5
0
6
0
3
0
1
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13575
0
13419
0
12253
0
12157
0
9603
0
بقلم: حسن غريب أحمد*
تُقدّم الكاتبة نجوى الطامي في مجموعتها القصصية “رفيقات التراويح” وثيقة إنسانية وسردية بالغة العذوبة والعمق؛ إذ تتخذ من الفضاء الزماني لليالي رمضان المبارك، والفضاء المكاني لمصلى النساء في العاصمة البريطانية لندن، مسرحاً حياً لانبعاث الروح وتلاقي الهويات العابرة للقارات.
يتحول المصلى في هذا العمل من مجرد حيز فيزيائي مغلق لأداء الطقوس التعبدية، إلى واحة دافئة تحتضن شجون المغتربات وصناعة الأمل والسكينة وسط أجواء المهجر الصارمة بجديتها وماديتها. إنها محاولة جادة لإعادة ترسيم حدود الجغرافيا البشريّة انطلاقاً من جغرافيا القلوب النورانيّة الممتدة.
الثيمات الرئيسية والدلالات الفكرية
تتمحور المجموعة حول ثيمات محورية غاية في النضج الفكري والوجداني؛ في مقدمتها ثيمة “الكونية الإيمانية” وثيمة “المؤاخاة الروحية الفطرية”.
تضعنا الكاتبة أمام نماذج نسائية من شتى بقاع الأرض، جئن محملات بملامحهن وثقافاتهن المتنوعة: من “سابي وسمينة” اللتين تجسدان عفوية العطاء والود الإنساني باللغة الأردية، إلى السيدة “عارفة” العارفة بالله بزهدها وصفائها اليماني، وصولاً إلى “فاطمتين من قلب إفريقيا” ببشاشتهما الطبيعية، و”ساجدة” الحاملة لتاريخ أجدادها الصامدين في جنوب إفريقيا، و”سارة دهبية الأمازيغية” المغربية، و”فِريشته” الملاك الأفغاني المثقل بشجن الحروب، و”عليمة” التي تروي قصة الصمود وانبعاث العقيدة الحرة من البلقان وتحديداً من ألبانيا.
وتتجاوز الدلالة الفكرية هنا حدود رصد الطقس الديني العابر، لتقدم فلسفة واعية وعميقة حول “جغرافيا الروح” التي تذيب الفوارق العرقية واللغوية بوعي تام.
النص يمرر رؤية إبداعية تؤكد أن النفوس المتصلة بالسماء قادرة على تشييد “أوطان بديلة” متكاملة الأركان، تذوب على عتباتها وحشة الاغتراب وقسوة الابتلاءات الجسدية والنفسية، تماماً كما تجلى في ثبات السيدة “ميمونة” وصبرها على البلاء، وكما انفتح النص بوعي نقدي وتساؤلي على قضايا وطنية وقومية كبرى، مثل قضية “نزيف العقول والهجرة العلمية العربية” التي أثيرت بمرارة شجية في فصل الطبيبة المصرية “فايزة”.
البناء السردي والسمات الفنية
يتأسس المعمار السردي للمجموعة على تقنية “اللوحات الفسيفسائية المتكاملة”؛ حيث يستقل كل فصل بحكاية رفيقة معينة قائمة بذاتها، لكنها تلتحم وتتشابك جميعاً في خيط وجداني وزماني واحد يمنح النص تماسكاً بنيوياً لافتاً. وتظهر السمة الفنية الأبرز في استخدام الكاتبة لتقنية “جغرافيا الحواس”؛ وتحديداً حاسة الشم عبر توظيف “الذاكرة العطرية” وفلسفة استحضار الأوطان من خلال دخان بخور عدن الأصيل في فصل “فردوسة”، بوصفه آلة زمن عبقرية تعبر البحار لتستدعي ذكريات الأهل والأحباب الراحلين.
يتنقل البناء السردي بمرونة وثبات بين “المشهدية البصرية المقربة” التي ترصد تفاصيل العطاء الصامت، والتهادي، وتقاسم حبات التمر والابتسامات بعد كل تسليمة كما في فصل “عطية”، وبين “اللقطات الحركية الحيوية والديناميكية” التي تحتفي بوعي الجيل الجديد ومواكبته لروح العصر مع التشبث بالجذور، متمثلاً في حركة “ماريا الذكية” الشابة و”كارما الأوزبكية”.
ويصل هذا البناء المعماري إلى ذروته التنويرية والارتدادية في فصل “بكى الشيوخ فبكينا”، حيث يتحول السرد بذكاء من رصد الحالات الفردية إلى صياغة “الحالة الوجدانية الجمعية” التي صهرت الجميع عبر “سيميائية الدموع الخاشعة” كإيقاع كوني موحد يتجاوز حواجز الألسن والألوان.
اللغة والأسلوب
صيغت المجموعة القصصية بأسلوب ينبض بـ “الشعرية الواقعية الشفيفة”؛ لغة دافئة، عذبة، وميسرة، تبتعد تماماً عن المباشرة الوعظية التقليدية والخطابة الجافة، لتقترب برقة من القارئ العام وجمهور الصحافة الثقافية. استثمرت الأديبة نجوى الطامي طاقة الوصف الحسي والبوح الهادئ المشحون بالدلالات النفسية، واعتمدت على جمل قصيرة ومكثفة ومترابطة تفيض بظلال النور، والشجن، والسكينة الدفينة. إنه أسلوب بليغ ومتمكن، لا يكتفي برصد الواقع الفيزيائي أو اليوميات الرمضانية العابرة، بل يحولها برهافة بالغة إلى مديح سردي دافئ للنقاء الفطري، والتضامن البشري النبيل، والجمال الإنساني الخالص في أسمى صوره الروحية.
في المحصلة، تنهض “رفيقات التراويح” كعمل أدبي متميز وأصيل، يثبت بالبرهان الإبداعي الساطع أن الإنسانية المشتركة قادرة على قهر المسافات وضباب الاغتراب الحالك، متى ما التقت القلوب الصادقة على بساط المحبة والسلام والوئام الروحي.
المراجع :
1-نبيلة إبراهيم (2000). فن القص في النظرية والتطبيق. القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر.
2-حسن بحراوي (1990). بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخصية. بيروت: المركز الثقافي العربي.
3-حميد الحمداني (2000). بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي. بيروت: المركز الثقافي العربي.
4-سعيد لحميداني (1991). بنية الخطاب السردي في الرواية والقصة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
5-سعيد يقطين (1997). تحليل الخطاب السردي: السرد، الزمن، التبئير. بيروت: المركز الثقافي العربي.
*ناقد- سارد- مصري