مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

إعدادـ هدى الشهري بدر شاكر السياب شاعِرٌ عِراقِي، يُعَدُّ واحِدًا مِن أشْهَرِ ال …

بدر شاكر السياب.. شاعر المنعطفات

منذ 57 دقيقة

2

0

إعدادـ هدى الشهري

بدر شاكر السياب شاعِرٌ عِراقِي، يُعَدُّ واحِدًا مِن أشْهَرِ الشُّعَراءِ العَربِ فِي العَصرِ الحَدِيث، ساهَمَ بالاشْتِراكِ معَ كِبارِ الشُّعَراءِ مِن أَمْثال: «صلاح عبد الصبور»، و«أمل دنقل»، و«لميعة عباس عمارة»، وغَيرِهِم فِي تَأْسِيسِ مَدْرسةِ «الشِّعْر الحُر»، كما كان معجباً بالشاعر العراقي محمد الجواهري الذي لُقب بمتنبي العصر، وكثيراً ما أشاد به واعتبره أعظم شاعرٍ وخاتم شعراء النهج التقليدي للشعر العربي، بعد المتنبي والجاحظ والمعري الذين يعتبرهم السّيابُ “العمالقة الثلاثة”، بذلك فالسياب يعتبر من أعظم رواد حركة التجديد للقصيدة العربية، وعلى الرغم من وفاته صغيرًا، فإنه أنجز ما لم ينجزه غيره من الشعراء.

في مرحلة مبكرة من طفولته، اقتحم السيّاب عقبة الأدب، وخاض بحور الشعر وحاول مع القصيدة وهو طفل يقرأ في الابتدائية ويساعد جده في رعي الغنم، إذ ألهمته فتاة من القرية تخرج للرعي في أطراف الحي قول القريض ومحاكاة الشعراء، وهو ما عبّر عنه لاحقًا في قصيدة (ذكريات الريف):

تذكّرت سرب الراعيات على الرّبى

وبين المراعي في الرياض الزواهر

أقود قطيعي خلفهنّ محاذرا

وأنظر عن بعد فيحسر ناظري.     

تأثّر السيّاب أثناء تطور مراحل شعره ببعض شعراء العرب القدامى والمحدثين وبعض شعراء الغرب، لاسّيما في الخمسينيات، إذ تأثر بالشاعرين البريطانيين شكسبير وكيتس، وقد نُقل عن السيّاب قوله: “وأكاد أعتبر نفسي متأثراً بعض التأثر بكيتس من ناحية الاهتمام بالصور، بحيث يعطيك كل بيت صورة، وبشكسبير من ناحية الاهتمام بالصور التراجيدية العنيفة، وأنا معجب بتوماس إليوت، متأثر بأسلوبه لا أكثر، ولا تنس دانتي فأنا أكاد أفضّله على كل شاعر” وقد أفادته مطالعته للأدبين البريطاني والفرنسي، حيث تعرّف على ألوان جديدةٍ من الشعر. 

كتب الكثير مِنَ القَصائِدِ والمَجْموعاتِ الشِّعْريةِ الَّتي تَميَّزتْ بالتَّدفُّقِ الشِّعْريِّ والتَّمرُّدِ عَلى الشَّكلِ التَّقلِيديِّ للقَصِيدة، مِنْها: «أَزْهارٌ ذابِلة»، و«أَساطِير»، و«المُومِس العَمْياء»، و«الأَسْلِحة والأَطْفال»، وغَيْرُها، كما أَسْهَمَ  فِي تَرْجَمةِ الكَثِيرِ مِنَ الأَعْمالِ الأَدَبيَّةِ والشِّعْريَّةِ العالَميَّة، التي جمعها في كِتابٍ سمَّاه: «قَصائِد مُخْتارة مِنَ الشِّعْر العالَمِي الحَدِيث».

وقد وصف الكثير من النقاد والشعراء السياب بـ”رائد الشّعر الحر”، إذ ظهرت أولى قصائد هذا الشعر، الذي تحرر من نظام الشطرين، حيث نشر أول قصيدة له عنوانها (هل كان حبًا؟)، فيقول:

هَلْ تُسمّينَ الذي ألقى هُياما؟
أَمْ جنوناً بالأماني، أم غراما؟
ما يكون الحب، نَوْحاً وابتساما؟
أم خُفوقَ الأضلعِ الحَرى، إذا حانَ التلاقي
بين عَينينا، فأطرقتُ، فراراً باشتياقي
عن سماءٍ ليس تسقيني، إذا ما؟
جئتُها مستسقياً، إلاّ أواما
فقد كسّرت هذه القصيدة النظام العمودي للقصيدة العربية الكلاسيكية، واعتمدت أساليبًا غنائية جديدة، اعتبرها النقاد إيذانًا بحداثة شعرية تثور على القيود القديمة والروي والقافية.

ويمكن للقارئ ملاحظة نوعين من الصور الفنية في شعر السيّاب، النوع الأول هو الصورة البسيطة التي تحاكي -ولو قليلًا- صور الشعراء القدماء، وتقوم على علاقات التشبيه والاستعارة ونحوها، وهي الأكثر حضورًا في شعر السياب، منها ما قاله في قصيدة (عبير):

عطَّرتِ أحلامي بهذا الـشَّذى

من شَعركِ المُسترسِل الأسودِ

 وما قاله في قصيدة (يا غربة الروح) إذ يقول:

يا غربةَ الروح في دنيا من الحَجَرِ

والثلج والقار والفولاذ والضجرِ

يا غربة الروح لا شمسٌ فتأتلقُ

فيها ولا أُفُقُ
يطير فيه خيالي ساعةَ السَّحَرِ
كما يقول في قصيدته (دار جدي):

مطفأة هي النوافذ الكثار

وباب جدّي موصد وبيته انتظار

وأطرق الباب فمن يجيب يفتح؟

تجيبني الطفولة الشباب منذ صار

: جيبني الجرار جف ماؤها فليس تنضح

“بويب”، غير أنها تذرذر الغبار

مطفأة هي الشموس فيه والنجوم

الحقب الثلاث منذ أن خفقت للحياة

في بيت جدي ازدحمن فيه كالغيوم

تختصر البحار في خدودهن والمياه

 تميزت أشعاره بصبغتها الوطنية والأخلاقية والدينية، كما تميزت بثراء المعنى وجمال الكلمة والأسلوب، فقد أحبّ السيابُ وطنه بطريقة مخيفة، وظلّ صوتًا للمُتعبين في وطن يرزح تحت وطأة الاستعمار والجهل والتّخلف، فرغم كل العراقيل، إلاّ أنّه قرض بيوتًا للثّورة الشّعبية، التي هزّت المُستعمر وأحدثت رجّة في أركانه.

وفي الفترة التي قضاها بعيدًا خائفًا، نظم قصيدته الشهيرة (غريب على الخليج)، التي اتشحت بالسواد، مع غزارة الصور الإيحائية، ورقة الإيقاع، كما تضمنت الكثير من العواطف والمشاعر، واعتمدت على أسلوب التقديم والتأخير، باستخدام ألفاظ سهلة تعبّر عن وجدان الشاعر، مع التنويع بين الأساليب الإنشائية والخبرية، التي يقول فيها:

الشمس أجمل في بلادي من سواها , والظلام
حتى الظلام هناك أجمل, فهو يحتضن العراق
واحسرتاه, متى أنام
فأحس أن على الوسادة
من ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق؟
بين القرى المتهيبات خطاي والمدن الغريبة
غنيت تربتك الحبيبة.

أجمع النقاد أن السياب مر في غمرة تجربته الشّعرية،  بثلاث منعطفات مهمّة (الرومانسية أو سؤال الذّات، الواقعية الجديدة، العودة إلى الذات (الذاتية).

ومما ترك تأثيرًا كبيرًا عليه وفاة والدته وهو صغير، ففقد بذلك الحنان والأمان، ما ترك تأثيرًا كبيرًا في نفسه، فكتب حينها قصيدته (خيالك)، وفيها يقول:

خـيـالك مـن أهـلي الأقـربين

أبَـــرّ وإن كــان لا يــعــقــل

أبي منه قـد جردتني النسـاء

وأمي طواها الردى المُعجل

كانت قصائدهُ تمور بكل ما حملته أصوات العراقيين المحبطين عبر العصور، من آهات المرارة وويلات الاستبداد والقهر والشجن العاطفي، الذي ما فتئ يلامس سدرة المنتهى في أعماله الأخيرة، غداة أن أعياه المرض وسُدّت أمامه سبل النجاة، وفي ذلك يقول:

فـي كــل قــــطــرة مـــن الــمـــطــرْ

حـمراء أو صـفراء من أجنّة الـزهَـرْ

وكل دمـعـة مـن الـجـيـاع والـعــراة

وكـل قـطـرةٍ تـراق مـن دم الـعــبيـدْ

فهْي ابتسامٌ في انتظار مـبسم جـديـدْ

يذهب بعض النّقاد إلى أنّ حياة السياب كانت بئيسة، رغم عطاءاته الشعرية والفنية والنقدية، إلاّ أنّه يرمز في كثير من وجوهه إلى غربة المبدعين العرب الكبار وعزلتهم العميقة، إزاء مجتمع آيل إلى المزيد من الانتكاسات الثقافية، بسبب الرجوع غير العقلاني للماضي، وبفعل تصاعد موجات الرداءة في الأوطان “العربية”، وتنامي هامشية دور المثقفين العرب وتراجع إمكانات تأثيرهم على العوام.

حرص السياب على أن يبين كيف يتمثل الشاعر الحر، المجتمع الذي يعيش فيه، وكيف باستطاعته أن يعبر عن الجراح الجماعية والندوب، بشكل عميق يلتقي فيه الواقعي بالأسطوري، وهذا ما يفسّر اعتماده كمّا هائلًا من الرموز والأساطير.

كما تضامن السّياب مع حقوق المرأة الاجتماعية، وكتب في هجاء بعض التقاليد التي تُخضعُ الإناث في المجتمعات الطبقية الأبوية، لما يشبه عمليات “البيع”، فيقول في قصيدة (عرس في القرية):

يا رفاقي سترنو إلينا نوار

من عل في احتقار

زهدتها بنا حفنه من نضار

خاتم أو سوار وقصر مشيد

من عظام العبيد

وهي يا رب من هؤلاء العبيد

امتلك السياب نزعة للثورة على الصورة التقليدية للشعر العربي، وعلى النظام العقلي الموروث، وقد ساعده في ذلك (الجرأة التي كان يمتلكها في طبعه، والتحرك الاجتماعي و السياسي، وانفتاحه على أدب الغرب وطريقتهم في التفكير والتغيير) .

كما تجسدت مأساة فلسطين عنده في قصيدته (قافلة الضياع) حيث يقول:

أرأيت قافلة الضياع؟ أما رأيت النازحين؟

الحاملين على الكواهل، من مجاعات السنين
آثام كل الخاطئين
النازفين بلا دماءْ
السائرين إلى وراءْ
كي يدفنوا «هابيل» وهو على الصليب ركام طين؟

كما يُسقط الشاعر حالته النفسية على بعض مظاهر الطبيعة، فيقول:

وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب

فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب

حشد من الحيوات والأزمان، كنا عنفوانه

كنا مداريه اللذين ينام بينهما كيانه

أفليس ذاك سوى هباء؟

حلم ودورة أسطوانه؟

إن كان هذا كلّ ما يبقى فأين هو العزاء؟

ولن أجد خاتمة لمقالي أجمل من رائعته الشهيرة (أنشودة المطر)، التي يعدّها النقاد من أجود وأروع ما قيل في الشعر الحديث شكلاً وموضوعاً، فقد جمعت كل المعاني الطيبة التي يحبها الإنسان الشريف؛ ففيها الحب وحب الوطن والأرض والروح القومية، وهي تشكل مثالاً لا مثيل له من الشعر الحر أو ما سمي فيما بعد بشعر التفعيلة في الشعر العربي الحديث، فالنص يتصف بالوحدة الموضوعية، وهو من لون الشعر الملتزم الذي يعالج قضايا الأمة. وفيه استشراف لما يحلم به الشاعر وشعبه من تغير نحو الأفضل، فهي أيقونة الحداثة الشعرية العربية، حيث يقول شوقي بزيع “إنّ هذه القصيدة افتضّت الحدود الزمانية، أي فترة حياة السياب، والمكانية، أي العراق، لتتحول إلى صرخة كونية ضد الفقر والعقم والتصحر الروحي”، يقول في مطلعها:

عـينـاك غـابـتـا نـخيـلٍ سـاعـة الـسـحـر

أو شرفـتـان راح يـنأى عـنهـمـا الـقـمـر

عـينـاك حـين تبـسـمـان تـورق الكـرومْ

وترقص الأضواء.. كالأقمار في نهر
يـرجُّـه الـمجـذاف وهنًا سـاعـة الـسحـر
كأنمـا تـنـبض فـي غـوريهمـا، الـنُّجـومْ

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود