الأكثر مشاهدة

إعداد : سلوى الأنصاري  اليوم لا تبدأ الحكاية بكلمة، بل تبدأ برائحة تتسلل الى دوا …

القهوة.. رفيقة الإبداع بين طقوس الكتابة وأسرار المعرفة

منذ 55 دقيقة

3

0

إعداد : سلوى الأنصاري 

اليوم لا تبدأ الحكاية بكلمة، بل تبدأ برائحة تتسلل الى دواخلنا دون استئذان لتنعشنا وتيقظ الذكريات مع الكثير من الإلهام. 

حين نرفع الفنجان نحو ملامحنا، فنحن لا نستهلك سائلًا، بل نستنطق تاريخًا من الصبر المقطّر.

القهوة في جوهرها ليست “مشروبًا” بالمعنى المادي الضيق، بل هي “عتبة” وجودية، يقف عليها الإنسان ليتأمل العبور من ليل الغفلة إلى فجر الوعي.

إنها الخيط الرفيع الذي يربط بين تشتت الذات ولملمة الذاكرة.

حين نتحدث عنها فنحن لا نتحدث عن حبة البن وحدها، بل نضم اليها الماء ونار “الموقد” التي أنضجت الفكر الإنساني.

إنها النص الذي يُكتب بالبخار، ويُقرأ بالصمت، ويُحفظ في الذاكرة كوشمٍ لا يمحوه النسيان.

القهوة هي المتنفس الوجداني لكل مغترب، والقاسم المشترك بين طاولة الفيلسوف في باريس، ودكة القاص في حواري القاهرة، وخيمة الشاعر في فيافي نجد.

نحن هنا لنفكك شفرة هذا السواد عالميًا والأشقر  سعوديًا الذي أضاء عتمات النصوص، ولنبحث في كيف استطاعت رشفة واحدة أن تختصر رواياتٍ وأجيالاً.

حين نقترب منها، لا نقترب من مشروبٍ اعتيادي، بل من طقسٍ إنسانيٍّ عريق، يختصر تاريخًا من التأمل، والانتظار، والانكشاف الداخلي.

إنّها ليست سائلًا داكنًا يُسكب في فنجان، بل نصٌّ غير مكتوب، تُخطّه الأرواح في لحظات صفائها، وتقرؤه القلوب قبل العيون.

في كل رشفةٍ منها، تنفتح بوابةٌ خفيّة بين الحاضر والماضي، بين الواقع والتخييل، بين الذات والعالم. لهذا، لم يكن حضور القهوة في الأدب عابرًا ، بل كان قدرًا جماليًا، ارتبط بوعي الإنسان بذاته، وبحاجته الدائمة إلى معنى يتجاوز ظاهر الأشياء.

لن نتحدث عن القهوة بوصفها مشروبًا، بل بوصفها علامةً سيميائية، وفضاءً سرديًا، وأداةً نفسيةً وثقافية، أسهمت في تشكيل النصوص، وإثراء التجربة الأدبية عبر العصور.

فعندما نصف  القهوة كرمزٍ سيميائي في النص الأدبي العالمي والعربي، تقف أمامنا وفي جوهرها علامةٌ تتجاوز ذاتها؛ فهي لا تُقرأ بما هي عليه، بل بما تشير إليه. في علم الدلالة، تتحول القهوة إلى رمزٍ مفتوح، قابلٍ لتعدد التأويلات، تبعًا للسياق السردي والشعوري.

في الأدب العالمي، نجد القهوة حاضرةً بوصفها رمزًا للقلق الوجودي أو العزلة الفكرية.

عند “دوستوفيسكي “تتجاور القهوة مع لحظات الانكسار الداخلي، حيث يجلس البطل في مواجهة ذاته، كأن الفنجان مرآةٌ تعكس هشاشته.

فنجد القهوة هي وقود “الاستبطان” ففي رواية “بطل القبو” هي الأنيس الوحيد في صراعه مع الإرهاق؛ إنه نقطة الارتكاز التي تمنع الشخصية من السقوط في العدم.

أما عند “كافكا “فإن القهوة تتخذ بعدًا أكثر برودة وأكثر عبثية د؛ فهي جزء من روتينٍ خانق، يعكس اغتراب الإنسان داخل عالمٍ لا يفهمه.

وفي الأدب اللاتيني، يمكن أن نستحضر أجواء “ماركيز”.. حيث تتداخل القهوة مع الواقع السحري، فتغدو رائحتها امتدادًا للأسطورة، وجسرًا بين الواقع والخيال.

أما في الأدب العربي، فإن القهوة تتخذ بعدًا وجدانيًا وثقافيًا أعمق. عند ” نجيب محفوظ”  تتحول القهوة إلى رمزٍ اجتماعي، يُجسد روح الحيّ، ويعكس حركة المجتمع.

وفي شعر ” محمود درويش” تتجاوز القهوة كونها مشروبًا، لتصبح طقسًا يوميًا يُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والزمن، حيث يقول: القهوة أخت الوقت، في إشارة إلى تلازمهما الوجودي.

(في كتابه ذاكرة النسيان) يقول: “القهوة لمن يعرفها مثلي هي أن تصنعها بنفسك. لا أن تأتيك على طبق. لأن حامل الطبق هو حامل الكلام. والقهوة رفيقة السكون”.

(وفي قهوة بنكهة الفراق)

للكاتبة الروائية سمر سالم، تبدأ المصارحة بين بطلي الرواية على جسر نهر العاصى فى تركيا، وعلى جسر الفنون بباريس يشتعل قلباهما بالحب، وما بين تركيا وباريس قصة حب تبدأ فصولها فى الخريف وتنتهي فى الخريف، والرواية عن الحب والفقد وآلام الوطن والغربة.

أما في كتاب (قهوة باليورانيوم) للكاتب “احمد خالد توفيق.. 

يتناول الكتاب مجموعة من المقالات التي تجمع بين السخرية والتحليل الفني. يشتمل على مقالات تتناول مواضيع متنوعة تتعلق بالفن والثقافة بعيدًا عن السياسة. يعكس أسلوب الكاتب الفريد في تناول القضايا الاجتماعية والإنسانية.

ونجدها كفعل مقاومة (عند غسان كنفاني): “في أدب المقاومة”، صنع القهوة في وسط الخراب هو إعلان عن استمرار الحياة، الفنجان هنا ليس للتلذذ، بل هو “وتد” يربط اللاجئ بأرضه المفقودة.

أما في الروايات البوليسية (مثل أعمال ريموند تشاندلر) فهي رفيقة “الأرق“، إنها ترمز للحقيقة المرة التي يحاول المحقق استخراجها من عتمة الجريمة، تماماً كما يستخرج الكافيين الوعي من عتمة النوم.

ونجد “الفنجان المقلوب” في الموروث الشعبي  (مثل رواية “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي)، القهوة هي “غيبٌ يُقرأ”. قاع الفنجان هو مساحة للتنبؤ، للهروب من واقع حاضر إلى مستقبل متخيل، أو لاستعادة ماضٍ ضائع.

وفي ”الحمام لا يطير في بريدة” –

ليوسف المحيميد

نجد القهوة جزءًا من الحياة اليومية، تحضر في المجالس، وترافق الحوارات، وتؤطر العلاقات الاجتماعية.

يقال أخبرني كيف تشرب قهوتك، أقل لك من أنت”

التفاصيل الصغيرة في التعامل مع القهوة تبني “بروفايل” نفسيّاً عميقاً للشخصية:

فشخصية “المثقف المنعزل”: تظهر في روايات ألبير كامو؛ القهوة هنا تُشرب بآلية صامتة، تعكس “اللا مبالاة الوجودية”. هي الوقود الذي يحتاجه العقل ليفكر في عبثية الحياة.

أما شخصية “الأم/ الجدة” (في الأدب الخليجي): القهوة هنا ليست فردية، بل “جامعة”. رائحة الهيل هي صوت الأمومة، والحرص على درجة نضج القهوة يعكس حرصها على تماسك العائلة. في روايات رجاء عالم، نجد القهوة تختلط بالبخور لتخلق هالة “قدسية” حول الشخصيات النسائية.

ونجد القهوة تتقاطع مع البعد الروحي، وتُضفي على الشخصيات عمقًا يتجاوز ظاهرها.

المبالغة في السكر أو المرارة: تعكس تضاد الشخصيات. الشخصية التي تطلب قهوتها “سادة” غالباً ما تكون مواجهة للحقيقة الصادمة، بينما “الزيادة” قد ترمز لمحاولة تجميل واقع قبيح.

لا تُستخدم القهوة في السرد بوصفها تفصيلًا ثانويًا، بل بوصفها أداةً للكشف النفسي. فطريقة احتساء الشخصية للقهوة، وتوقيتها، حتى صمتها أثناء ذلك، كلها إشاراتٌ تُسهم في رسم ملامح تلك الشخصية

الشخصية التي تحتسي قهوتها ببطء، ليست كمن يبتلعها على عجل. الأولى تتأمل، والثانية تهرب. الأولى تواجه، والثانية تتجنب. هنا، تتحول القهوة إلى لغةٍ غير منطوقة، تُفصح عمّا تعجز الكلمات عن قوله.

في أعمال الأديب عبده خال نجد القهوة حاضرةً في لحظات التحول النفسي، حيث تُحتسى في أوقات التوتر أو المواجهة، كأنها وسيلةٌ لاحتواء الانفعال.

نجدها كذلك ليست مجرد كرم، بل هي لحظة “المكاشفة”. حين يُصب الفنجان، يبدأ البوح، وتتحلل العقد النفسية تحت وطأة الرائحة النفاذة التي تفتح مغاليق الصدور.

من أعجب ما في القهوة قدرتها على استدعاء الذاكرة. رائحةٌ واحدة كفيلة بأن تعيد الإنسان إلى زمنٍ مضى، ومكانٍ اندثر، ووجوهٍ غابت.

في السرد، تُستخدم القهوة كأداةٍ لاستحضار الماضي. فحين تحتسي الشخصية قهوتها، لا تعيش الحاضر فقط، بل تستدعي ماضيها، بكل ما فيه من حنينٍ وألم. وهنا، تتحول القهوة إلى جسرٍ زمني، يربط بين ما كان وما هو كائن.

يستخدم الكتاب القهوة كـ “زناد” لاستدعاء الماضي..

فنجد  مريد البرغوثي في  (رأيت رام الله): قد تذكره رشفة واحدة منها  في الغربة بطعمها في بيته القديم، ما يفتح جرح “الفقد”. هنا هي ليست مشروباً، بل “آلة زمن” حزينة.

وعندما ننتقل من “القهوة السوداء” الداكنة إلى “القهوة الشقراء” الشقية برائحة الهيل والزعفران.

نجدها في الأدب السعودي هي سلطة التقاليد: طقس الصب، وإمساك الدلة، وهز الفنجان؛ كلها “لغات إشارية” تعكس عادات اجتماعية وقيمًا أخلاقية.

وهي رمز الصمود.. في روايات الصحراء، القهوة هي الانتصار على القحط؛ هي النار التي تُشعل لتنادي التائه، وهي الأمان الذي يُقدم للضيف قبل السؤال عن حاجته.

في المجالس، تُقدّم القهوة بوصفها لغةً اجتماعية، تُعبّر عن الترحيب والانتماء. وفي الأدب، تنعكس هذه الدلالات، فتغدو القهوة عنصرًا يعكس روح المكان، ويُجسد قيم المجتمع.

أيها القارئ إننا لا ننهي حديثنا عن القهوة، لأن القهوة – كالإبداع تماماً – لا تنتهي بانتهاء الرشفة الأخيرة، بل تبدأ كأثرٍ عميق في الوجدان، يضيء لنا عتمة الواقع بوهج التخيل.

ستبقى القهوة دائماً هي ذلك النص المفتوح على كل التأويلات… مُرّة كالحقيقة، دافئة كالأمل، وباقية كالأثر.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود