الأكثر مشاهدة

إعداد / ناجية الصغير  في ظل التراكم الهائل للنصوص، لم يعد الكاتب يبدع من فراغ، ب …

مفاهيم الأصالة بين التناص والاستنساخ

منذ 4 دقائق

2

0

إعداد / ناجية الصغير 

في ظل التراكم الهائل للنصوص، لم يعد الكاتب يبدع من فراغ، بل يتحرك داخل شبكة كثيفة من المرجعيات والأساليب والصور المتوارثة، هنا يبرز التناص بوصفه أداة جمالية ومعرفية تُثري النص وتمنحه عمقًا دلالياً، غير أن هذا الحضور المتزايد للتناص يفتح باباً إشكالياً: متى يكون استدعاء النصوص السابقة فعلًا إبداعياً مشروعاً، ومتى ينزلق إلى استنساخ مُقنّع يُفقد العمل فرادته؟ وبين هذين الحدّين، تتداخل مفاهيم الأصالة، والتأثر، والسرقة الأدبية، في مشهد نقدي يحتاج إلى إعادة ضبط معاييره

فرقد طرحت إشكالية هذا التداخل على نخبة من أهل الاختصاص من خلال المحاور التالية:

1. ما الحدّ الفاصل بين التناص بوصفه تقنية إبداعية، والاستنساخ بوصفه عجزًا عن الابتكار؟

2. هل تغيّرت معايير الحكم على الأصالة في ظل وفرة النصوص وسهولة الوصول إليها؟

3. إلى أي مدى يتحمّل القارئ والناقد مسؤولية كشف التداخل المشروع من غير المشروع؟

الاستنساخ ظاهرة سلبية لا ثمار لها 

يستفتح حوارنا الأديب والشاعر الليبي جمعة عون الله المصابحي بقوله:

برأيي تعتبر هذه القضية من القضايا المهمة في النقد الأدبي المعاصر، رغم تعدد المفاهيم واختلافها تم الاتفاق على مفهوم التناص بأنه التعالق والتداخل بين النصوص، حيث إنه لم يكن وليد ساعة الأدب الحديث.

برأيي المتواضع جداً أن الأدب في عصرنا هذا لم يأخذ حقه، لذا أتمنى من المهتمين بالنقد الأدبي نظراً لفقرنا الحاد لقضايا الأدب الموضوعية طرح مثل هذه القضايا.

هناك فرق بين التناص والاستنساخ، فالأول برأيي المتواضع ليس مذمومًا أو بتعبير أكثر إنصافاً أن التناص لا بد من وقوع الأديب فيه، قد يتضمن التلميح أو الإيماء بذات الموضوع، والتناص باتفاق أهل الاختصاص لا يعد من السرقات الأدبية، لأنه من غير المعقول والمقبول أن يتفرد الأديب في نصه شعراً أو نثراً أو حتى مقالاً أدبياً.

أما الاستنساخ فهو سطو فكري بالمعنى الشمولي، والاستنساخ له عدة أشكال وصور، فهناك مثلاً الاستنساخ المباشر بأن ينقل النص حرفياً وينسبه إلى ذاته، أما الصورة الثانية من الاستنساخ فهي الاستبدال، بحيث يقوم المستنسخ بتغيير بعض الكلمات بمرادفاتها مع إبقاء البنية الأسلوبية والفكرية لذات النص الأصلي.

هناك فرق شاسع بين التناص والاستنساخ، فالأول اعتبره جمهور النقد بأنه ظاهرة إيجابية ويثمر بفائدة أدبية تعود على القارئ بمنفعة، أما الاستنساخ فقد اعتبر برأي جمهور النقد بأنه ظاهرة سلبية لا ثمار لها بقدر ما هي مفسدة لذات البنية أو المعنى، أيضًا لا ننسى بأن التناص ينم عن ثقافة المبدع وقدرته على إعادة صياغة الأفكار بنص هادف، أما الاستنساخ يعد انعداماً للإبداع والابتكار.

ويعد التناص محاولة لإنتاج معنى جديد مع توافق بعض الكلمات والمفردات والفكرة أساساً، بينما الاستنساخ عبارة عن سرقة جهد شخص آخر دون فائدة تذكر ودون أي إضافة فكرية أو إبداعية لذات المضمون.

وهناك فجوة معرفية تتداخل بين الأصالة المتمثلة في الالتزام الحرفي بالأعراف والماضي الأصيل، وبين السعي إلى الحث على تطوير الأصالة، أو ما يعرف عند الجميع بالانفتاح.

فللأسف أقولها بواقعية وموضوعية إننا نشاهد أثر تغير معايير الحكم على الأصالة بكل وضوح لا نحتاج إلى رصد هذا التغير، فقد وقعت الأصالة في فخاخ التطور والابتكار والفلسفة الحديثة، وذلك بالمزج والتمسك بالثوابت الأخلاقية (الأصالة) وبين الانفتاح والتطور، حيث نعلم أن الشعر أُدخل له ما يعرف بالنثر والومضة والهايكو والشعر الحر والشعر المرسل والغنائي والملحمي و… إلخ، وسابقاً لم يكن إلا شعراً واحداً وهو الشعر العمودي لتقليدي).

يمكن أن نعتبر الكاتب منتجاً والقارئ مستهلكاً، أما الناقد فهو من يضع تقييماً وحدوداً لهذه المنتجات المرغوب تسويقها للقارئ.

برأيي القارئ باعتباره أكبر فئة من الناقد، فهو أكثر وقوعاً في شرك الاستنساخ وفي مشروعيته من عدمها والتناص المشروع، أما الناقد باعتباره جهة رقابية يتوجب عليه العمل على توعية المجتمع وفق برامج مجانية ووفق ندوات ومحاضرات توعوية متكررة بهذا الخصوص.

الأصالة قول المألوف بعد إعادة تشكيله 

وتشير الأديبة فريدة الجوهري من لبنان رئيسة منبر أدباء الشام، إلى أن التناص ليس مجرد استعارة أو اقتباس، بل هو إعادة إنتاج المعنى داخل سياق جديد؛ الكاتب هنا يستحضر نصاً سابقاً (فكرة، عبارة، أسلوب) لكنه يحوّله يغير دلالته أو يضعه في سياقٍ مغاير، فينتجُ عن ذلك معنى جديداً لم يكن موجوداً في الأصل، المعنى أن التناص حوار بين نصّين يولّدُ نصّاً مختلفاً، فمثلاً يأخذ الكاتب صورة الطوفان من الموروث الديني لكنه يوظفها لوصف فساد المجتمع المعاصر، هو لا يكرر القصة بل يعيد شحنها بدلالات ومعايير جديدة فيرسم صورة مغايرة كلياًِ. والاستنساخ هو إعادة النص دون إضافة نوعية أي نقل مباشر للأفكار والأسلوب، غياب التحويل والرؤية الخاصة، فيصبح النص الجديد ظلاً للنص الأصلي لا كياناً مستقلاً، والمعنى أن الاستنساخ مجرد صدى فارغ من الصوت أو البصمة.

التناص يحوّل المادة الأصلية ويستفيد منها لخلقٍ جديد لأنه فعل وعي وحوار مع النص أما الاستنساخ لا يضيف شيئاً جوهرياً، وهو تبعيّة أوعجز عن الخلق والابتكار.

وقد شهدت معايير الحكم على الأصالة تحوّلاً واضحاً في ظل وفرة النصوص وسهولة الوصول إليها، فبعد أن كانت تقاس بالجِدّة  مع المألوف والقطعية عن السابق أصبحت اليوم ترتبط بقدرة الكاتب على إعادة تشكيل وصياغة المألوف وإنتاج دلالات جديدة من؛ في هذا الإطار يبدو التناص عنصراًِ مشروعاً بل ابداعياً ما دام يتم بوعي ويؤدي وظيفة داخل النص، لذلك لم يعد المعيار هو غياب التأثر بل حضور البصمة الخاصة التي تظهر في أسلوب الكاتب ورؤيته، ومع ذلك فإن سهولة الوصول إلى النصوص جعلت الاستنساخ أكثر يسراً مما جعل النقل غير الواعي دليلاً على ضعف الإبداع، فالأصالة اليوم ليست في قول ما لم يُقل، بل في قول المألوف بطريقة تجعله جديداً. ويتحمّل القارئ والناقد مسؤلية أساسية في كشف التداخل تتوزع بين حدود الوعي والمعرفة والمنهج، فالقارئ الواعي والمُلِم يفترض أن يمتلك حساً نقدياً يمكّنه من ملاحظة التناص بوصفه حواراً مع نصوص سابقة لا مجرد تكرار لها؛ أما الناقد فمسؤوليته أعمق إذ يُنتظر منه أن يستند إلى أدوات تحليلية ومعرفية تكشف طبيعة العلاقة بين النصوص، هل هي استنساخ جامد أم إعادة تشكيل خلّاقة تضيف معنى جديداً، ومع ذلك لا يمكن تحميل القارئ او الناقد كامل العبء؛ لأنّ بعض أشكال التداخل تكون خفية أو ثقافية عميقة يصعب تتبعها، فالقارئ يسهم في الوعي الأوّلي والناقد يقدم الحكم التحليلي.

القارئ والناقد هما خط الدفاع ضد السرقات

ويشاركنا الرأي القاص والروائي، والصحفي بخيت طالع الزهراني، بقوله: بتعبير بسيط، التناص هو تقنية إبداعية كأن تعجبك جملة أو نحوها من مصدر آخرنص قديمفتقتبسه أو تلمح له أو تحاكيه، ثم تفيد منه أنت ككاتب فتغيّرهوهذا شرط مهموتضيف له لمسة من عندك خاصة بك، تقدّمه للقارئ نصاً جديداً (تحاور) به القديم وتثريه (توسّع فكرته، تتفق أو تعارضه).

لكن الاستنساخ، إما “نسخ ولصق” حرفي، أو شبه حرفي، بدون أي جهد منك في إضافة أو تغيير يذكر في بنيته، ما يدلّل على عدم قدرتك على الابتكار والإثراء.

مثال توضيحي من الأدب السعودي:

في رواية طوق الحمام لرجاء عالم، نقرأ الفرق الجوهري بين “التناص” الإبداعي و”الاستنساخ” السطحي، رجاء أخذت فكرة عالمية (المدينة الكائن) وطعّمتها بخصوصية مكانية (روحانية مكة، تاريخها، وتركيبتها الاجتماعية)، ولو قلّدت رجاء أسلوب الكاتب التركي أورهان باموق في إسطنبول: المدينة والذاكرة، دون إدخال روح مكة، لكان استنساخًا، لكنها “تناصّت” مع الفكرة، وأعادت إنتاجها بهوية سعودية/مكية خالصة.

الأصالة في الأدب ركيزة الإبداع التي تميّز الكاتب، وترفع من قيمة عمله، وتمنحه قدرة البقاء في الذاكرة.

وهي ليست مجرد ابتكار فكرة جديدة، بل تعبير صادق عن الذات، يُقدَّم برؤية خاصة لا تقوم على التقليد، غير أن مفهوم الأصالة اليوم لم يعد كما كان؛ فبعد أن كانت تعني “الجِدّة المطلقة” أصبحت تقوم على حسن التعاطي مع القديم، من حيث إعادة تقديمه برؤية مختلفة، أو ربطه بسياق معاصر يمنحه حياة جديدة، من هنا برز الفرق بين سؤالين:

“من أين أخذت؟” وهو سؤال قاصر.

و”ماذا أضفت أنت؟” وهو المعيار الحقيقي للأصالة.

مثال من الأدب السعودي:

في رواية ترمي بشرر لعبده خال، تظهر فكرة قديمة هي الصراع بين السلطة والإنسان، لكن الكاتب أعاد تقديمها برؤية محلية عميقة وشخصيات مركبة وسياق اجتماعي خاص، فصارت تجربة جديدة وليس تكرارًا للفكرة.

وهنا يتضح أن الأصالة لا تكون في الفكرة نفسها، بل فيما يضيفه الكاتب من رؤية ومعالجة مختلفة.

يتحمّل القارئ والناقد مسؤولية مهمة في كشف التداخل بين التناص المشروع والاستنساخ غير المشروع، حيث يعتمد القارئ على الانطباع والمقارنة العامة لاكتشاف التشابه، بينما يتعمّق الناقد في التحليل لفحص السياق والأسلوب ومدى الإضافة أو غيابها.

ويتحمّل القارئ والناقد مسؤولية “مراقبة” النص، حيث يساهمان في صياغة قيم الإبداع، ويعملان كخط دفاع أول ضد السرقات الأدبية، ومع ذلك تبقى مهمتهما الأساسية الفهم والتمييز أكثر من إصدار الحكم النهائي.

لأن الحكم النهائي في هذه المسألة ليس بسيطاً ولا ثابتًا، بل يعتمد على التأويل والسياق والمعرفة الأدبية.

المسألة ليست قضية قانونية بحكم قاطع، بل قضية جمالية وتأويلية تتغير بحسب القراءة والمعرفة والسياق.

مثال توضيحي من الأدب السعودي:

في رواية غراميات شارع الأعشى لبدرية البشر، تظهر ثيمة قديمة في الأدب هي صراع الحب مع القيود الاجتماعية والتغيرات، وهي فكرة مألوفة للقارئ عند المقارنة مع نصوص أخرى بينما يتعمّق الناقد في تحليل طريقة تقديمها داخل بيئة سعودية قديمة، وبناء الشخصيات، وكيف تحوّلت الفكرة إلى تجربة سردية محلية خاصة.

وهكذا يميّز القارئ والناقد بين مجرد تشابه في الفكرة وبين معالجة جديدة لها، أي بين التناص الذي يثري المعنى والاستنساخ الذي يكرر دون إضافة.

وتبقى مهمتهما الأساسية هي الفهم والتمييز لا إصدار حكم نهائي مباشر، لأن النصوص الأدبية تظل قابلة للتأويل بحسب القراءة والسياق.

الأصالة هي المهارة في التوليد لا العزلة

وتؤكد د. سما  سامي بغدادي من العراق أديبة وناقدة وعضوة في الاتحاد الدولي للكتاب العرب، على أن مفهوم الأصالة  هو التوليد وليس العزلة بقولها:   

التناص، في جوهره الإبداعي، هو فعل امتصاصٍ واعٍ للنصوص السابقة، يتحوّل فيه الأثر إلى طاقة خلاقة تُعاد صياغتها ضمن رؤية جديدة تزهر بالمعنى، إنّه ليس استدعاءً حرفيّاً مبتورًا بل  هو انتقائية  معززة بوعي عالٍ للمفردة، وانصهار دلاليّ يعيد إنتاج المعنى في سياق مغاير، بحيث يصبح النص الجديد امتداداً متحوّلاً لا نسخةً مكرّرة، فالمبدع الحقيقي لا ينقل، بل يُحوِّل؛ لا يستعير، بل يُعيد خلق المستعار في ضوء تجربته الخاصة.

في المقابل، يظهر الاستنساخ بوصفه عجزاً عن تجاوز السطح اللغوي للنصوص، حيث يكتفي الكاتب بإعادة إنتاج البنية أو الفكرة دون إضافة نوعية، هنا يفقد النص روحه، ويبدو مفككاً ويتحوّل إلى صدى باهت لا يحمل ملامح ذاتية وروحية ولا أسلوبية ولا إبداعية، الفارق الجوهري إذًا يكمن في “التحوّل”: فحيث يوجد التحوّل الدلالي والجمالي، يحضر التناص؛ وحيث يغيب يتجلّى الاستنساخ.

فلم تعد الأصالة، في السياق المعاصر، مفهومًا قائمًا على القطيعة مع السابق، بل على القدرة على إعادة تشكيله ضمن أفق جديد، إنّ وفرة النصوص وسهولة الوصول إليها عبر الوسائط الرقمية قد أزاحت وهم “النقاء المطلق”، وأعادت تعريف الأصالة بوصفها مهارة في التوليد لا في العزلة.

لقد أصبح الكاتب محاطاً بفيضٍ لا ينتهي من النصوص، ما يضعه أمام تحدٍّ مزدوج: كيف يميّزصوته الخاص وسط هذا الضجيج، وكيف يُنتج معنى لا يذوب في التكرار؟ هنا تتقدّم الأصالة بوصفها “بصمة داخلية” لا تُقاس بمدى الجِدّة المطلقة، بل بقدرة النص على إعادة ترتيب العالم بلغة تحمل نَفَساً خاصاً ولغةً إبداعية تسمو بروح الكلمة وتقدم مضمون جديد مؤثر يسمى بصمة الأديب والشاعر والكاتب.

أما بالنسبة إلى المعايير النقدية، بدورها، لم تعد تقف عند حدود المقارنة الشكلية، بل اتجهت نحو تحليل البنية العميقة للنص، ورصد آليات التحويل والتفكيك والتركيب، وهو ما يمنح التناص شرعية جمالية حين يكون منتجاً، ويسقط الاستنساخ حين يظلّ أسير النقل.

وعن دور القارئ والناقد في إشكالية التداخل تقول  د. سما:

لا يكتمل الوعي بهذه الإشكالية دون استحضار دور القارئ والناقد بوصفهما شريكين في إنتاج المعنى، فالقارئ الواعي لا يكتفي بالتلقي، بل يمارس فعل الكشف، مستنطقًا العلاقات الخفية بين النصوص، ومميّزًا بين التداخل المشروع وغير المشروع، ومعرفة البصمة الكتابية التي تتبع الشخصية الكاتبة وأسلوبها الراسخ في خُلد المتلقي.

أما الناقد، فتتضاعف مسؤوليته في ظل هذا التشابك، إذ يقع على عاتقه تفكيك البنية النصية، ورصد مستويات التناص، وتحديد مدى تحوّلها إلى إضافة نوعية، إنّ النقد الحقيقي لا يكتفي بإدانة أو تمجيد، بل يسعى إلى بناء وعي جمالي يميّز بين الاستلهام الخلّاق والتكرار العقيم.  

والنقد أيضًا كيان خلاق ولاد للمضمون الأدبي يدرك مكامن النص وجمالية اللغة ويرسم حدود الشخصية الكتابية وفق رؤية خاصة.

مع ذلك، فإنّ هذه المسؤولية ليست مطلقة، إذ يظلّ التلقي فعلاً نسبياً يتأثر بخبرة القاريء ومرجعياته، وهو القاعدة الرئيسة التي يرتكز عليها محور التغيير الروحي والوجداني، ما يجعل الحكم على التناص والاستنساخ مجالاً مفتوحاً للتأويل، لا حكماً نهائياً مغلقاً، وهو فعل إدراكي يتنامى حسب وعي القراء وكفاءة الناقد وتمكنه من أدواته  النقدية في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى التناص والاستنساخ بوصفهما حدّين منفصلين تمامًا، بل كطيفٍ تتدرّج فيه النصوص بين الإبداع والتكرار وحين ينجح الكاتب في تحويل الذاكرة إلى رؤية، والاقتباس إلى خلق، يصبح النص مساحةً للتجدّد لا مرآةً للماضي، هنا فقط، تتجلّى الأصالة.

معايير العملية الإبداعية ترتكز على التجديد 

وتعلق الأديبة فاطمة محمد حرفوش من سوريا، على محاور القضية قائلة: يعتبر التناص الأدبي شكل من أشكال التفاعل الأدبي المشروع بمختلف أشكاله الديني والتاريخي والأدبي بين نصوص الأدب قديمه وحديثه.. كأن يستخدم الأديب بعض العبارات الأدبية المستعملة سابقاً والتي تدل على وجود تشابه، بشرط أن يشير لذلك بهوامش أو يضع علامات وإشارات الترقيم. وهو يدل على سعة ثقافة الأديب وتأثره بما سبقه من معارف، وعندما يمتزج بعملية إبداعية جديدة وبأسلوب آخر أكثر تطوراً بما يشكل إضافة جديدة وقد يكون بشكل مباشر أو رمزي أو تلميح.

بينما الاستنساخ هو عملية نقل بشكل حرفي للنصوص والأفكار، ما يشكل فشلاً ذريعاً للعملية الإبداعية، وينعكس سلباً على الإبداع وهي بعبارة أدق سرقة أدبية.

ولا تزال معايير العملية الإبداعية برأيي واحدة.. وترتكز على التجديد بالشكل والأسلوب الفني واللغة والأفكار والتفرد وتقديم فكر جديد ورؤى مبتكرة بحيث تظهر خصوصية الكاتب وتميزه عن غيره، فكثيراً ما نقرأ نص شعر لشاعر ما، فنعرفه أنه يخص شاعر محدد بالذات لأسلوبه وبيانه ولغته الخاصة وخياله الفريد، فالأدب الثمين لا يمكن إخفاؤه، وهو يظهر بسهولة لكل متذوق للأدب مهما كثر حوله من وفرة.

وعن القارئ والناقد ومسؤوليتهما في كشف ذلك التداخل تقول الأستاذة فاطمة: برأيي بالنسبة للقارئ هذا موضوع يتعلق بمستوى ثقافته، فكلما اتسع وعاء ثقافته، اكتشف ذلك بسرعة وكشف التلاعب، في حين أن القارئ العادي قد لا ينتبه له وممكن أن يمر عليه، أما بالنسبة للناقد المحترف والموضوعي فيتحمل العبء الأكبر في كشف عملية التداخل المشروع من غيره، ولا يمكن أن يمر عليه ذلك. فواجبه المهني يحتم عليه الكشف عنه، إضافة إلى أن ينمي ثقافة القارئ العادي عندما يتعرض لنص ما بالتحليل النقدي ويشرحه ويعيد صياغته من جديد.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود