الأكثر مشاهدة

بقلم: فهد المطيري* عد بي إلى النيلِ لا تسال عن التعبِ                            …

حين يلعب الموج بقارب الشوق والحنين.. قراءة نقدية لقصيدة (عد بي إلى النيل) للشاعر السوداني سيف الدين الدسوقي

منذ يوم واحد

39

0

بقلم: فهد المطيري*

عد بي إلى النيلِ لا تسال عن التعبِ                                        

                     الشوق طي ضلوعي ليس باللعبِ

لي في الديار ديارٌ كلما طرفت عيني

                       يرف ضياها في دجى هُدبي

وذكرياتُ أحبائي إذا خطرتْ

                أُحسُّ بالموجِ فوقَ البحرِ يلعب بي

شيخ كأن وقار الكون لحيته

                    وآخرونَ دماهُمْ كونت نسبي

وأصدقاء عيون فضلهم مدد

          إن حدثوك حسبت الصوت صوت نبي

أمي التي وهبتْ حرفي تألقَهُ

             تجيء رحمتها من منبعٍ خصبِ

وإن تغيّبَ في دربِ الحياةِ أبي

             قامت إلى عبئها أيضًا بعبء أبي

والناس في وطني شوق يهدهدهم

                كما يهز نسيم قامة القصب

والجار يعشق للجيران من سبب

                 وقد يحبهم جدًا بلا سبب

الناس أروع ما فيهم بساطتهم

             لكن معدنهم أغلى من الذهب

عد بي إلى النيل لا تسأل عن التعب

            قلبي يحن حنين الأينق النجب

من كان يحمل مثلي حب موطنه

        يأبى الغياب ولو في الأنجم الشهب

ثارت جراحي نيراناً يؤججها

       عدو الرياح على قلبي وفي عصبي

كنا سماءً تبث الخير منهمرًا

        على البلاد كقطر الديمة السكب

وكان موطننا عزًا ومفتخرًا

        ما هان في عمره يوماً لمغتصب

وقدوة لشعوب لا تماثلنا

      في الحلم والعلم والأخلاق والأدب

والكنز كان هو الإنسان مكتملاً

                في محفل الجد لم يهرب ولم يغب

والنيل إن فاض أروتنا جداوله

                 وإن تراجع جاد النخل بالرطب

والحب أروع ما في الكون نغزله

          خيطاً من الشمس أو قطراً من السحب

والحنبك الفذ في الأشجار لمعته

          أزرت بكل صنوف الكرم والعنب

والناس قاماتهم طالت إذا هتفوا

       بالشمس جيئي تعالي ها هنا اقتربي

جاءت على خجل حيرى تسائلهم

      من ذا على النيل يا أحباب يهتف بي

ماذا أصاب ضمير الناس في زمن

            صعب كأن به داء من الكلب

هذا زمان غريب كيف نعرفه

        أو كيف يعرفنا من زحمة الحقب

أرجع إليَ شباب العمر مؤتزراً

     بالحب والوصل لا بالوعد في الكتب

وارفع عن القلب ما يلقاه من عنت

      واغسل عن الوجه لون الحزن والغضب

فقد أعود كما قد كنت من زمن

          فخر الشباب ورب الفن والأدب

من خلال استقرائي لقصيدة (عد بي إلى النيل…) للشاعر السوداني/ سيف الدين الدسوقي رحمه الله، فإني رأيت أن أسلك في نقد القصيدة المنهج الاجتماعي، حيث تعبر القصيدة بصورة واضحة عن مجتمع الشاعر (السودان).

العلاقة بين الأديب ومجتمعه علاقة وثيقة، فالأدب ولد من رحم المجتمع وسأنطلق في قراءتي للقصيدة من المحددات التالية:

  • الشوق والحنين:

في هذه القصيدة البديعة يطلعنا الشاعر على مدى شوقه وحنينه الذي أفرزته مرارة الغربة، ويقدم صورة واضحة ترتكز على الشوق والتصاق النظر دائمًا ببلده، مع تصوير البعد في صورة  تأبى فيها عينه إلا أن تعيد صورًا لدياره كامنة في بصره، تعود إليه كلما طرفت عينه، وفي حالة من حالات الالتحام يرينا الشاعر مفاده أنه إذا كانت العين التصقت بجسده، فصورة وطنه التصقت بعينه وهي محاولة (ربط آلي بين النص والواقع)، وتخالط هذه الصورة ذكريات الأحبة الجميلة التي لم تغب عن عينه، ويرسم الشاعر لوحة تأخذ من النيل جمالها، كأنه يحدث سفينة أو قارب ليعود إلى النيل، حيث الشوق الحنين، يقول:

عد بي إلى النيل لا تسأل عن التعب     الشوق طي ضلوعي ليس باللعب

لي في الديار ديار كلما طرفت عيني     يرف ضياها في دجى هدبــــــي

  • العلاقات الاجتماعية

شكلت ذكريات الأحبة قيمة اجتماعية تراتبية في القصيدة، وهذا ما يدل على التوازن والوضوح والدقة في ذكر الأهم فالأهم، في وصف العلاقات الاجتماعية ومنها: العلاقة بالأهل: الأب والأم ثم الأصدقاء الذين وضعهم في عينه (وأصدقاء عيون…)، والجيران، والتعبير عن المضمون بعبارات تتلاءم مع الواقع بصورة حسية.

(ذكريات أحبائي – شيخ كبير – آخرون دماهم كونت نسبي – أمي – أبي – الناس في وطني – الجار يعشق للجيران من سبب – بساطة الناس – معدنهم النفيس).

  • ومن البساطة والوضوح والحس المرهف المنساب في ثنايا القصيدة، نجده يصف حال طبقة مجتمعه، حيث التآلف والمحبة والتعاون، وليس بينهم فرق فهم طبقة واحدة يجمعهم الشوق، بسطاء وهذه البساطة أروع ما فيهم، لكن معدنهم أغلى من الذهب، في صورة تتزاحم فيها قيم الأخلاق والاحترام والتعاون.

وقد وفق الشاعر في أثناء نظرته لمجتمعه في بث روح الحركة المفعمة بالحب وتمثيل عاداتهم وتقاليدهم وحبهم لوطنهم، ولعلنا هنا نؤكد على أمر جلي في نَفَس القصيدة، فالقصيدة تفوح منها رائحة الواقعية واستطاع الشاعر تصوير العلاقات من داخلها، وجسد لنا حقيقة الشوق للوطن وللأحبة وللطبيعة والحنين للناس للأرض، فيقول:

والنيل إن جاد أروتنا جداولـــــه       وإن تراجع جاد النخل بالرطـــــــــــب

والحب أروع ما في الكون نغزله      خيطًا من الشمس أو قطرًا من السحب

والحنبك الفذ في الأشجار لمعته        أزرت بكل صنوف الكرم والعــــــنب

  • التحليل اللغوي الاجتماعي:

مما نجده أن الشاعر يخاطب المجتمع بلغة فخمة راقية، ولكن يفهمها كل الناس، فيقول:

(عد بي إلى النيل – وذكريات أحبائي – الموج يلعب بي – وقار الكون لحيته – فضلهم مدد – قامة القصب).

ونجد اللغة العالية الرصينة التي تنبع من التراث، مثل:

(لي في الديار ديار – إن حدثوك حسبت الصوت صوت نبي – معدنهم أغلى من الذهب – ثارت جراحي نيرانًا يؤججها عدو الرياح).

وفي آخر القصيدة بعد أن أوغل في شوقه وحنينه ووصف حال مجتمعه، التفت للشباب مخاطبًا إياه، حيث يدعوه أن يرجع إليه وأن يرفع عن القلب ما يلقاه من عنت ويغسل وجهه من لون الحزن، وهذه إشارة لما يفعله الشيب في نفس الشاعر.

ويطيب لي أن أختم هذه القراءة بالحديث عن بعض الظواهر والسمات التي تقتطف من القصيدة.

لقد عبرت العاطفة في هذه القصيدة عن سبب صحيح غير زائف وهو الشوق والحنين، وقد قادنا ذلك للصدق الفني والتصوير الواضح المحسوس، كما تحدثت القصيدة عن موضوع واحد، ويدهشنا في القصيدة ذلك الأسلوب الذي يسري في ثنايا القصيدة، ويتميز بالحس المرهف المنساب الذي دعته حرقة الشوق والحنين، من مثل: (أحس بالموج فوق البحر يلعب بي – شيخ كأن وقار الكون لحيته – قلبي يحن حنين الأينق النجب – الناس في وطني شوق يهدهدهم كما يهز نسيم قامة القصب)، كما يلاحظ أن لغة القصيدة لغة ساطعة معبرة، ويلاحظ أيضًا انتقاء الشاعر لمفرداته: فالمركب يعود إلى النيل، والشوق يطوي ضلوعه، والموج يلعب به، والناس يهدهدهم الشوق، والجار يعشق الجار، والجراح تثور، والكنز هو الإنسان، والمعدن ذهبًا، والشمس لها خيوط، وشباب العمر يأتزر بالحب والوصل.

*كاتب سعودي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود