الأكثر مشاهدة

بقلم: الحسن الكامح* يظل فضاء البحر في المتخيل الشعري الإنساني والعربي وعمومًا، ب …

قراءة في البنية والدلالة والجماليات لـ”رقصات بباب البحر” للشاعرة مليكة بنمنصور

منذ 55 دقيقة

3

0

بقلم: الحسن الكامح*

يظل فضاء البحر في المتخيل الشعري الإنساني والعربي وعمومًا، بؤرة إنتاج دلالي لا ينضب، وملاذًا تلوذ به الذات الشاعرة للاغتسال من أثقال الواقع والانعتاق نحو آفاق المطلق والتلاشي. وضمن هذه الدينامية الجمالية، يأتي ديوان “رقصات بباب البحر” للشاعرة المغربية مليكة بنمنصور (الصادر في طبعته الأولى عام 2021م عن مطبعة سجلماسة بمكناس)، ليمثل علامة فارقة في شعرية قصيدة النثر المغربية المعاصرة، وتجربة روحية وجمالية متميزة تحول فعل الكتابة إلى طقس تعبدي وفعل فداء كوني.

تنبع أهمية هذا الديوان من كونه لا يتعامل مع البحر كفضاء جغرافي فقط أو خلفية وصفية صامتة، بل يحوله عبر آليات الخيال والمجاز إلى ذات حية تشارك الشاعرة وجدها، وتقاسمها رقصاتها الروحية بباب مدينة طنجة. إنها تجربة مبنية على مفهوم القربان؛ حيث تغدو القصيدة والكلمات خطى راقصة تقدمها الشاعرة فداءً للمطلق ولعناصر الطبيعة المتدفقة. وتقصد هذه الدراسة مقاربة المعالم البنائية والجمالية الكامنة في تضاعيف الديوان من خلال تفكيك عتباته، وبنيته الموضوعاتية، ولغته، وصوره الشعرية.

أولاً: عتبة العنوان

يُمثل العنوان “رقصات بباب البحر” مفتاحًا نصيًا بالغ الأهمية؛ فهو ليس لافتة فحسب بل هو تكثيف استعاري للتجربة الشعرية بأكملها.

الرقصات: تحيل دلاليًا على الحركة، والتموج، والانعتاق من قيود الجسد، والطاقة الطقوسية. الرقص هنا ليس ترفًا، بل هو فعل تعبيري وجودي، أو كما تعلن الشاعرة في عتبة الديوان:

(لمشاهدتي أرقص جذلى بباب البحر…

أهدي رقصاتي الشعرية هذه قربانًا)ص3

باب البحر: مكان برزخي يقع بين الثبات (البر/ العتبة) والتحول (البحر/ المجهول/ اللانهائي). طنجة بوصفها فضاءً جغرافيًا كُتبت فيه معظم القصائد تمنح باب البحر بعدًا واقعيًا ممتزجًا بالأسطورة.

العنوان الفرعي الموازي:

ترفق الشاعرة العنوان بعبارة شارحة: قربانًا لهيرقل عشيق الموجات. هذا التناص الأسطوري يضفي مسحة يونانية قديمة على الفضاء النّصي، حيث تتحول القصيدة من مجرد بوح ذاتي إلى طقس فداء وقربان لآلهة البحر وقواه الخفية.

 ثانياً: بنية القصائد والفهرسة الهندسة النصية

يتشكل الديوان من بنية متجانسة ومتدفقة من المقطوعات والقصائد المرقومة والموسومة بعناوين تيماتية متداخلة. وتستبق الشاعرة نصوصها بـإشعاعات وعتبات تناصية (استشهادات) لشعراء كبار مثل: ساركون بولص، مظفر النواب، أمل دنقل، محمود درويش، محمد السرغيني، عبد الكريم الطبال، وغيرهم. هذا الاختيار المسبق يعكس وعي الشاعرة بتموقع ديوانها داخل شجرة الشعرية العربية المعاصرة التي تتخذ من البحر والوجود تيمات محورية.

تنقسم القصائد هندسيًا إلى مقاطع مرقمة يمتزج فيها الذاتي بالمكاني، وتتحرك من صدمة اللقاء الأول بالبحر بوصفه المطلق والغامض والرحال، مرورًا بإشراك الطبيعة كالريح بوصفها محفزًا على الطيران والانعتاق من سجن الطين، وصولًا إلى الغوص في التيه والسديم الكوني الوجداني عبر مقاطع ترتيلية تأخذ أبعادًا صوفية واضحة (مثل مقطع ثلاث آيات، يشهد البحر والليل).

ثالثاً: التيمات المهيمنة (الموضوعات المركزية)

تتداخل في الديوان تيمات وجودية وروحية، تنهل من عناصر الطبيعة والأسطورة:

تيمة البحر بوصفه كائنًا كليًا: البحر في الديوان ليس خلفية جغرافية، بل هو ذات تُحاور، وتُعشق، ويُرقص لها. هو مرادف للحرية، والمحو، والولادة الجديدة.

تيمة القربان والفداء: تكرار مفردة القربان يحيل على رغبة الذات الشاعرة في التماهي الكامل مع المحبوب/ البحر، وتقديم الكلمات والجسد فداءً لمحبة دون حدود ولا شروط.

تيمة الترحال والانعتاق الروحي: ثنائية (الطين/ الأجنحة) أو (البر/ البحر) تعكس رغبة الشاعرة في التخلص من أثقال الواقع والتحليق نحو “المطلق والغياب” والالتحام بالنوارس والموج.

تيمة الكتابة والقصيدة: فعل الكتابة يمتزج بالماء؛ فالمداد يصبح طوفانًا والكلمات تسقط على العتبات كخطى الراقصين.

رابعاً: البنية اللغوية والمعجم الإيقاعي

تتميز لغة مليكة بنمنصور في هذا الديوان بخصائص أسلوبية لافتة تمنح قصيدة النثر عندها فرادتها:

الهيمنة المعجمية المائية والكونية: حضور مكثف لألفاظ: (البحر، الموجات، النوارس، الطوفان، السيل، الشمس، الليل، الريح، المصب، الرمل). هذا المعجم يصبغ الديوان بـشعرية الأناشيد الكونية.

البنية التكرارية (التوازي اللفظي): تلجأ الشاعرة إلى تكرار العبارات لخلق إيقاع داخلي يعوض غياب الوزن الخليلي التقليدي، مثل تكرار: “هو البحر وهو البحر”، “أنا ذاهبة إليه”، “ربما كان… ربما كان”. هذا التكرار يحاكي صوت حركة أمواج البحر (المد والجزر) ويعوض الأذن موسيقيًا.

اللغة الصوفية/ الإشراقية: استخدام مفردات ذات حمولة روحية ودينية موظفة شعرياً مثل: (الملكوت، الآيات، التأويل، التجلي، الجوهر، الأزمان) لتخرج بالقصيدة من المألوف اليومي إلى المقدس الروحي.

خامساً: الصور الشعرية وآليات البلاغة الرؤيوية

تُمثّل الصورة الشعرية في الديوان الركيزة الجمالية الأولى؛ فالشاعرة تعيد تشكيل فضاء البحر عبر خيال مجازي يحوّل الكلمات إلى حركية متدفقة، وتتجلى آليات بناء الصورة فيما يلي:

تشخيص الطبيعة وأنسنتها: تبتعد الاستعارة هنا عن الوصف البارد لتدخل في أنسنة الموجودات؛ فالبحر كائن عاشق ومخاتل يناجي الشاعرة ويغازلها كلما لمست يداها موجاته، والريح تحضر كشريك وجودي وصديق يشاركها مواويل الاغتراب والرقص بباب البحر.

بلاغة المجاز المائي والكوني: تتأسس الصورة على تحويل أدوات الكتابة إلى عناصر سائلة؛ فالمداد يتحول إلى طوفان جارف لا يمسكه الشاعر بل هو من يمسك بالذات الشاعرة، وتتجلى سريالية الصورة في الكتابة بأطراف الرذاذ وفوق الموج، وهي صور بصرية بالغة الشفافية تدمج الفعل الإبداعي بالطبيعة.

الصورة الحركة (الرقص الدلالي): لا تقف الصور ساكنة، بل تتبع إيقاع الاهتزاز الروحي؛ فتتجسد الأحلام والظلال ككائنات تنام بين ضفائر الشاعرة، ويرتفع الجسد عبر الرقص ليصبح قربانًا يتجاوز سجن الطين نحو الانعتاق.

تداخل الحواس والتناص البلاغي: تتداخل الحواس في تشكيل الصورة: 

(تلألأ السماء

أتلألأ

 تفيض نجومًا أفيضُ) ص45

وهو مسلك إشراقي صوفي يُعلي من شأن التجلي الباطني، مدعوماً بتناص أسطوري هيرقل يضفي صبغة تراجيدية نبيلة على صراع الذات مع أمواج الوجود.

وفي ختام هذه المقاربة التحليلية لديوان “رقصات بباب البحر” للشاعرة المغربية مليكة بنمنصور، يمكننا أن نخلص إلى جملة من النتائج الأساسية:

العنوان لم يكن لافتة خارجية، بل تداخل كليًا مع المتن الروحي للشعر؛ فتحول فضاء باب البحر بطنجة إلى برزخ كوني تنتقل فيه الذات عبر الرقص من واقعها الطيني المقيد إلى عوالم التلاشي، وتضافرت التيمات (الماء، القربان، الانعتاق) لتشكل موضوعًا محورياً واحداً يعبر عن رغبة الذات في التماهي مع المطلق. كما تميزت لغة الشاعرة بقدرتها على المزاوجة بين معجم طبيعي مائي ونفس إشراقي صوفي، مستعيضة عن الوزن التقليدي بالتوازي والتكرار اللفظي المحاكي للموج.

أخيرًا، تجاوزت البلاغة أنماط التشبيه المألوفة نحو أنسنة وتشخيص عناصر الطبيعة وشعرية المحو والاغتسال بالماء. وتأسيساً على ذلك، يمثل هذا الديوان إضافة نوعية متميزة لكتابات المرأة المغربية؛ نجحت فيه مليكة بنمنصور في تطويع طاقتها التعبيرية لتجعل من الكلمة الحالمة أداة حقيقية لاختراق العتمات والقبض على ضوء الحياة، مكرسةً القصيدة بوصفها محبةً كونيةً خالصةً لا تحدها قيود أو شروط.

 

* كاتب من المغرب

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود