليه بقوه حتى سمعت صوته يختلط بصوت سيارة المطافئ. انفتح باب الغرفة بقوة وكأن عاصفة قد دخلت، ظننتها الممرضة غاضبة من صوت الجرس المنكر لكنه كان رجل المطافئ بقامته العالية وبنيته المرصوصة، يحمل في يده طوفانًا صبه فوقي صبّا، أغرق المكان وظل يغرقه حتى لاذت النار بالفرار.

طاف بالغرفة وتوقف عندي بعض الوقت، تمنيت لو وشيت عنده بالنار، لو أشرت إلى جحورها جحرًا جحرا، ليقضي على كل أثر لها لكني لم أفعل.  لا أقدر على الكلام أصلًا وهو أيضًا كان مشغولاً يلعب بالماء، كان يتسلى بسكب المزيد من الماء دونما هدف.

نفد الماء فاطمأن رجل المطافئ وكاد أن يغادر، كاد وهو لا يعرف شيئا عن مكر النار، ولا يعرف أنني الوحيد هنا الذي أعرف أين هي مخابئ النار، وحتى لو علم؛ ماذا في يده أن يفعل وقد نفد الماء؟ سيخرج آمنا مطمئنًا وسوف يكتب تقريره آمنًا مطمئنا.

كلهم هكذا دائماً، تحكمهم كمية الماء التي معهم وعندما ينفد الماء يغادرون. لكن المكان بعدهم أقل حرارة والرؤية أفضل وضوحًا، أما المخابئ فقد بدأت الآن تعاود الاشتعال لسوء الحظ. علي أن أمسك به قبل أن يتركني. مخبأ النار في قاع الحنجرة، في القاع إلى اليمين تمامًا. حلقي يتسعّر ولا بد من بقائه قريبا مني.

حاولت الإمساك بطرف بدلته لكني يدي الواهنة لم تغادر مكانها، صرخت فيه بملء فمي لكن صراخي كان  بلا صوت، والإطفائي قد خرج في هذه اللحظة وأغلق الباب من ورائه.

*قاص من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود