الأكثر مشاهدة

إعداد/ حصة البوحيمد  يرصد المشهد الثقافي العالمي اليوم تحوّلاً لافتًا مع دخول ال …

الذكاء الاصطناعي..موجات التنافس بين آفاق الإبداع وأصالة النصوص

منذ 53 دقيقة

6

0

إعداد/ حصة البوحيمد 

يرصد المشهد الثقافي العالمي اليوم تحوّلاً لافتًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى حقل الكتابة الأدبية، حيث بات قادراً على توليد القصائد والقصص والمقالات بلغة متماسكة وأساليب تحاكي أنماطاً إبداعية متعددة، وفي ظل هذا التحول، يتجدد النقاش حول حدود العلاقة بين الإنسان والآلة، وحول قدرة الأدب على الاحتفاظ بفرادته بوصفه فعلًا إنسانيًا يتكئ على الخبرة والخيال والوجدان.

فرقد الإبداعية تطرح تساؤلاتها النقدية والفكرية التي تجاوزت الجانب التقني إلى جوهر العملية الإبداعية، على نخبة من الأدباء والنقاد من خلال المحاور التالية:

١- هل يُعد الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة توسّع إمكانات الكاتب؟ أم منافساً يهدد خصوصية الإبداع الأدبي؟

٢- هل تتحدد قيمة النص الأدبي بجودته الفنية وحدها؟ أم بصدق التجربة الإنسانية التي أنتجته؟

٣- من يستحق صفة المؤلف في النصوص التي تُكتب بمشاركة الذكاء الاصطناعي: الإنسان أم الآلة أم كلاهما؟

٤- كيف ينبغي للمؤسسات الثقافية والجوائز الأدبية أن تتعامل مع الأعمال المنتجة بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

النص الجيد مزج بين العاطفة والقالب الفني 

    يبدأ حوارنا حول القضية المطروحة القاص د. خالد أبو المجد، من مصر، بقوله

    الإبداع الأدبي موهبة تحتاج لعناصر عدة كي تكتمل وتزهر، فهو ليس مجرد رصف للكلمات، لكنه مزج بين شعور وتجربة وصور وأخيلة وكلمات معبرة عما تجيش به النفس. والذكاء الاصطناعي في هذا العصر أصبح أداة مهمة ليس في الأدب فحسب، بل في شتى العلوم والمعارف، أداة مساعدة لا يجب تركها وإهمالها بحجة أنه قد يسلب الأديب أدواته وشخصيته، هذا محض افتراء، الأديب الحق يملك في نفسه ما لايستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينافسه فيه، يملك الشعور والإحساس، يملك التجربة، الانفعال، العاطفة، يملك صدق المعاناة، كلها أشياء لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجاري فيها الأديب.

والنص الأدبي الجيد في نظري يحتاج إلى كلا الأمرين؛ يحتاج الشعور المتولد من صدق التجربة، ويحتاج الإحساس والعاطفة، لكن في قالب فني متقن، وإلا ما تميز الكاتب أو الشاعر عن غيره من البشر، فهو يختلف في أنه يستطيع أن يعبر عما في نفسه من شعور وعاطفة في قالب فني معين. وكلما كان الكاتب متمكنًا من أدواته الفنية، استطاع أن يعبر عن تجربته الإنسانية بمخرج أدبي أقوى وأرقى، طبعًا على فرض أنه موهوب وصاحب قلم قادر على التعبير عمّا تجيش به النفس، وما تجود به القريحة، وما يجول في خاطره من خيال.

والنص الذي يكتب كاملًا بواسطة الذكاء الاصطناعي في نظري ليس نصاً أدبيَّاً مهما كان بديعاً في ألفاظه وجمله، فالنص الأدبيكما قلت سابقًاليس ألفاظًا جميلة فقط، هو مزيج بين اللغة والصورة والشعور، وليس معنى ذلك أن يتم البعد كليّاً عن الذكاء الاصطناعي في النص الأدبي، لا أقول هذا، إنما أرى أن النص يمر بعدة مستويات قبل أن يخرج إلى النور في ثوبه النهائي. المستوى الأول يجب أن يبتعد فيه الأديب عن الذكاء الاصطناعي كل البعد، فهو خلوة بين الأديب وتجربته، بين الأديب وقلمه، بين الأديب وخياله، وبعد الانتهاء يمكن للأديب أن يستعين بالذكاء في محاولة تجميل النص وتحسينه قبل إخراجه للجمهور، وهذا أيضًا على فرض أن الأديب ملم بكل عناصر الكتابة الأدبية، هنا يكون دور الذكاء في تحسين جملة غير مستساغة للمؤلف، أو استبدال كلمة بكلمة أرقى. وهذا ينقلنا إلى الشق الثاني، حيث يجب على المؤسسات الأدبية إتاحة الذكاء الاصطناعي كأداة من ضمن الأدوات التي تشبه المعاجم والمراجع المتنوعة، مع إرساء مواثيق أخلاقية تلزم الكاتب بالإفصاح عن القدر المستخدم من التقنية.

وأظن أن الكاتب الماهر والمحكم المتمرس عنده من المقدرة والممارسة ما يمكنه من وضع يده بسهولة على النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، فهي نصوص مقولبة جافة بعيدة كل البعد عن العاطفة والصدق، وبعيدة كل البعد عن روح كاتبها وشخصيته، وهذا يعرف بعرض أكثر من عمل للأديب، فالأسلوب بصمة، والروح بصمة، وكلها أمور تتمايز بين إنسان وآخر.

لا أحقية لمن يضع اسمه على نص كتبه الذكاء

ويؤكد الأديب محمد جبران على ضرورة التكامل بين الشكل والروح في العملية الإبداعية، بقوله:

 

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة قادرة على توسيع إمكانات الكاتب ومساعدته في البحث، وتنظيم الأفكار، وتطوير الصياغة، وتحرير النص، وتدقيقه، وربما تجاوز بعض العوائق التقنية والزمنية. لكنه، في المقابل، لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية الحقيقية التي تمنح الأدب روحه وفرادته، فهو لا يملك القلق الإنساني ولا الذاكرة العاطفية التي تصنع جوهر الأدب الحقيقي.

وقيمة النص الأدبي لا تتحدد بجودته الفنية وحدها، ولا بصدق التجربة الإنسانية وحدها، إنما بتكامل العلاقة بين الشكل والروح. فالنص قد يكون متقناً من الناحية اللغوية والبنائية، لكنه يظل بارداً يفتقر إلى طاقة المشاعر ودفئها، وقد يكون صادقاً وعميق الإحساس، لكنه ضعيف فنياً وعاجز عن التعبير عن ذاته. والأدب الحقيقي هو ما يجمع بين الصدق الإنساني والجمال الفني في آن معاً.

وبرأيي لا يحق لأحد أن يضع اسمه وحده على نص كتبه الذكاء الاصطناعي بصورة كاملة، لأن دور الإنسان هنا، وهو من يملك الوعي الذي يمنح المعنى للنص، يصبح معدوماً. أما إذا كان الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة ضمن عملية إبداعية يقودها الكاتب، كأي أداة يستعين بها في كتابته وإنجاز نصه، فتبقى صفة المؤلف للإنسان. ومن المهم أن تتعامل المؤسسات الثقافية والجوائز الأدبية بوضوح وشفافية مع هذا النوع من الأعمال، عبر الاستعانة بخبراء وتقنيات قادرة على التحقق من طبيعة النصوص، ووضع معايير تحدد استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الأدبي، دون إلغاء دوره وحرمان المبدعين من الاستفادة منه. 

الذكاء تقنية للمساعدة والتطوير.. دون اتكالية 

وللأديب هاني الحجي نظرة  إيجابية حول  العلاقة المتوازنة بين التقنية والعملية الإبداعية، حيث أفاد:  مع كل تطور تقني وتكنولوجي تبدأ تساؤلات مقلقة من قبل الجيل السابق عن سلبيات التطور الجديد، لكن هذه التقنية الحديثة لا تشكل نفس القلق لدى الجيل الجديد.

فمثلاً، عندما بدأ استخدام الحاسب في الكتابة، عزف جيل الكتابة الكلاسيكية مرثية حزن على حروف القلم والورق، وقالوا إن الكتابة ستفقد حميميتها. لكنهم مع الوقت انسجموا مع الوسائل الكتابية الحديثة. كذلك نفس ما حدث مع الكتاب الورقي وتطوره إلى الإلكتروني؛ اعتبره الكلاسيكيون لا يعطي القارئ متعة القراءة، ولا حميمية الكتاب الورقي، ووجدوا بداية صعوبة في تقبله.. إلا أنهم تأقلموا مع مرور الوقت على الصيغة الجديدة للقراءة، ونفس الحديث عن الكتاب المسموع.

برأيي، الذكاء الاصطناعي حالة متقدمة في عالم التقنية تتناسب مع الجيل الرقمي الحديث، واستخدامه يعتمد على الأديب والكاتب. يمكن أن يكون أداة للمساعدة والتطوير والبحث والدراسة والمراجعة الإملائية والنحوية، والاستفادة من الوقت فيظل الانفجار المعلوماتي. ويمكن له أن يتحول أداة للكسل والاتكالية في الكتابة مثل بعض التطبيقات. لكن الإشكالية تكمن في حال عدم وجود التزام أدبي من بعض الأدباء أنفسهم، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في توليد نصوص إبداعية كاملة وينسبونها لأنفسهم. فقد توجد حالة من الفوضى الإبداعية في المشهد الأدبي والنصوص والأسماء.

دار نقاش مع مجموعة من المختصين حول نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي.

النسبة التي اتفقوا عليها تقريبًا:

من 5% إلى 20% كحد أقصى للدراسات والنقد.

أما النصوص الإبداعية فمن 2% إلى 5%.

وتتوزع هذه النسبة بين التدقيق الإملائي والنحوي، وبعض التشذيبات في تحرير الصياغة.

وهذا الأسلوب مستخدم في الصحف سابقًا، حيث يوجد (مطبخ صحفي) للتدقيق. أيضًا في بعض دور النشر يوجد محرر صياغة. وكبار الكتاب العالميين كانوا إما يعملون مع محررين، أو ساهمت دور النشر في تحرير أعمالهم.

القواعد والبناء والهيكلة والروح تكون من الكاتب، ويمكن له الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في التعديلات النحوية والإملائية بنسبة معينة، وبعض التشطيبات التحريرية.

من جانب آخر، يرى المتذوقون للإبداع أن النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي جافة لا تحمل مشاعر إنسانية، ويمكن للمتذوق أن يميز النصوص البشرية من غيرها المولدة بالذكاء الصناعي، أما بالنسبة للمأزق الأدبي الذي قد تمر به الجامعات ولجان المسابقات ودور النشر في طباعة الكتب، فأعتقد أن المسألة أولاً وأخيراً التزام أدبي من الكاتب بتحديد نسبة استخدامه للذكاء الاصطناعي. وأرى أنه ستوجد ضوابط ضمن حقوق الملكية الفكرية والإفصاح الأدبي والشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابات، سواء كانت دراسات أو نقدًا أو نصوصًا إبداعية. ولا أستبعد أن توجد تطبيق الذكاء الاصطناعي تمارس دور النقد والرقابة للكشف عن النصوص المولدة التي ينسبها الكاتب لنفسه.

المبدع الحقيقي لا يتكئ على هذه التقنية

ويدلي القاص محمد الرياني برأيه، حول كون الذكاء الاصطناعي مساعداً أم منافساً، بقوله: لا أعتبره أداة مساعدة للكاتب ولا منافساً يهدد خصوصية الإبداع الأدبي؛ ربما هو أداة مساعدة لغير الأدباء الذين يريدون أن يكونوا أدباء عبر بوابة هذه التقنية المذهلة، أما المبدع الحقيقي فلا يعمد إلى الاتكاء على هذه التقنية ولا الأخذ بأساليبها وأسبابها، وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد وُجد لخدمة البشرية فإنه في الوقت نفسه لا ينبغي اتخاذه حبلًا لنشر محتوى غير جيد لغير المبدعين بغية منافسة الأدباء المبدعين الحقيقيين.

من هنا يجب أن تكون هنالك آلية للحكم على العمل الإبداعي وصاحبه لكشف المبدع الحقيقي من المزيف في زمن اختلطت فيه الأوراق التي يجب أن ترتب بشكل يليق بالمبدعين ويجعل الذكاء الاصطناعي في منزلة رفيعة تليق بقدراته.

وعن قيمة النص هل في جودته أم في صدق تجربته، يقول الأستاذ محمد: أعتقد بالحالتين معاً، فالأدب الصادق هو شعور ومشاعر للأديب تتكئ على إرث من مكونات الإبداع والإمتاع والتجارب الناضجة عبر مساحة زمنية جعلت من هذا المبدع صادقاً ومجيداً في الوقت نفسه.

ومعظم حالات الإبداع والإمتاع خرجت من خيال محلق، أو عبر إرث صادق صاحَبَ تجربة الأديب في الحياة وفي علاقاته الإنسانية والاجتماعية، وفي تفاصيل الحياة بكل ألوانها.

وأنا لا أحبذ أن يلجأ الكاتب للذكاء الاصطناعي لتعميق تجربته، لأنه سيكون قد انزلق في كهوف مظلمة هو في غنى عنها، لذا يجب أن يسند كل شيء لصاحبه، فالمؤلف الحقيقي هو الذي يؤسس لنفسه مدرسة أدبية يُعرف بها وليست مدرسة مصطنعة تبعده عن هويته التي عرفه قراؤه بها.   

وكما أشرت في البداية لابد من حوكمة الأعمال الأدبية وضبطها، حتى لا يكون الذكاء الاصطناعي مسرحاً يصعد إليه المبدعون وغير المبدعين، ما يجعل المتفرج رهينة لأعمال ضبابية لا ترتقي إلى ذائقتهم. 

 الذكاء الاصطناعي ضد التجربة الإبداعية الصادقة  

 ويشاركنا الرأي  الأكاديمي والكاتب الفلسطيني حسين المناصرة، بقوله : لعلّ من أخطر التحديات التي تواجه المبدعين وإبداعهم أن يلجأ المبدع أو غير المبدع إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة الإبداعية؛ لأن هذه الممارسة غير الأخلاقية بكل معطياتها في الكتابة الإبداعية ضد الإبداع وضد الثقافة وضد الأمانة والتجربة الإبداعية الصادقة، ومن ثم فإن إنتاج نصوص إبداعية من منتجات الذكاء الاصطناعي إجراءات فاسدة؛ كونها تتسبب في أن تضمحل خصوصية المبدع وإبداعه؛ خاصة في ضوء إنتاج مبدعين مزيفين؛ ليس لهم من فضاء الإبداع سوى احترافية تسخير الذكاء الصناعي لكتابتهم المزيفة؛ بصفتهم أشخاصاً وهميين بالنسبة لهذا الذكاء. ومهما كانت درجة التلاعب البشري بنصوص الذكاء الاصطناعي، فلا بد من اكتشاف علامات حقيقية تفضح هذا الإبداع المزيف وتقوضه، بغض النظر إن كانت درجة إتقان عملية التزوير أو التزييف في الكتابة الآلية الصناعية متقنة تمامًا.

وعن تحديد قيمة النص أهي بالجودة الفنية أم بصدق التجربة الإنسانية، يقول الأستاذ حسين:

تتحدد قيمة النص الأدبي بالتكامل المُعمَّق بين جمالياته ورؤياته، وخصوصيةالتجربة الإبداعية في التعبير عن ذاتية المبدع ومحيطه ومرجعياته المتنوعة؛ وهذا ما يُصعِّب على الذكاء الاصطناعي التعبير عنه؛ لأنه بلا مشاعر ولا أحاسيس؛ فاستخدامه للكلمة والجملة والعبارة عمل روتيني محض، في حين يستطيع المبدع أن يشكل نصه الإبداعي بأسلوب لا يمكن أن يحققه الذكاء الاصطناعي في النص، هنا يستطيع الناقد أو القارئ الذكي أن يميز النص المصنوع بالذكاء الاصطناعي، والمتلاعب به بشريًا، عن النص الإبداعي المعبر عن تجربة المبدع وأحاسيسه، كأن النص هو من يكتب مبدعه.

وعندما يكون النص مكتوباً بالذكاء الاصطناعي، فالمؤلف هو الذكاء الاصطناعي فقط، أما الشخص الذي يستخدم هذا الذكاء لكتابة نصه؛ فهو بكل تأكيد سارق لنص مكتوب آلياً؛ ولا بد من أن البراهين الدالة على سرقته تُسقِط أي حق له في كتابة هذا النص؛ حتى لو غير وبدل وموَّه وتلاعب بالنص المكتوب آلياً هناك أبحاث مكتوبة بطريقة متقنة مئة بالمئة، قدمت لمؤتمرات أو للتحكيم، ورفضت لكونها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، وأن الأشخاص المدعين لكتابتها، لا يمكن أن يكونوا في هذه الدرجة المتقنة للكتابة المتميزة معرفياً أو تقنيًا. كذلك النصوص الإبداعية يمكن التعرف آلياً وبشرياً على أنها من فعل الذكاء الاصطناعي، وليست من فعل من يدّعيها! وينبغي للمؤسسات الثقافية والجوائز الأدبية أن تستخدم برامج ذكية، وتشارك نقادًا وخبراء متميزين، للكشف عن أية نصوص أدبية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، وفي حال اكتشافها ينبغي أن تصنف بصفتها سرقات أدبية، وأن يشهر بمن سرقوها، أو “تلاعبوا” بتقنياتها ومضامينها وتعبيراتها للإيهام بأنها من إنتاجهم. الذكاء الاصطناعي من حيث التقنيات أفضل مئة مرة من أية عقلية بشرية؛ لذلك من السهل اكتشاف النصوص الأدبية التي تؤلف من خلال هذا الذكاء المختلف كلياً عن الذكاء البشري. ولعل استخدام البرامج الذكية لكشف هذه السرقات في إطار تفاصيلها الدقيقة، ما يسهم في المساعدة على اكتشاف الكتابة المزيفة؛ ليبقى الإبداع الحقيقي هو الأصل الذي لا يمكن تزويره بأي ذكاء آلي موجود أو يمكن وجوده في أفضل حالات ذكائه وتطويره.

الإبداع عملية معقدة.. لا يستطيعها الذكاء الاصطناعي 

يجيب د. جمال الدين علي  قاص وروائي من السودان، على طرح فرقد بقوله:  لا شك أن الذكاء الاصطناعي بكل تقنياته وتطبيقاته يعد ثورة في سباقات العقل البشري للهيمنة من خلال التطور التكنولوجي في العصر الحديث، وقد بدأ يلعب دوره في الحياة بكل أبعادها وتجلياتها،  في العلوم الصرفة التطبيقية وفي العلوم الإنسانية وفنون التعبير، وجعل النسق التقني ومعايير الدقة العلمية مرجعية أساسية. لكن الفرق يتضح عندما نخضع الإبداع والابتكار للمعايير الجمالية. يقول انشتاين: الخيال أهم من المعرفة.

المنجز الإبداعي شيء مختلف، الإبداع نفسه عملية معقدة وما يمر به المبدع خلال عملية الاختمار والعصف والتوتر والقلق واندفاع المشاعر والشاعرية حتى لحظة الدفق وولادة النص، لا يستطيع الكاتب المبدع نفسه تفسيرها.

فكيف للتطبيقات الخوارزمية وخرائطها وشبكاتها التقنية الإمساك بها؟!

إذًا، النص في شخوصه وصراعها  في محيطها الزمكاني هو نتاج تفاعل ومخاض عسير.

تقول الدكتورة رباب هاشم حسين هاشم في مقال منشور:  إشكالية توظيف الذكاء الاصطناعي في السرد الروائي (في السرد الروائي تعدد البيئات والكيفيات والأمزجة المرتبطة بتكوين الشخصية، لكن المنطق الحاسوبي لا يستطيع التوغل الى هذه العوالم ونقل مساحاتها ودلالاتها الدقيقة)

وفق فليب هامون، الشخصية الروائية تبدأ كإطار فارغ..  تبدأ تتشكل رويدًا رويدًا أبعادها الفسيولوجية والسايكولوجية والوجودية، ثم تبدأ في طرح الأسئلة الوجودية الكبرى  عن ما هية الحياة وغموضها والكون وأسئلته الفلسفية وتعقيدات النفس البشرية  وفق أبعادها وأزماتها وعمقها الوجداني وهذا العمل يتطلب كائنًا انسانيًا من لحم ودم وروح.  ليس إلى آلة تجيد الوصف العياني المجرد وتقدم التقارير النموذجية وفق قياسات وأبعاد خوارزمية محسوبة بدقة.

إذًا، نحن أمام منجز تتكاثف فيه كل التناقضات في الإنسان والنفس البشرية في محيطه في لحظة إلهام تتولد كالشرارة. تضع كل ذلك أمام المتلقي حتى يشارك في اكتشاف المعنى من خلال الأسئلة التي يطرحها النص لفهم كنه الحياة والإنسان معاً.

قد يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً للنقد المدرسي من خلال وضع أُطر وخرائط لإخضاع النص للتجربة النقدية النظرية.

هنا يكون التحدي كبيراً أمام النقاد والدارسين ومراكز البحوث العلمية، حتى لجان الجوائز والمسابقات الأدبية.

بظني أن المتلقي واع وحصيف وهو المعني بالمسألة برمتها.

الذكاء الاصطناعي يحول بين العقل والورق 

 وللأديبة كفى عسيري وجهة نظرها الخاصة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على العملية الإبداعية، بقولها:

لنتفق أولًا على أن توسيع المدارك والإحاطة بكل المستجدات التي تطرأ على هذا العالم مهمة جداً واستقبالها والتعامل معها والاستفادة منها مهم، شريطة ألا تكون سبباً في تعطيل التفكير والاستحواذ على الحالات الإبداعية الطبيعية التي نمت في بيئة طبيعية محفزة.

الذكاء الاصطناعي ليس فقط منافساً وقاتلاً لخصوصية الإبداع الأدبي، بل هو أداة تعمل على تعطيل الحواس، يَئِد الفكرة قبل أن تتمثل ويحول بين العقل والورق، ثم يحيل كل الأفكار إلى نصوص مبسترة مستنسخة من بعض، ناهيك عن قدرته على انتزاع الإنسان المبدع من حالة التأمل والاستنتاج التي اعتادها حين يكون ماثلاً أمام النص المكتوب.

وأعتقد أن الجودة وحدها لا تكفي في تحديد قيمة العمل ولا التجربة المنتجة أيضاً وحدها كافية.. قيمة النص تأتي من ديمومة القراءة الواعية والمستمرة التي لا تنقطع نهائياً ثم بتراكم الخبرة الناتج عن الكتابة بحرص وجدية الأديب، حتى يصنع نصاً فارقاً بحاجة إلى أن يبني نفسه بأساسيات قوية، يكون ذلك بالاستفادة الكاملة من جميع الإمكانيات المتاحة له ثم عدم تأجيل ما يمكن أن يبني اليوم إلى فرصة الغد.. البناء المستمر  المتتابع يصنع ويقوي التجربة، ومن الظلم والإحجاف أن يتساوى المبدع مع المستعين بالذكاء الاصطناعي، ويطلق على الثاني مؤلف لأن إعمال العقل وحرق الذهن واستجلاب الأفكار واستهلاك الوقت الذي قد يصل إلى شهور، لا يمكن أن يوضع في مقارنة مع ضغطة زر لا تكلف سوى دقائق قليلة، نص الذكاء الاصطناعي له وباسمه، ونص المبدع سيكون له وللقارئ وللزمن.

أما كيفية التعامل مع النصوص المنسوبة إلى الآلة فذلك يعتمد على المحكمين أو القائمين، وعلى المؤسسات الثقافية إطلاعهم  ومواكبتهم للحالة الإبداعية وقراءتهم المستمرة للمنتج الإبداعي ستكون كفيلة  بالتفريق بين المستعار والحقيقي.

على الأدباء التفكير بجدية أمام هذا المتغير 

وتعلق د. عائشة  يحيى أستاذ مساعد أدب حديث وقاصة وباحثة، على محاور القضية، بقولها:

فتح الحوارات على  ظاهرة الذكاء الاصطناعي  تعني  القبول بدوره على كل الأصعدة، ومنذ أن ظهرت إرهاصاته وهو يفرض وجوده وخدماته غير المحدودة سواء تم استقباله أو رفضه، هو غزو أو تحول رقمي سريع، فلم يقتصر على مجال  بعينه مثل المختبرات العلمية ولا زمن بعينه ولا بلد معين، الكل يفيد منه  وفق اهتماماته واختصاصاته. وهذا نتيجة شمولية ومرونة دوره فوق العادي، ومن هذه المجالات  القراءة والكتابة والتأليف الأدبي والعلمي، هذا الغزو ثورة لم تسبق مثلها ثورة لا من حيث المحتوى ولا من حيث الأدوات والدعائم المساندة.. وكل ما تحقق  من استثمار الإنسان له يؤكد  أنه سيتحكم  في البشر لاحقاً وسيخضعون له يريحهم من العناء ويختصر لهم المسافات والأزمنة والمتاعب. 

وحين نتوقف عند الممارسات الأدبية، لا ننكر حضوره وقد أخذ الكتاب والأدباء الاستعانة به كآلة مساعدة توسع قدرات الكاتب في عملية إنتاج النصوص وممارسة الكتابة المدهشة.. ليس التورط في الاقتراب من خصوصية الإبداع الأدبي، فهي منطقة محظورة، حتى وإن كان صارخاً في البداية، لكن مرحلة وتعود المياه إلى نهر الأديب الإنسان. كثير من الأدباء بدأ يطمئن لمساعدة الآلة، ويروج له ويعزز دوره في حضرة من يتوجس منه مثلي. بالتأكيد سيحدث أثراً بالغاً في شكل الأدب، ستظهر كتابة جديدة  ومناقشات وحوارات أدبية وثقافية حول تأثير الذكاء على الإبداع الأدبي والمبدعين والمؤلفين والقراء، وقد بدأت على مستوى الساحة الثقافية السعودية  على المنابر الأدبية المهنية والشريك الأدبي. الإشكالية تظهر حين نسأل هل سيتأثر الأسلوب  الأدبي؟

لا شك ستحدث منافسة حادة  بين المبدع/ الأصل والآلة، لكن هل سيستسلم المبدع لهذا التحول أم سيدافع عن حقوقه وتخصصه وشخصيته وسماته الخاصة؟

هل ستكون الشراكة والمنافسة بين المؤلف والذكاء منافسة شريفة  أو سيتغلب أحدهما على الآخر؟

البقاء للأقوى دائمًا، لكي يحافظ الأديب والكاتب والشاعر على منطقته الخاصة عليه أن يمكن نفسه من  مهارات الذكاء  ويستوعب محتواه ومساراته، إذا ضعف المدخل الجديد أو غاب عند الأديب قد يقع الأديب ضحية الذكاء. كذلك يحتاج المهتمون التفكير في السؤال  هل ما سينتجه الوحش الاصطناعي  من أدب  تحديداً (شعر أو سرد) سيعد أدبًا حقيقيًا أم اصطناعيًا؟

 على الأدباء التفكير بجدية في مستقبل الأدب وجودته أمام هذا المتغير، بالفعل نحن أمام تحديات وإيجابيات وسلبيات، لا بد من تفهم  الوضع  وعدم الموقف السلبي أو وضعية المتفرج،  المسألة جد الجد تحتاج خطة واستعدادًا، نحن أمام توقعات آثارٍ هائلة على المعرفة، أنا شخصياً غير مقتنعة بنص صناعي إذا لم تلتحم مشاعر النص مع مشاعري سيفقد النص الصدق الفني والأخلاقي والإقناع فلم يعد أدباً، أما مسألة من هو صاحب النتاج الأدبي سيكون المؤلف الحقيقي متمكناً من المنافسة وسيكون  النص صناعياً له سماته وحقوقه واستقلاله.

الإشكالية في  الأدباء أنفسهم سيستسهلون دور الآلة ويستسلمون لها، وقد لاحظت  التنازلات عند بعض الأدباء في تجربة المعتزلات الكتابية، كان يدرب  الفريق على كيفية الاستعانة بالذكاء ويعزز اللجوء إليه بتعمد، وهذا هو الخراب الإشكالي!  سيكون النص هجيناً جدًا لا هو صناعي ولا هو بشري. 

هنا يأتي دور المؤسسات الثقافية في طرح الأنظمة واللوائح كما هي اللوائح المعمول بها، مثل البحث العلمي، يشير الباحث إلى مصادره ومعارفه، يوثقها بمصداقية، كذلك الذكاء لا بد من تحديد دوره في النص.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود