109
0
56
0
72
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12671
0
12199
1
12089
0
11319
5
9057
0

عبدالعزيز قاسم *
ثمَّة فلسفة عميقة في “حقيبة السَّفر”؛ فهي ليست مجرَّد وعاء للثِّياب، بل هي اختبار لحكمة الإنسان في تمييز ما يحتاج، وما يتوهَّم أنَّه يحتاج.
أعترف لكم أنَّ أصعب لحظاتي هي تلك الَّتي أهيِّئ فيها حقيبتي وأنا متَّجهٌ للمطار؛ فقد أقضي ثلاث ساعاتٍ في ترتيبها بدقَّةٍ كي لا أفقد شيئًا ثمينًا في زحام اللَّحظات الآخرة.
ومع ذلك أسقط دومًا في فخِّ الخيبة حين أكتشف أنَّني حملت ما لا ينفع، وتركت ما ينفع.
في سفرة أخيرة لي إلى روسيا؛ أمطرني الأصدقاء بكرمهم، حتَّى ضاقت حقيبتي بما فيها، بين أخشابٍ روسيَّةٍ، وأطعمةٍ لا تحتمل مشقَّة الطَّريق.
وأمطرني مضيفي الصَّديق شاميل بمجموعةٍ من الهدايا، وكعادة هؤلاء القوم لا بدَّ من الطَّعام؛ فأرفق لي نقانقَ، ولحومَ عجلٍ، وأشياءَ عجيبةً.
أعرف أنَّها ستفسد إن أخذتها معي؛ فهي تحتاج تبريدًا، فاعتذرت له، لكنَّه أصرَّ، فأمسكت عن الاعتراض.
ووقت تجهيز شنطتي مرَّرتها “بدبلوماسيَّةٍ” لصديقٍ آخر ليوزِّعها على الفقراء؛ ليستفيدوا هم، وأستفيد أنا بالأجر.
فالحقيبة لها حدودٌ، لكنَّ الأجر لا حدود له.
ومن طقوسي الَّتي لا أتنازل عنها، الحضور للمطار قبل الرِّحلة بثلاث ساعاتٍ تمامًا؛ هروبًا من التَّوتُّر، وبحثًا عن التَّأمُّل.
المطار عندي ليس صالة انتظارٍ، بل صالة ترتيبٍ داخليٍّ: أراقب الوجوه وهي تتبدَّل بين لهفةٍ وقلقٍ، وأحنُّ على نفسي كما يحنُّ كاتبٌ على مسوَّدته قبل النَّشر.
كلُّ شيءٍ هنا يذكِّرك أنَّ الحياة حقيبةٌ أيضًا: نغلقها على عجلٍ، ثمَّ نكتشف أنَّنا نسينا أهمَّ ما فيها.
تجدونني أقف للمرة الأخيرة كي ألقي نظرة وداع للمدينة التي زرتها، وها أنا أقف في مطار “قازان”، أرقب الصَّديق “شاميل” وهو يوقف سيَّارته، وأتأمَّل هذا البياض لآخر مرَّةٍ، مسجِّلًا لأصدقائي رسالة وداعٍ تمزج بين شجن الغربة وحنين العودة، بينما أضحك من حال شنطتي الَّتي صارت تمنع منِّي التَّنفُّس.
وأنا، على علَّاتي، لا أريد مقعدًا بقدر ما أريد نافذةً.
أشتري النَّافذة بأيِّ ثمنٍ، حتَّى لو كلَّفني الأمر التَّنازل عن مقعدٍ متقدِّمٍ لصالح آخر متأخِّرٍ، كما فعلت في رحلة العودة من الشَّارقة.
فالنَّافذة محرابي الَّذي أصلِّي فيه على طريقتي: لا سجود فيه إلَّا للدَّهشة، ولا تكبير إلَّا حين يفتح الله عليك بلقطةٍ تخطف القلب.
هناك، على طرف الزُّجاج، يعود الكاتب طفلًا؛ ينسى حساب الوقت، ويتذكَّر حساب المعنى.
تجدونني في تأمُّلي العميق وأنا أدخل مملكة الغيم.
سحابٌ أبيض ممتدٌّ كبحرٍ من قطنٍ، يتكسَّر في تموُّجاتٍ ناعمةٍ، وتطلُّ الشَّمس من فوقه كأنَّها عينٌ ساهرةٌ لا تنام.
الضَّوء هنا ليس ضوءًا عاديًّا؛ هو ضوءٌ يفضحك بلطفٍ، يقول لك: كلُّ هذا الضَّجيج الَّذي تحمله.. صغيرٌ والسَّماء لا تتَّسع للغبار الَّذي في صدرك.
أحيانًا أشعر أنَّ الغيم ليس غيمًا، بل صفحاتٌ بيضاءُ، وأنا مطالبٌ أن أكتب عليها شيئًا يليق بهذا العلوِّ.
الجناح الَّذي أمامي لا يبدو جناحًا فقط؛ يبدو قلمًا طويلًا يرسم خطًّا بين عالمين: على طرفه اسم الشَّركة، وعلى طرفه الآخر صمتي. كلَّما مال الجناح قليلًا، مال معه خيالي، وكلَّما استقام، استقام داخلي شيءٌ كنت أظنُّه مكسورًا.
هنا أفهم معنى أن تكون النَّافذة ملهمةً؛ هي لا تعطيك مشهدًا فحسب، بل تعطيك زاوية نظرٍ جديدةً للحياة. وفي لقطةٍ أخرى، ينشقُّ الغيم، فتظهر الأرض بلونها الصَّحراوي تستعيد نبرتها، كأنَّها تقول للثَّلج: انتهت فترتك.
عند هذه اللَّحظة بالذَّات، أدرك أنَّ الرِّحلة ليست انتقالًا في الجغرافيا فقط، بل انتقالًا في المزاج؛ من بياضٍ يهدِّئك، إلى لونٍ يوقظك.
رحلتي التي أحدثكم منها، كانت الآن من الشَّارقة إلى جدَّة، وبدورها كانت ملحمةً من التَّأمُّل العميق للأفق.
كلُّ صورةٍ هنا صنعتها عيني لكم: شمسٌ فوق الغيم، وجناحٌ يكتب، وأرضٌ تقترب، وسماءٌ تفتح بابها على اتِّساعه.
لعلَّها تلامس أرواحكم.. ولعلَّها تذكِّر كلَّ كاتبٍ مثلي أنَّ الإلهام لا يسكن المكاتب وحدها؛ أحيانًا يسكن مقعدًا متأخِّرًا.. بشرط أن تملك نافذةً.
*إعلامي وكاتب صحفي سعودي
التعليقات