455
0
370
0
544
0
547
0
8
0
13
0
72
0
110
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13508
0
13353
0
12189
0
12130
0
9552
0

محمد الموسوي*
في قلب الأسرة تبدأ الحكاية، إذ تتشكل أولى ملامح الطفل وتتكون بدايات فهمه للحياة من حوله، فالأسرة ليست فقط مكانًا يؤويه ويحمي جسده، بل هي أول عالم يراه، وأول صوت يسمعه، وأول إحساس بالأمان يعرفه في حضن أمه ونظرات والده، يتعلم الحب، ويميز بين الخطأ والصواب، وتزرع في داخله بذور الشخصية التي سترافقه طيلة عمره، فكل موقف يراه وكل كلمه تقال له داخل البيت تشكل جزءًا من وعيه، ويترك أثره في تكوينه النفسي والسلوكي.
الأسرة ليست مكانًا يأوي إليه الطفل كل مساء، بل هي الحياة كما يراها في بدايتها. فإذا امتلأت بالحب والحنان، شعر بالأمان، وإذا فاضت بالاحترام والنقاش، كبر داخله الإحساس بالحرية والثقة. هي المدرسة الأولى، بل أهم من المدرسة. منها يتعلّم كيف يفكر، وكيف يعبر عن رأيه دون خوف، وكيف يحلم وهو واقف على أرض صلبة.
وحين تمنحه الأسرة مساحة ليتساءل، لتكون له مكتبته الصغيرة، قصصه، ألعابه، رحلاته الأولى… فإنها لا تملأ وقته فقط، بل تبني شخصيته، وتُشعل فيه رغبة الاكتشاف والمعرفة. الطفل الذي يرى في بيت أهله كتابًا مفتوحًا، يرى العالم بعد ذلك أفقًا لا حدود له.
لكن الوجه الآخر لهذه الصورة لا يُمكن تجاهله. فحين تتحول الأسرة إلى ساحة صراعات، أو مساحة من الإهمال، يُصبح البيت سجنًا صامتًا، يُربّي الخوف بدل الطمأنينة، ويكتم الصوت بدل أن يُطلقه. بعض الأسر تظن أن الحماية هي أن تمنع الطفل من كل شيء، وبعضها تُفرِط في التدليل حتى يُصبح الطفل عاجزًا عن اتخاذ خطوة دون مساعدة. وبين الحالتين، تضيع ملامح المسؤولية، ويتكوّن طفل لا يعرف من هو، ولا ما يريد.
الخطر لا يأتي فقط من الإهمال، بل من العنف، من الكلمات التي تجرح أكثر من الصفعات، من الأب الغائب حاضرًا، ومن الأم المُتعبة حدّ اللامبالاة. من العقاب المتقلب، ومن المقارنات القاسية بين الإخوة، ومن الرسائل الخفية التي تقول للطفل: “مشاعرك لا تهم”. كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تترك آثارًا لا تُمحى بسهولة.
الأسرة ليست معصومة من الخطأ، لكنها مطالَبة بالوعي. فالطفل لا يحتاج أمًا مثالية أو أبًا خارقًا، بل يحتاج قلبًا يُنصت له، وصوتًا يُرشده، ويدًا تتركه يمشي وحده أحيانًا… ولو تعثّر.
فالتربية ليست أوامر تُلقى، ولا نصائح تُقال في لحظة غضب، بل هي حضور صادق، وتكرار هادئ، وصبر طويل. وكل كلمة تُقال، وكل رد فعل يُختار، يُشكّل مستقبلًا ما. فالأسرة ليست فقط من تلد الطفل… بل من تربي الإنسان فيه.
*كاتب عراقي