مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 عبدالعزيز بن بعجان* أنشد أحد الإخوة وأنا حاضرٌ أبياتًا كان قد نسبها إلى الشاعر …

أبيات لغير المهلهل

منذ 6 أيام

72

1

 عبدالعزيز بن بعجان*

أنشد أحد الإخوة وأنا حاضرٌ أبياتًا كان قد نسبها إلى الشاعر الجاهلي عَدِيّ بن ربيعة المعروف بالمهلهل. فلمّا بحثتُ عن هذه الأبيات وجدتُ كثيرًا ممن ينسبونها إليه، وكانت الأبيات:

الزيرُ أنشدَ شعرًا من ضمائرِه … العِزُّ بالسيفِ، ليس العِزُّ بالمالِ

شيبون أرسلَ يومَ الحربِ يطلبُني … يريدُ حربي وقتلي دونَ أبطالِ

نصحتُه عن قتالِي لم يُطاوعْني … بارزتُه فهوى للأرضِ بالحالِ

المالُ يبني بيوتًا لا عمادَ لها … والفقرُ يهدِمُ بيتًا سقفُهُ عالِ

دع المقاديرَ تجري في أعنّتِها … ولا تبيتنَّ إلا خاليَ البالِ

وكنْ مع الناسِ كالميزانِ معتدلًا … ولا تقولنَّ: ذا عمّي وذا خالي

العمُّ مَن أنتَ مغمورٌ بنعمتِه … والخالُ مَن كنتَ من أضرارِه خالِ

ولا عجب في أن يُنحل شعرٌ على صاحبنا؛ فمآثره وأخباره قد سحرت الناس حتى صارت من القصص التي تستملحها العامّة في المجالس. ومن فرط شهرته كثرت ألقابه، وكثرت معه الروايات، حتى كاد بعضهم أن يجعله أسطورة. وقد تضيع حقيقة قصة حربه وبعض تفاصيلها بسبب كثرة الروايات التي صاغها الرواة والقصاصون، غير أنّ الشعر أصعب، فانتحال أبيات متأخرة على ديوان جاهليّ أمر عسير لا يُقبل إلا ببينة.

وأول ما يُستند إليه في الإنكار: غياب هذه الأبيات عن الديوان المثبت؛ وكثرة تداولها لا تعني ثبوتها. وقد يقول معارض: لعلها سقطت، أو لم تثبت، أو ضاعت كما ضاع كثيرٌ من شعر العرب. لذلك وجب النظر إلى تركيب الأبيات في لغتها وألفاظها وبيئتها وغرضها، ثم بمقارنتها بما ثبت في شعر المهلهل وبسياق عصره: أيتّسق هذا النفَس مع شاعر ثائر مفجوع بفقد أخيه، يجعل الثأر مدار قوله، والحرب معجمه، والوعيد نبرته؟

ثم إن في الأبيات نزوعًا وعظيًّا صريحًا مثل الذي كثُر في العصور المتأخرة: (المال، الفقر، الإنصاف، راحة البال)، وهو غرض بعيد كل البعد عن الصوت الذي تلقيه قصائد المهلهل في مراثيه ووعيده. بل يظهر في الأبيات اضطراب في المنطق؛ فتارة ينفي العزّ عن المال في صدر القصيدة، وتارة يجعله أساسًا وباعثًا للبناء.. وليس القصد هنا إثبات تناقض فلسفي بقدر ما هو تنبيه إلى اختلاف الغرض والأسلوب.

وإذا رجعنا إلى ديوان المهلهل، وجدنا معجمًا يغلب عليه ذكر السلاح والثأر والدم: (الرماح، الصفائح، القنا، الصيلم) كقوله:

دَلَفتُ إِلَيهِم بِالصَفائِحِ وَالقَنا .. عَلى كُلِّ لَيثٍ مِن بَني غَطفانِ

 فإن جاءت قصيدة تجعل مدارها المال والفقر والاعتدال وراحة البال، تعلم أنها خرجت من مقامٍ آخر وصوت غير الصوت الذي نعرف.

هنا بعض من صوت المهلهل المثبت في ديوانه:

إِنَّ في الصَدرِ مِن كُلَيبِ شُجوناً.. هاجِساتٍ نَكَأنَ مِنهُ الجِراحا

أَنكَرَتني حَليلَتي إِذ رَأَتني .. كاسِفَ اللَونِ لا أُطيقُ المُزاحا

وَلَقَد كُنتُ إِذ أُرَجِّلُ رَأسي .. ما أُبالي الإِفسادَ وَالإِصلاحا

بِئسَ مَن عاشَ في الحَياةِ شَقِيّاً .. كاسِفَ اللَونِ هائِماً مُلتاحا

فكيف  يكون كاسف اللون “خاليَ البالِ”.. وكيف الذي لا يُبالي الإفساد والإصلاح يوصي الناس بأن يكونوا “كالميزان معتدلاً”؟

ولم يمرّ بي فيما وقفت عليه من أشعاره كلمة المال أو الفقر، وعندما ذكر العمّ والخال.. لم يأت في مقام وعظ كما ذكروا، بل قال:

قد شفيتُ الغليل من آل بكر .. آل شيبان بين عمّ وخالِ

وقال:

قرّبا مربط المشهّر منّي .. لكليب فداه عمّي وخالي

ومن جميل شعره:

أَلَيلَتَنا بِذي حُسُمٍ أَنيري.. إِذا أَنتِ اِنقَضَيتِ فَلا تَحوري

 فَإِن يَكُ بِالذَنائِبِ طالَ لَيلي .. فَقَد أَبكي مِنَ اللَيلِ القَصيرِ

وَأَنقَذَني بَياضُ الصُبحِ مِنها .. لَقَد أُنقِذتُ مِن شَرٍّ كَبيرِ

كَأَنَّ كَواكِبَ الجَوزاءِ عُودٌ .. مُعَطَّفَةٌ عَلى رَبعٍ كَسيرِ

كَأَنَّ الفَرقَدَينِ يَدا بَغيضٍ .. أَلَحَّ عَلى إِفاضَتِهِ قَميري

أَرِقتُ وَصاحِبي بِجَنوبِ شِعبٍ .. لِبَرقٍ في تِهامَةَ مُستَطيرِ

فأين هذا مما نسبوه إليه؟

لقد تحوّل المهلهل في أذهان الناس والخيال الشعبي إلى شخصية فولكلورية تُلبس لها الأساطير وتُنحل عليها الأشعار، غير أن ديوان الشعر يثبت غير ذلك، فالديوان ليس وعاءً حتى يُصب فيه كل ما تداولته ألسنة المجالس.

*كاتب سعودي

الكلمات المفتاحية

التعليقات

  1. يقول ali al-ali:

    كلما قرأنا استنرنا وتنورنا،
    وبالعلم ازدهرنا، وبالتاريخ فهمنا، وبمجلّتكم تبصّرنا،
    ومن تجاربهم اتعظنا،
    ولما تخطّون اشتقنا،
    كعادتكم الكريمة ترووننا من معين التاريخ
    قصصًا لا تُنسينا أخبارَ قومٍ مضى زمانُهم،
    علَوْا حين وعَوْا، وخبَوْا حين غفَلوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود