45
0
205
0
30
0
19
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12621
0
12107
1
12089
0
11244
5
9021
0
إعدادـ هدى الشهري
وُلد حسان بن ثابت ونشأ في أسرة كريمة من قبيلة الخزرج، حيث أدرك -رضي الله عنه- الجاهلية والإسلام، وكان يمدح المناذرة والغساسنة ويقبل صلاتهم، لكنه بالغ في مدح آل جفنة من ملوك غسان، فأغدقوا عليه العطايا، وملأوا يديه بالنعم، ولم ينكروه بعد إسلامه وتنصرهم، فجاءته رسلهم تتري بالهدايا من القسطنطينية، فيقول فيهم:
يسقون من ورد البريص عليهم
بردى يصفق بالـرحيق السلسـل
بيض الوجوه كـريمة أحسابهـم
شـمُّ الأنـوف من الـطـراز الأول
تميّز بموهبته الشعرية منذ صغره، وأبدع في نظم القصائد التي تتغنى بأمجاد قومه وتاريخهم، فكان حسان شاعر الخزرج ينافح عنهم ويرد على شعراء الأوس في الأيام والحروب التي وقعت بين الحييّن الأوس والخزرج، حيث قالت عنه العرب قديمًا: أهل يثرب أشعر أهل المدر وحسان أشعر أهل المدينة، وبيته أعرق بيت في الشعر بين العرب، وقد وصف نفسه بأبلغ وصف حين قال رضي الله عنه:
لِساني وَسَيفي صارِمانِ كِلاهُما
ويبلغُ ما لا يبلغُ السيفُ مذودي
ولما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أسلم (حسان) مع الأنصار، وانقطع إلى مدحه والذود عنه، وأصبح بمثابة الشاعر المنافح عن دين الإسلام، فاشتهر بذلك ذكره، وارتفع قدره، وعاش ما عاش موفور الكرامة، مكفي الحاجة، من بيت المال. وبعد إسلامه كرّس شعره للدفاع عن الإسلام والرد على خصومه، فكان لسانًا ناطقًا ببلاغة الإسلام وحكمة رسوله الكريم، وقد كان شعره كغيره من المخضرمين يجمع بين صورتين فنيتين صادقتين للشعر، إحداهما جاهلية، والأخرى إسلامية، تعد مظهرًا قويًّا لتأثر الأدب الإسلامي بالقرآن والحديث، وأحداث الإسلام وعقائده، فكان شاعر النبي ﷺ وقد اختص بهذا اللقب بين الشعراء، فكان بلسانه المدافع والمنافح عن حمى الإسلام، والذائد والمادح لخير الأنام.
وكان قويًا في ألفاظه، بارعًا في حُسن نظمه، يدل عليه ما روته عائشة رضي الله عنها: قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ النَّبِيَّ ﷺ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: «كَيْفَ بِنَسَبِي؟» فَقَالَ حَسَّانٌ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، وكان نتيجة ذلك ما روته عَائِشَةُ رضي الله عنها بقولها: “سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لاَ يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ”، وَقَالَتْ: “سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى”، فكان شعره أشد من وقع السهام في جنح الظلام، وقد قالت العرب إن أنصف بيت في الشعر هو قول حسان:
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنهُ
وعندَ اللهِ في ذاكَ الـجزاءُ
أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُـفْءٍ
فَشَرُّكُمـا لِخَيْرِكُمَا الـفِـداءُ
وقوله مادحًا ﷺ حين قال:
وضمَّ الإلهُ اسـمَ النبيّ إلى اسـمهِ
إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ
وشــقّ لــهُ مـنِ اسـمـهِ لـيـجــلـهُ
فذو العرشِ محمودٌ وهـذا محمـدُ
ومن جميل شعره قصيدته العصماء، التي يقول فيها:
هَــجَــوتَ مُـبـارَكًـا بَـرًّا حَـنـيـفًـا
أَمــيــنَ اللَهِ شـيــمَــتُــهُ الــوَفـاءُ
فَـمَـن يَـهـجـو رَسـولَ اللَهِ مِنـكُـم
وَيَـمـدَحُـهُ وَيَـــنــصُـــرُهُ سَــواءُ
فَــإِنَّ أَبــي وَوالِــدَهُ وَعِــرضــي
لِـعِــرضِ مُــحَـمَّـدٍ مِـنـكُـم وِقـاءُ
وقد تغنى بالمدينة واصفًا طبيعتها الطبوغرافية ومميزاتها الزراعية والعمرانية، في شعر مركز العبارة شامل المعنى:
لـنـا حـرة ٌ مـأطـورة ٌ بـجــبـالـهـا
بـنى الـمـجـدُ فـيهـا بيتـهُ فـتأهـلا
بها النَّخْلُ والآطامُ تجري خِلالَها
جداوِلُ قد تعـلـو رِقـاقًـا وجَـرْوَلا
وهو أمير نفسه في شعره؛ فلم يلتزم مذاهب غيره من شعراء عصره، كزهير، والنابغة وغيرهم، ولم يتكلف في شعره، ولم يهتم بتنقيحه، بل كان يرسله كما أوحت به القريحة، وكثيرًا ما اضطرته بعض المواقف الإسلامية إلى الارتجال، فلا غرابة أن تنوعت أساليبه ومعانيه، وتباينت ألفاظه ومبانيه، واجتمعت في قصائده الفخامة واللين والغريب والمألوف.
لم تسلم أساليبه في الجاهلية من الحوشية، والأخيلة البدوية، وقد غلبت عليها جزالة اللفظ، وفخامة التعبير، وفخامة المعنى، وكثرة ما يتصل ببيئته من صور، وقليلًا ما يميل إلى اللين، وعذوبة اللفظ، وسهولة العرض، وأقوى جاهليته ما عارض به شعراء الأوس وما مدح به بني غسان.
أما أساليبه في الإسلام، فقد سلمت من الحوشية، وخالطها لين الحضارة، ولم تخل في بعض الأغراض من جزالة اللفظ وفخامة المعنى، وفخامة العبارة، كما في الفخر والحماسة، والدفاع عن النبي ورسالته، ومعارضة المشركين وهجومهم.
وقد غلبت عليها الصبغة الإسلامية، كتوليد المعاني من عقائد الدين الجديد وأحداثه والاستعانة بصيغ القرآن وتشبيهاته، ولطيف كناياته، وضرب أمثاله، واقتباس الألفاظ الإسلامية من الكتاب والسنة وشعائر الدين.
كما غلبت عليها الرقة واللين والدماثة واللطف، وسهولة المأخذ، وواقعية الصورة وقرب الخيال، وأكثر ما نرى ذلك في شعر الدعوة إلى توحيد الله وتنزيهه، وتهجين عبادة الأوثان، ووصف الشعائر الإسلامية، وذكر مآثرها، وبيان ثواب المؤمنين وعقاب المشركين، وبعض ما مدح به الرسول يلفه وأصحابه، أو رثاهم به.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت عبد الله بن رواحة فقال وأحسن، وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن، وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى».
وقيل لحسان: لان شعرك في الإسلام، يا أبا الحسام: فقال للقائل: “يا ابن أخي: إن الإسلام يمنع الكذب، وإن الشعر يزينه الكذب”. يعني: إن شأن التجويد في الشعر الإفراط في الوصف، والتزيين بغير الحق وأدرك النابغة الذبياني، وأنشده من شعره، وأنشد الأعشى، وكلاهما قال له: إنك شاعر.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَكَيْفَ بِنَسَبِي؟ فَقَالَ حَسَّانُ: لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: «لاَ تَسُبُّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
ومنه شعر حسان في ذم المشركين وهجوهم حتى قال له النبي ﷺ: كيف بنسبي؟ قال: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين! يعني سوف أذمهم وأهجوهم مع سلامة نسبك منهم.. ويقول له: اهجهم فوالذي نفسي بيده إنه لأشد عليهم من وقع النبل، ويقول: اللهم أيده بروح القدس.
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيَقُولُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.
وعن عروة عن عائشة قالت: كان حسان يضع له النبي صلى الله عليه وسلم منبراً في المسجد يقوم عليه قائمًا، ينافح عن رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ يقول: (إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ).
وعن جابر قال: لما كان يوم الأحزاب، قال النبي ﷺ: (من يحمي أعراض المسلمين؟).
قال كعب بن مالك: أنا، وقال ابن رواحة: أنا، وقال حسان: أنا، قال: (نعم اهجهم أنت، وسيعينك عليهم روح القدس).
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: (اهج قريشًا فإنه أشد عليهم من رشق النبل).
وقال أبو عبيدة: فُضِلَ حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث، كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.
ويقول الناقد محمد مصطفى سلام: “لقد غلبت على أساليب حسان الشعرية الصبغة الإسلامية كتوليد المعاني من عقائد الدين الجديد وأحداثه والاستعانة بصيغ القرآن وتشبيهاته ولطيف كناياته، وضرب أمثاله، واقتباس الألفاظ الإسلامية من الكتاب والسنة وشعائر الدين، كما غلبت عليها الرقة واللين والدماثة واللطف وسهولة المأخذ وواقعية الصورة وقرب الخيال، وأكثر ما نرى ذلك في شعر الدعوة إلى توحيد الله وتنزيهه، وتهجين عبادة الأوثان، ووصف الشعائر الإسلامية وذكر مآثرها وبيان ثواب المؤمنين وعقاب المشركين وبعض ما مدح به الرسول أصحابه أو رثاهم به”.
ولم يكن الفخرُ وحدَه سلاح حسان، بل آزره الهجاءُ المرُّ المُبير، الذي وقع على المشركين كالصواعق المرسلة، فيقول:
فـتوقّعـوا سُبُلَ العذابِ عـليكمُ
مما يُمِرُّ على الـرّويِّ لـساني
ولـتعـرفـنّ قـلائـدي بـرقابكـمْ
كالوشمِ لا تبلى على الـحدَثانِ
فقد كان الحارث بن عوف المرّي يُهرع إلى النبي ﷺ مذعورًا مستغيثًا، فيقول: “يا محمد! أجِرْني من شعر حسان، فوالله لو مُزج به البحرُ لمزجَه”، وكان النبي ﷺ يثني على شعر حسان رضي الله عنه، بل كان يحثُّه على ذلك، ويعطف عليه ويقرَّبه منه، وقسم له من الغنائم والعطايا، إلا أن حسان بن ثابت لم يكن يهجو قريشًا بالكفر وعبادة الأوثان، إنما كان يهجوهم بالأيام التي هُزِموا فيها، ويُعيرهم بالمثالب والأنساب، ولو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغًا.
وسأختم مقالي بأبيات جميلة، استوقفتني، لما فيها من معان، فيقول:
وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَـلُ مِـنكَ لَـم تَـلِدِ النِساءُ
خُلِـقـتَ مُبَرَّءًا مِـن كُلِّ عَـيـبٍ
كَـأَنَّـكَ قَـد خُلِقتَ كَـما تَـشـاءُ
التعليقات