الأكثر مشاهدة

إعداد مباركة الزبيدي منذُ أن انشقَّ صمتُ العدم، وارتجفَ الكون على حافةِ البدء، ك …

القلم.. عازف الكلمات ومدون الإبداع

منذ 54 دقيقة

2

0

إعداد مباركة الزبيدي

منذُ أن انشقَّ صمتُ العدم، وارتجفَ الكون على حافةِ البدء، كان هناك كائنٌ لا يُرى، لكن أثره يملأ الوجود.
لم يكن نارًا تُلهب، ولا ماءً يروِي، ولا ريحًا تعصف، بل كان سرًّا يمسكُ بخيوط الحكاية كلّها.
قيل إنّه أوّلُ ما خُلق، فامتدَّ في الأزلِ كأنّه وعيٌ يتشكّل، ثم أُمرَ أن يكتب فكتب.
كتب ما كان، وما يكون، وما سيكون؛ فانحنت له الأزمنة، وارتضت الأقدار أن تُحفظ بمداده.
به بدأت الحكاية، وبه استمرّت، وبه تُروى.. إنه “القلم”
الذي نجده لدى البعض أداة للكتابة وإنجاز المهام مهما تعددت ألوانه، واختلفت أشكاله، بينما هذه الأداة لدى الأديب، كاتبًا كان، أو قاصًا، أو شاعرًا، تعني الكثير مع كل قطرة حبر في حرف من كلمة تم تسطيرها في شطر بيت شعري لقصيدة أو مقالة، أو قصة، أو غير ذلك من الفنون الأدبية.
نعم، فالقلم بمسماه وصفته المعروفة مهما كان لونه وسعره بمثابة مقتنى ثمين لكل من ربطه بنسج خيوط إبداعاته وقيمته الفنية والجمالية لم تختلف عنها رغم مرور العصور وتطوره من الحبر والريشة إلى لوحة المفاتيح في جهاز الحاسب الآلي، أو أي جهاز لوحي، أو أي أداة،  وتقنية أخرى يستعان بها في الكتابة، أو تصميمها وإخراجها، فالمهم جودة ورقي ما يدونه من حروف ومفردات وجمل وعبارات وسطور تبقى في ذاكرة من يقرأها وتتناقلها الأجيال.
نجد في” لسان العرب” كلمة “قلم” جاءت من الفعل “قَلَمَ” أي شذّب وقطّع، لأن الأقلام في الماضي كانت تُصنع من أعواد القصب وتُبرى لتُستخدم في الكتابة. ويقال إن أقدم قلم اكتُشف كان من القصب، ووجد في العراق قبل أكثر من 5000 سنة.
ومن أشهر ما قيل في وصف القلم ما قاله أبو الطيب المتنبي:
نَحيفُ الشَوى يَعدو عَلى أُمِّ رَأسِهِ
وَيَحفى فَيَقوى عَدوهُ حينَ يُقطَعُ
يَمُجُّ ظَلاماً في نَهارٍ لِسانُهُ
وَيَفـهَمُ عَمَّن قالَ ما لَيسَ يُسمَعُ
وقال المتنبي  أيضاً في قصيدة مدح بها  أبو الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسين الأنطاكي (القاضي)، وهو من الشخصيات التي مدحها الشاعر أبو الطيب المتنبي خلال رحلاته، تحديداً في فترة وجوده بأنطاكية:
ما دار في الحنك اللسانُ وقلبتْ
قلماً بأحسنَ من نثاك أنامِلُ

وقال أيضاً في قصيدة يعاتب بها سيف الدولة، وهذا البيت ربما هو من أشهر أبيات أبي الطيب المتنبي المتداولة حتى وقتنا الحاضر:
فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفُني
والضّربُ والطعنُ والقرطاسُ والقلَمُ
وقال في أبيات أخرى يؤكد فيها أن القلم لا يفعل شيئًا دون قوة:
حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي
المجدُ للسيفِ ليسَ المجد للقلَمِ
اكتُبْ بنا أبداً بعد الكتاب به
فإنما نحنُ للأسيافِ كالخدم

أسمعتني ودوائي ما أشرتِ بهِ
فإن غَفلتُ فدائي قلةُ الفهمِ
من اقتضى بسوى الهنديّ حاجتهُ
أجابَ كلّ سؤالٍ عنْ هل بلم

ومن جهة أخرى قال أبو تمام في وصف القلم والربيع:
يا صاحِبَيَّ تَقَصّيا نَظَرَيكُما
تَرِيا وُجوهَ الأَرضِ كَيفَ تُصَوَّرُ
تُريا نَهاراً مُشمِساً قَد شابَهُ
زَهـرُ الرُبى فَكَأَنَّما هُوَ مُقمِرُ

ولم يقتصر وصف القلم والتغني به واستعارته وتشبيهه ففط على أبيات وقصائد الشعر، بل حتى الأدباء ذكروه في نثرياتهم ومقولاتهم، فهذا عبدالله ابن المقفع يقول: “القلم بريد القلب يخبر بالخبر، وينظر بلا نظر”.
وهناك عبارات أخرى لم نتعرف على قائليها وكاتبيها، لكنها دونت ونشرت، ومنها لجماليتها في وصف هذه الأداة صانعة
ومخرجة جمال الفكر:
• القلم يجرح غالباً أكثر من السيف.
• فكّر على الورق، لأن من يفكر على الورق يمسك القلم وينجح أكثر من غيره.
• لقد ضاعت أفكار تساوي ملايين الدولارات بسبب عدم وجود عقب قلم رصاص وقصاصة من الورق.
• القلم بيد السفيه كالخنجر بيد الطفل.
• القلم سفير العقل، ورسوله الأنبل، ولسانه الأحول، وترجمانه الأفضل.
أما من استخدمه بألوان متعددة في إخراج فكرة على لوحة فنية، أو تصميم  إما بريشة فنان، أو إبداعات مصمم، فهم قد وظفوه بصفاته المختلفة وأنواعه بالعزف بكل لون من ألوانه بكل إبداع مميز يتم رؤيته واستشعاره.

لم يكن القلم في الرواية مجرّد أداةٍ للكتابة، بل تجلّى بوصفه قوّةً رمزية تُحرّك السرد وتمنحه أبعاده الفكرية والإنسانية؛ فهو حينًا ذاكرةٌ تحفظ ما يهدّده النسيان، وحينًا سلاح يواجه القمع، وأحيانًا أخرى جسرٌ يمنح الإنسان شكلًا من الخلود.
في رواية “اسم الوردة” للكاتب “أمبرتو إيكو”، تتجلّى سلطة القلم من خلال المخطوطات التي تدور حولها الأحداث؛ إذ يقود كتابٌ غامض سلسلةً من الجرائم، في إشارةٍ إلى أن المعرفة المكتوبة قد تكون مصدر نورٍ وخطرٍ في آنٍ معًا.
أما في “ظل الريح” للكاتب كارلوس “رويث ثافون” فتتحول الكتابة إلى وسيلةٍ للخلود؛ حيث يتتبع البطل أثر كاتبٍ منسيّ، لتغدو الرواية احتفاءً بالقلم بوصفه حافظًا للأرواح داخل الكتب.
وفي “اللص والكلاب” للأديب “نجيب محفوظ” تتجلّى قوّة الكلمة في تشكيل الوعي الجمعي، حيث تلعب الصحافة والكتابة دورًا في توجيه الرأي العام، ما يكشف تأثير القلم في المجتمع.
هكذا، يتبدّى القلم في هذه الأعمال ككائنٍ معنويّ يتجاوز مادّته؛ فهو الذاكرة حين تضيع، والصوت حين يُقمع، والخلود حين يفنى الإنسان.
وما سَبَقَ من مَقولاتٍ وجمالياتٍ وأبياتٍ عن القلم يَنفي انتقادَ الفيلسوف الشهير سقراط للكتابة؛ إذ رأى أنها قد تُضعِف ضرورةَ وقوّةَ الذاكرة، وتسمحُ بالتظاهرِ بالفهم بدلًا من بلوغ الفهم الحقيقي.
يظلّ القلم أكثر من أداةٍ تُمسك؛ إنّه أثرُ الإنسان في الزمن..
به قال الشاعر ما عجزت عنه الروح، وبه صاغ الأديب عوالمه، وبه دوّن الإنسان حكايته منذ البدء حتى اللحظة.
هو ذاكرةٌ لا تنسى، وصوتٌ لا يخفت، وجسرٌ يعبر بنا من الفناء إلى البقاء.. فإذا خمدت الأجساد، بقي القلم شاهدًا “يكتبنا،” حتى ونحن “نغيب”.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود