48
0
298
0
49
0
36
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12622
0
12116
1
12089
0
11248
5
9025
0

نجلاء سلامة*
نظرةٌ ثابتةٌ رقيقةٌ منكسرةٌ تتملك صاحبها، ويتمنَّى أنْ تطول وتبقى أكثر وقتٍ ممكن، بها الكثير من الكلام والذّكريات والتّعابير الصّامتة، بها أيادٍ ممسكة ببعضها البعض لا يراها أحد إلا المودِّع، بها وصايا وأمنيات لم تتحقّق بعد وبها قلبٌ ينزف من ألم الفراق.
إنَّ للوداع لغة لا يجيدها ولا يفهمها إلا المودِّعون، ومذاقٌ مرٌّ لا يشبه أي مذاق، فالكثير منَّا تعرض بشكلٍ ما للحظات وداعٍ مع أحد الأحبة، فهناك
منْ ودَّع الأم ومن ودَّع الأب أو الأخ أو الابن أو الزوج أو الصديق أو…
الأحبة يرحلون ويتركون لنا وداعًا وعدة آلام، هم يرحلون ويتركون لنا روحًا منطفئة وقلبًا منكسرًا، كان بوجودهم ينبض بالحياة، لكن فراقهم أصبح نبضه لا حياة فيه.
لا شك أنَّ لحظات الوداع مهما طالت فهي قصيرة، لأننا جميعًا حينها نتمنَّى لو يتوقف الزمن، وتتعطل عقارب الساعة ليظل كل منَّا ينظر
لمفارِقِه، لكن دون جدوى؛ فالفراق آتٍ لا محالة وشئت أم أبيت لن يتغير شيء، بكيت أم انحبست دموعك، لن يتغير شيء، فكل ما تشعر به من ألم ما هو إلا بداية جرحٍ غائرٍ أحدثه ذهاب شخصٍ عزيز، وهذا الجرح للأسف لا يطيب أبدًا، لكنّه يختفي وسط زحمة الحياة وانشغالاتها في مكانٍ عميقٍ في القلب، حتى ما إذا جاءت ذكرى لذاك عزيز القلب، حَرّكت الجرح من الأعماق وطفا على سطح القلب، ليصرخ بأنَّه لم يندمل بعد، وتصاحبه ابتسامة باهتة غير مكتملة، وصورة خاطفة لصاحب الذكرى.
فكرت كثيرًا وتساءلت ما الذي سيحدث لو علمنا بفراق عزيز علينا؟ هل سيتغير شيء لو علمنا بوقت الفراق؟ هل سنجلس معه أكثر؟ هل سنتحدث إليه أكثر؟ هل سننظر إليه أكثر؟ هل سنحبه أكثر؟
للأسف، باءت كل محاولاتي في الإجابة على الأسئلة السابقة بالفشل، لأنّني وجدت أنّنا مهما جلسنا مع أحبتنا لن نشبع منهم أبدًا، ومهما تحدثنا لن نمل، ومهما نظرنا لن نكتفي، لذا، فالأفضل من هذا كله أن نسترق النظر لهم دومًا، وألا نؤجِّل الحديث معهم، فكلمَّا أتيحت الفرصة لا نضيعها، ولنسرق اللحظات والساعات للجلوس معهم؛ حتى نملأ مخزون الذكريات الذي سنستعين به بعد الفراق.
لا تُضيعوا لحظات العمر في الفراق، فكم من أحبةٍ لنا نعيش وهم يعيشون، لكن الفراق قد حلَّ بيننا لأمرٍ من أمور الحياة، وعندما يحدث الفراق الحقيقي، ونجد فجأة أنهم لم يعودوا بيننا، تحدث الصدمة ونجلس للتمنّي والتحسُّر، ونحاول إيجاد ذكرى تُصبّرنا، لكننا نجدها بعيدة فتزيدنا حسرةً وندمًا.
إنْ وجدتم أعينكم وقت الفراق غرقى بالدموع فاتركوها تبكي، لعلّ ذلك يخفف من ألم تلك اللحظات العصيبة، فكما قال الشاعر:
لا تعذلوا العينَ إنْ فاضت مدامِعُها .. إنَّ الفراقَ على من ذاقهُ جَلَلُ
كل البلايا على الإنسان هيِّنةٌ .. إلّا فراق عزيز ضمّهُ الأجلُ
اجلسوا مع أحبتكم وتشبّعوا منهم وأطيلوا النظر إليهم واحفروا ملامحهم في ذاكرتكم، أما عن نظرة الوداع فاعلموا أنها مؤلمة جدًا ولا يمكنكم نسيانها ما حييتم ولا تجاوزها، فهذه هي الحياة.
*كاتبة مصرية
التعليقات