الأكثر مشاهدة

إعداد/ أحلام شعبان تشهـد الـروايـة الإبـداعـية حـضوراً مـتنامـياً فـي المشهـد ال …

الرواية الإبداعية.. بين الموهبة الذاتية وأصول الاحترافية

منذ يوم واحد

31

0

إعداد/ أحلام شعبان

تشهـد الـروايـة الإبـداعـية حـضوراً مـتنامـياً فـي المشهـد الـثقافـي، غـير أن هـذا الـحضور يـثير تـساؤلات حـول وعـي الـكتّاب بـفصول الـتألـيف وأسـس الاحـتراف فـي بـناء الـنص الـروائـي. فـبين نـصوص تُـكتب بـدافـع الإلـهام، وأخـرى تـقوم عـلى مـعرفـة تـقنية وبـناء سـردي مـدروس، تتحــدد قــيمة الــروايــة وقــدرتــها عــلى الــتأثــير والاســتمرار. وتــفتح هــذه الــقضية نــقاشــاً حــول العلاقة بين الإبداع بوصفه تجربة ذاتية، والاحتراف بوصفه ممارسة واعية بالصنعة.

فرقد سلطت الضوء على القضية، من خلال طرح المحاور التالية على نخبة من الأدباء والنقاد:

١- هــل تــكفي المــوهــبة وحــدهــا لــكتابــة روايــة إبــداعــية مــميزة؟ أم أن الــوعــي بــفصول الــتألــيف شرط أساسي لاحتراف النص؟

٢- كـــيف يـــمكن لـــلغة الســـرديـــة أن تـــوازن بـــين الجـــمال الـــتعبيري وخـــدمـــة الـــحكايـــة وحـــركـــة الشخصيات، دون أن تطغى على البناء الروائي؟

٣- مــا المــقصود بــالاحــتراف فــي الــكتابــة الــروائــية؟ وكــيف يــمكن تــمييزه نــقديــاً عــن الــتجارب السردية غير الناضجة؟

*تماسك العمل ووضوح رؤيته احترافية

يـبدأ حـوارنـا حـول الـقضية الكاتب  عـبدالالـه الـزهـرانـي مـديـر مـكتب صـحيفة الرأي بالغربية ومستشار في جمعية الإعلام السياحي، بقوله:

الــكتابــة الــروائــية تــبدأ غــالــبًا مــن المــوهــبة، فــهي الشــرارة الأولــى الــتي تــدفــع الــكاتــب إلــى الـحكايـة والـتخييل، لـكنها وحـدهـا لا تـصنع روايـة نـاضـجة. فـالـروايـة عـمل يـحتاج إلـى مـعرفـة بــأســاســيات الســرد، مــثل بــناء الأحــداث وتــطويــر الــشخصيات وتســلسل الــزمــن، لأن الــوعــي بهذه الجوانب يحمي النص من العشوائية ويمنحه تماسكًا وقدرة على التأثير.أمـا الـلغة السـرديـة، فـهي عـنصر مـهم فـي نـجاح الـروايـة، لـكن جـمالـها الـحقيقي يظهـر حـين تكون فـي خـدمـة الـقصة لا مـتقدمـة عـليها. الـلغة الـبسيطة والـواضـحة، حـين تُسـتخدم بـذكـاء، تـساعـد في تحـريـك الأحـداث وتـقريـب الـشخصيات مـن الـقارئ، بـينما المـبالـغة فـي الـزخـرفـة قد تُضعف السرد وتشتّت الانتباه، والاحـــتراف فـــي الـــكتابـــة الـــروائـــية لا يـــعني الـــتعقيد أو الاســـتعراض، بـــل يـــعني أن يـــكون الــكاتــب مــسيطرًا عــلى أدواتــه، يــعرف مــتى يــختصر ومــتى يــوســع، ويــقدّم نــصاً مــتوازنًــا وواضــح الــفكرة. ويــمكن تــمييز الــكتابــة الاحــترافــية عــن غــير الــناضــجة مــن خــلال تــماســك العمل ووضوح رؤيته، مقابل نصوص تعتمد على الارتجال وتفتقر إلى البناء المحكم. 

الرواية لقاءٌ نادر بين موهبة ووعي، وتجربة 

ويرى الأديب والكاتب الأردني الأستاذ حسن محمود أبوقطيش، أن الموهبة لا تكفي للعمل الإبداعي، بقوله: 

لا شكّ أن الموهبة هي الشرارة الأولى لأي فعل إبداعي، لكنها ـ في مجال الرواية تحديداً ـ لا تكفي وحدها لبلوغ نصّ ناضج ومؤثّر. فالرواية ليست انفعالاً لحظياً ولا تدفّقاً شعورياً فقط، بل بناءٌ معقّد يقوم على وعي بفصول التأليف، وتراكب زمني، وتنامٍ للشخصيات، وإدارة للصراع. الموهبة تمنح الكاتب الحسّ، لكن الوعي التقني يمنحه القدرة على السيطرة على هذا الحس وتوجيهه داخل بنية روائية متماسكة.

من هنا، يصبح الاطلاع على أدوات السرد، دون أن يتحول إلى قيد، شرطاً أساسياً للاحتراف لا بديلاً عن الموهبة. أما اللغة السردية، فهي التحدّي الأبرز في الرواية. فاللغة الجميلة إذا انفصلت عن الحكاية تحوّلت إلى عبءٍ جمالي، وإذا طغت على حركة الشخصيات أوقفت الزمن الروائي.

التوازن يتحقق حين تكون اللغة في خدمة الحدث، وحين تنبع جماليتها من الموقف نفسه لا من الاستعراض البلاغي.

اللغة الروائية الناجحة هي تلك التي تتلوّن بحسب الشخصية، وتتبدّل بحسب الإيقاع، وتعرف متى تصمت بقدر ما تعرف متى تتكثّف. والاحتراف في الكتابة الروائية لا يعني الالتزام الصارم بالقوالب، بل القدرة على كسرها بوعي. يُقاس الاحتراف نقدياً بمدى تماسك البناء، وصدق الشخصيات، وعمق الرؤية، وقدرة النص على خلق عالم مستقلّ يُقنع القارئ بواقعيته الفنية. أما التجارب السردية غير الناضجة، فغالباً ما تُعرَف بتشتّت البناء، وتسطيح الشخصيات، وهيمنة الصوت الواحد، وغياب الضرورة الفنية لكل ما يُكتب.

في النهاية، الرواية الإبداعية الحقيقية هي لقاءٌ نادر بين موهبة صادقة، ووعي تقني، وتجربة إنسانية عميقة.

الاحتراف لا يُلغِي الموهبة، بل يهذبها

وتعلق الأديبة أ. تغريد عبد الكريم أنعم، على محاور القضية، بقولها: 

الموهبة هي الشرارة الأولى في الكتابة الروائية، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة عمل إبداعي متكامل. فالموهبة تمنح الكاتب الحسّ، واللغة، والقدرة على الالتقاط، بينما يمنحه الوعي بأصول التأليف أدوات البناء، وضبط الإيقاع، وتماسك الحبكة. الاحتراف لا يُلغِي الموهبة، بل يهذبها، ويمنحها إطارًا هندسيًا جعلها أكثر تأثيرًا وعمقًا واستدامة.

اللغة السردية الناجحة هي تلك التي تعرف متى تتزيّن ومتى تتوارى، فالجمال التعبيري ينبغي أن يكون في خدمة الحكاية لا عبئًا عليها، وأن يضيء حركة الشخصيات لا أن يقيّدها. التوازن يتحقق حين تكون اللغة شفافة بما يكفي لتمرير الحدث، ومضيئة بما يكفي لخلق الأثر، فالسرد ليس استعراضًا بلاغيًا، بل نبض حيّ يتحرك مع الشخصيات ويكبر بنموها.

الاحتراف في الكتابة الروائية يعني الوعي بالبناء، والقدرة على إدارة الزمن، وتشكيل الشخصيات بعمق نفسي، وربط الأحداث بمنطق داخلي مقنع. ويُميَّز نقديًا عن التجارب غير الناضجة من خلال تماسك الحبكة، وتطوّر الشخصيات، وانسجام اللغة مع السياق، وغياب الترهل والتكرار. فالرواية المحترفة لا تعتمد على الفكرة وحدها، بل على كيفية تشييدها فنياً.

ختاماً، أؤمن أن الرواية الإبداعية هي لقاء ذكي بين الموهبة الصادقة والعلم الواعي، بين القلب الذي يشعر والعقل الذي يبني.

لغة الرواية الحديثة تجاوزت مرحلة التنافس

وأبرز ما جاء في  حوارانا  رأي أ.د. علي بن محمد الحمود أستاذ النقد الأدبي الحديث في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة سابقاً، حيث أفاد أن: الموهبة تولد مع الإنسان الموهوب، وتنمو مع نموه في هذه الحياة، ويكتسب التجارب الحياتية والمعارف التي تنمي موهبته. وتظل الموهبة حبيسة داخله، حتى تظهر إبداعاً في أي مجال من مجالات الإبداع. وكتابة الرواية مجال من مجالات الإبداع، وموهبة الحكي موجودة عند كثير من البشر، كما كان سابقاً عند الجدات، وكبار السن غالباً، والحكواتي، وفي مجالسنا نجد من يمتلك هذه الموهبة، حتى ممن لم يتعلم. لكن وجود الموهبة وحدها لا يكفي لصناعة رواية فنية متميزة، فمن يمتلك الموهبة يحتاج إلى قراءات متنوعة في النتاج الروائي: العالمي والعربي والمحلي، كذلك الاطلاع على أحدث تقنيات الرواية، ليبدأ من حيث انتهى الآخرون. وقبل ذلك يحتاج إلى امتلاك رؤية خاصة به للمجتمع، وهذه الرؤية تتشكل من التجارب، والرصد لواقع المجتمع، والثقافة المتنوعة. فالروائي المتميز يمتلك موهبة ورؤية فنية ورؤية للعالم وثقافة عميقة. المهم لديه ما يقوله بأساليب فنية حديثة. وفي ميدان الأدب ليس المهم ما قيل، بل كيف قيل. ووجود الحكاية وحدها لا تصنع رواية فنية، إذ تحتاج إلى الحبكة الفنية التي تنظّم ترتيب الأحداث، وهذا الجانب تصنعه الموهبة والمعرفة بأصول الفن. واللغة هي الأداة التعبيرية التي يستعملها السارد للتعبير عن رؤاه، والنقد الحديث في مجمله نقد لغوي، يتعامل مع لغة الرواية، وهي تمثل عند الإنشائيين خطاب الرواية، والمكون من: السرد والوصف والحوار. والاتجاهات الحديثة في الرواية تبرز فيها اللغة، وفيها تتجاوز المرحلة التقليدية التي يسعى الروائي فيها إلى إظهار براعته اللغوية في وصف الفضاء والشخصيات، وأصبحت أداة لسبر داخل الشخصية، وتكثيف الأحداث، وإبراز أثر المكان، لا مجرد الحديث عن جماله. واللافت في الرواية الجديدة تداخل لغة الرواية مع لغة الشعر، إذ تستعير منه بعض خصائصه، مثل: التركيز والتكثيف والإيحاء. وأشير هنا إلى أن لغة الرواية تجاوزت مرحلة التنافس لإبراز مهارات الكتّاب، إلى أن تكون العنصر الذي تنتظم فيه بقية العناصر. عندما نطلق كلمة الاحتراف فيمكن أن نتجه إلى الشخص الذي يتخذ من الكتابة حرفة يتفرغ لها، وتكون عمله الرئيس الذي يقتات منه، وهذا معنى صحيح. والمعنى الآخر يتمثل في الكاتب الذي أتقن مهارة الصنعة، وعرف أسرارها، مع ممارسته عملاً آخر.

ويمكن الكشف عن الروائي المحترف من خلال عناصر عدة، منها: تطور تجربته الروائية، والانتظام في إصدار الأعمال الروائية، وينتج عن هذه تعدد رواياته، وامتلاك أسلوب روائي خاص به، ووجود رؤية واضحة لديه: فنية ومجتمعية، وحضوره المنتظم في المشهد الثقافي، وغيرها من الجوانب التي تبرز امتلاكه مفاتيح الصنعة. وهناك تجارب غير ناضجة نجدها حاضرة في مشهدنا الروائي، يمكن تلمسها عند كتاب الرواية الواحدة، أو الروايات التي لا تواكب تطورات الرواية الحديثة: على مستوى الفن، ومواكبة المجتمع على مستوى المضمون. وأخيراً أقول: لدينا روايات كثيرة، لكن الروائيين المبدعين قليلون.

الرواية الخالدة تقدم رؤية فلسفية ناضجة للعالم

وتشاركنا الحوار الأديبة زينب عقيل بقولها: الموهبة هي العامل الأول والدافع الحقيقي في أي فعل إبداعي، هي القوة التي تجعلك تدخل إلى عوالم الخيال وبناء الشخصيات، لكن الموهبة وحدها لا تكفي لكتابة رواية إبداعية مميزة ما لم تُدعَّم بوعيٍ عميق بأصول التأليف الروائي. فالرواية ليست بناءً عاطفيًا شعوريًا فقط، بل هي بناءٌ معقّد تحكمه قوانين الزمن والسرد والمنظور وتطوّر الشخصيات، وعدم معرفة هذه الأمور الأساسية يؤدي بنا إلى رواية ضعيفة. أما اللغة السردية، فهي أداة مزدوجة الوظيفة: جمالية ووظيفية في آن. والتحدّي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الشعرية وخدمة الحكاية. اللغة حين تطغى بجمالها المفرط قد تتحول إلى عبء يبطئ حركة السرد ويجمّد الشخصيات داخل استعراض لغوي. وحين تُختزل أكثر من اللازم تفقد الرواية روحها. اللغة الناضجة هي تلك التي تنساب مع الحدث، وتكشف الشخصيات من داخلها، وتمنح القارئ متعة الأسلوب دون أن تصرفه عن جوهر الحكاية.

إن الاحتراف الحقيقي في عالم الرواية لا يُستمد من غزارة الإنتاج أو بريق الأضواء الإعلامية، بل يتجسد في التمكن المنهجي للكاتب من أدواته الإبداعية. فالعمل الروائي المحترف هو ثمرة لوعي عميق بالبناء الهيكلي، وتناغم دقيق في الإيقاع السردي، مع ضمان تطور الشخصيات وفق منطق داخلي سليم، ما يخلق حالة من التماسك الدلالي الذي يربط بين جوهر الفكرة وقالبها الفني. ومن منظور نقدي، تبرز قيمة النص الناضجفي قدرته على تحقيق الإقناع الفني والابتعاد عن السطحية أو الارتجال. فالرواية التي تستحق البقاء هي تلك التي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تقدم رؤية فلسفية ناضجة للعالم؛ هي تجربة تُعاش بالوجدان وتُبنى بالفكر، لتبقى أثرًا ممتدًا يتجاوز لحظة القراءة.

*الموهبة الذاتية والهندسة الأدبية فنٌ نادر

وتضيف الأديبة والكاتبة أ. نورة السعيدي

الموهبة الذاتية والأصول الاحترافية، وجدته مقالاً دسماً بمعانيه التي افتقدناها في زخم وعدد الروايات والكتاب على الساحة الأدبية، ماجعلنا نتوه في البحث بين الموهبة والاحتراف لهذا الفن النادر الذي لا يملكه الكثير، فيجب للشخص الموهوب أن يكمل أدواته بتعليم أساسيات المهنة ويجيد الهندسة الأدبية.

في اختيار نوع الأعمال التي سيكتبها ويضع لها شخصيات ليوظفها بالحبكة والتسلسل المتناغم في الأحداث، ويتقنها بالوصف الجذاب ليرفع رتم العمل بحواراته، وسرد الرواية باللغة العربية بجمالها الأخاذ يجعلها تقف شامخة، استوقفني أيضًا سؤالها عن المقصود بالكتابة الروائية ونضوج سردها؟ يجب على الكاتب المحترف الوعي بما يفعل ولماذا اختار الشخصية والإيقاع والزمن في هذه الزاوية السردية وصنع بنية ومشهد افتتاحي يشد القارئ وفي كل مرة تحبس الأنفاس وتقوى الأحداث لتصبح الدوافع للشخصية مقنعة والتناقضات مرضية، يميز الكاتب القوي بالإصرار والاستمرار مع التأني في وجود وجودة عمله، بينما الكاتب الضعيف لا يهمه سواء الكم والكثرة للتبختر أمام العامة.. هذا لا يعني أن عملة فاشل، بل غير ناضج فحماسه سبق أدواته الفنية.

الرواية هندسة تجمع بين روح الكاتب وأدواته 

وللشاعر والروائي الحسن الكامح  من المغرب، وجهة نظره الخاصة حول القضية المطروحة، حيث قال:

الرواية صنعة، تجمع بين اللغة وسرد أحداث أو وقائع حدثت أو متخيلة، فهي تحتاج إلى دراية بها ككل صنعة فنية، أو حرفة معينة، فلا يمكن أبداً للموهبة وحدها أن تصنع رواية استثنائية، هنا نتحدث عن الرواية الاستثنائية، وليست رواية عادية، استثنائية يعني لها مكونات خاصة لغوياً وأكثر من ذلك صنعة فنية محترفة، لأنها تمثل الشرارة أو الطاقة الخام التي تمنح النص روحه وعاطفته، والوعي بأصول الكتابة هو المحرك الذي يوجه هذه الطاقة نحو بناء فني متماسك؛ فكتابة الرواية عملية صناعة تتطلب معرفة دقيقة بعدة أمور لابد من ترويضها ترويضًا فنيًا: أولًا كيفية إدارة الزمن، ثانيًا، ضبط الإيقاع، ثالثًا، توزيع القوى بين الشخوص، ومن دون هذا الوعي، تظل الموهبة مجرد شذرات أدبية مبعثرة تفتقر إلى النَفَس الطويل الذي يحول الفكرة إلى عالمٍ متكاملِ الأطراف لغوياً وفنياً، قادر على الصمود أمام ذائقة القارئ المحترف. وحين يدرك الكاتب أن اللغة وسيلة لا غاية، بحيث لا يتحول البيان والبديع إلى جدار يعزل القارئ عن حركة الشخصيات؛ حينئذ تتحقق السيطرة على اللغة السردية، إذ التوازن الداخلي يكمن في استخدام لغة شفافة تخدم الأحداث والوقائع، وتكشف أعماق الشخصية من خلال الحدث لا من خلال الوصف المجرد، بذلك تذوب البلاغة في ثنايا السرد لتصبح جزءًا من بناء المشهد وتطوير الصراع، لا مجرد استعراض لغوي يثقل كاهل الحكاية أو يعطل تدفقها الدرامي الطبيعي. المقصود بالاحتراف في الكتابة الروائية هو النضج التقني والفني وقدرة الكاتب الروائي على الضبط الذاتي للنص، حيث يتجاوز مرحلة البوح العفوي إلى مرحلة البناء الواعي الذي يعتمد على تخطيط سبقي منسق تنسيقًا فنيًا؛ والنص الاحترافي يتميز عن التجارب غير الناضجة من خلال قدرة هذا النص على خلق وهم الحقيقة عبر شخصيات ذات أبعاد نفسية معقدة وحوارات وظيفية مكثفة، بعيداً عن الثغرات التي تبعد عن النص، أو الخطابة المباشرة من خلال تكثيف اللغة والوصف المباشر، أو طغيان صوت الراوي على أصوات الشخصيات، ما يجعل العمل وحدة عضوية متماسكة لا تقبل التجزئة، فتأخذ القارئ إلى أبعاد غير متوقعة أو غير ملموسة. تعد العلاقة بين الموهبة الفطرية والاحتراف الواعي من أكثر القضايا جدلاً في عالم الأدب.. فالرواية ليست مجرد تدفق مشاعر، بل هي هندسة معقدة تجمع بين روح الكاتب وأدوات البناء.

١الموهبة مقابل الوعي بأصول التأليف

الموهبة هي البذرة، لكن الوعي بفنون التأليف هو التربة والري.

الموهبة وحدها: قد تمنحك فكرة عبقرية، أو جملة افتتاحية مذهلة، أو خيالاً واسعاً، لكنها غالباً ما تتعثر في منتصف الروايةحيث يحتاج النص إلى نَفَس طويل وإدارة للحبكة.

الوعي بالتقنيات: إن معرفة هيكل الفصل، وكيفية بناء الصراع، وتوزيع نقاط التحول، هو ما يحول الحكاية إلى رواية.

الخلاصة: الاحتراف لا يعني قتل العفوية، بل يعني امتلاك خريطة تحمي الكاتب من التيه. الموهبة تبدأ النص، والوعي هو من ينهيه بجودة تستحق النشر.

٢التوازن بين جمال اللغة ووظيفة السرد

اللغة في الرواية وسيلة وليست غاية في حد ذاتها. الوقوع في فخ الزخرفة اللفظيةقد يقتل وتيرة الأحداث.

اللغة الخادمة: يجب أن تتشكل اللغة وفقاً للحالة؛ ففي المشاهد القتالية أو السريعة، تكون الجمل قصيرة ورشيقة. وفي التأملات النفسية، يمكن للغة أن تتسع وتصبح أكثر شاعرية.

قاعدة أرِني ولا تخبرني: بدلاً من استخدام صفات أدبية ضخمة لوصف حزن الشخصية، صف حركتها، ارتعاش يدها، أو نظرتها للفراغ. هنا تصبح اللغة تجسيداً للحركة وليس عبئاً عليها.

التوازن: اللغة الناجحة هي التي لا يشعر القارئ بوجودها كحاجز بينه وبين الشخصيات، بل كعدسة شفافة تنقل له العالم الروائي بوضوح.

٣مفهوم الاحتراف والتمييز النقدي

الاحتراف في الكتابة الروائية ليس مجرد كسب المال، بل هو الانضباط المعرفي والتقني.

ما الاحتراف؟ هو القدرة على السيطرة على أدوات النص (الزمان، المكان، الرواة) بوعي تام، والقدرة على الحذف (القتل الفني للزوائد) بقدر القدرة على الكتابة.

التمييز النقدي بين الاحتراف وعدم النضج:

المقارنة

التجربة غير الناضجة

التجربة الاحترافية

الشخصيات

مسطحة (إما طيبة جداً أو شريرة)

دائرية، معقدة، ولها دوافع منطقية.

الحوار

مجرد كلام لملء الفراغ أو وعظي.

أداة لكشف الشخصية ودفع الحدث للأمام.

البناء

صدف غير منطقية وفجوات في الحبكة.

ترابط سببي محكم (كل حدث يؤدي للآخر).

الصوت

صوت الكاتب يطغى على كل الأبطال.

لكل شخصية منطقها ولغتها الخاصة.

الاحتراف يبدأ حين يتوقف الكاتب عن اعتبار نصه مقدساً ويبدأ بمعاملته كمشروع يحتاج للصقل والتحرير القاسي.

*على المؤلف الوعي بفصول الإبداع ولغة الكتابة

وتؤكد د. سماح خصاونه على ضرورة التطوير والابتكار في لغة الكتابة الروائية بقولها : 

أن تكون روائيًا أو شاعرًا أو كاتبًا، هو أمر يحتاج إلى أناة وصبر وجهد، ويجب أن يمتلك المرء عدّة أمور حتّى يصل إلى ما يريد، فالموهبة وحدها لا تكفي، إذا لم ترافقها عناية وتطوير واطّلاع. ويجب على المؤلف أن يعي فصول الإبداع، فكثير من الروايات فقدت جوهر الكتابة الإبداعية لضعف لغتها التي هي ركيزة أساسية في كل أجناس الأدب والإبداع، فلغة الكتابة هي مجال خصب للابتكار والتجديد، حيث إنها تهدف إلى استثارة المشاعر والأفكار، وخلق جوٍّ للمتلقي سواء أكان مشاهدًا أم قارئًا، للغوص في الأعماق، من خلال إطلاق العنان لخياله بتوقع الأحداث والنهايات، أو إعادة صياغة الواقع بطرق مبتكرة، فالرواية فن، والفن جمال، وجمال الرواية من جمال لغتها الأدبية والمجازية والفنية المبتكرة، وطالما أننا نتحدث عن الرواية فالسّرد هو مقام الرواية الأول، وهو من الفنون المعقدة التي تتطلب مهارةً وفهماً عميقين، حيث تتألف البنية السّردية في العمل الروائي من عدّة عناصر متشابكة ومتصلة، والتفاعل فيما بينها هو تفاعل ديناميكي قائم على تحريك القارئ، من خلال حثّه على مواصلة القراءة ومتابعة الشخصيات وعمل عصف ذهني له، وسرد الأحداث بتسلسل منطقي حتى لا يتم التشويش على القارئ، والسرد قد يكون شخصيًا وقد يكون غيريًا وقد يعتمد على وجود عدة شخصيات، والسرد الشخصي يتناول مشاعر وأحاسيس البطل نفسه، حيث يعبر الكاتب عن نفسه من خلال استخدام ضمير المتكلم، أما السرد الغيري فيُمكّن القارئ من استعراض مشاعر وأحاسيس عدة شخصيات، وهناك السرد المتعدد وهذا النوع من السرد يعمل على إثراء الرواية، حيث تكون في الرواية عدة شخصيات كل شخصية تتحدث بلسانها، فتُمكّن القارئ من الدخول إلى عمق الشخصية ومعرفة صراعاتها الداخلية، والسرد يقوم على عدة عناصر تتمثل فيما يلي: الحبكة، فالحبكة القوية المدروسة تحتاج إلى شخصيات مؤثرة لتجسيدها، والشخصيات تتطور وتنمو من خلال زمان ومكان محددين، وهما يعززان عنصري التشويق والدرامية، ما يسهم في إنشاء سرد مكتمل قوي البنية وأكثر نضجًا، تتلاحم كل تلك العناصر لإبراز ثيمة أو مجموعة من الثيمات الأساسية، والسرد لا يقوم على سرد الأفكار بشكل محفوظ، بل إن الأمر يحتاج تقنيات للإسهام في تحسين جودة النصوص الأدبية؛ ومن هذه التقنيات الحوار حوار الشخصياتحيث يعتبر أداة قوية لتفعيل الحبكة وإثارة القارئ، ويعد الوصف من الأساليب المهمة في إثراء الرواية، حيث يقدم الوصف تصورًا ذهنيًا وحسيًا لدى القارئ تجاه الشخوص والأماكن، ما يقوي عنصر الترقب والتشويق لديه، كذلك يسهم الزمان والانتقال من خلاله بين الماضي والحاضر والمستقبل في جعل المتلقي حاضر الذهن، متيقظًا ومتشوقاً، وإذا أردنا التحدث عن الاحترافية في الكتابة، فإن الاحترافية يجب أن يتوفر فيها شيئان، أولهما الموهبة، وثانيهما الدربة والاطلاع.

والموهبة تحتاج إلى صقل وتنمية ورعاية، حتى إذا اكتملت أركانها، غذيناها بالقراءة والاطلاع على تجارب الآخرين، ولا يمكن إصدار أحكام قطعية على الروايات ومدى احترافيتها، ذلك لأن موضوع كل رواية مختلف عن الأخرى، فهناك الرواية التاريخية، والرواية الإبداعية، والرواية الخيالية، والرواية الاجتماعية، ويختلف تقييم ونقد كل رواية باختلاف موضوعها وزمانها وشخصياتها،  والاحتراف في الكتابة الإبداعية ينطلق من عدة نقاط منها: الطلاقة بمعنى تعدد المحاور لخدمة موضوع الرواية، مع توفر المرونة التي تُعنى بتحريك الشخوص وتغيير شخصياتهم بطرق لا يتوقعها المتلقي أو القارئ، وتناول المشكلات التي تهم المجتمع، مع ضرورة التشويق والإثارة بحيث لا يستطيع القارئ تركها دون الانتهاء منها، وأن تتمتع الرواية بالأصالة فتقوم على أفكار مميزة لم تطرح من قبل.

———————

*التوازن بين خدمة الحكاية وجمال اللغة

وتشاركنا الفنانة التشكيلية والكاتبة الأستاذة سلوى الأنصاري سفيرة هيئة الأدب في منطقة تبوك، بقولها:

تُعدّ الموهبة الركيزة الأولى في كتابة الرواية، لأنها تمنح الكاتب القدرة على السرد المقنع مع ابتكار أحداث وقصص رائعة، غير أنها وحدها لا تكفي لبلوغ عمل روائي مميز لأن معرفة قواعد بناء الرواية، مثل الحبكة، وتطور الشخصيات، وضبط الإيقاع السردي، يُعد شرطًا أساسيًا لتحويل الموهبة إلى نصّ ناضج وقابل للقراءة النقدية.

وتتجلّى مهارة الكاتب في قدرته على تحقيق التوازن بين خدمة الحكاية وجمال اللغة، في أن يجعل اللغة أداة تعبير داعمة للسرد لا عبئًا عليها. فاللغة الناجحة هي التي تنسجم مع تطوّر الأحداث، وتدعم حركة الشخصيات دون إسراف أو استعراض بلاغي يطغى على البناء الروائي فيقتل متعة القارئ.

أما الاحتراف في الكتابة الروائية، فيُقاس بقدرة النص على تقديم شخصيات مقنعة، وحبكة منطقية، وعالم سردي متماسك، بلغة منضبطة تخدم الرؤية الفنية. من هنا يمكن التمييز نقديًا بين النصوص المحترفة والتجارب السردية غير الناضجة، التي يغلب على بعضها ضعف البناء أو التكرار داخل إطار الرواية.

* الرواية الإبداعية موهبة صُقلت بالمعرفة

ويختتم حوارنا حول القضية الأديب خلف سرحان القرشي، بقوله:

تظل العلاقة بين الموهبة الفطرية وأصول الاحتراف في فن الرواية، واحدة من أكثر القضايا جدلاً في الساحة الأدبية، وهي في جوهرها تشبه العلاقة بين التيار الكهربائيوالمصباح؛ فالموهبة هي تلك الطاقة الدافقة التي لا شكل لها، أما الاحتراف فهو الأداة التي تحول هذا الدفق العشوائي إلى ضوء وهّاج ومُنظم.

الموهبة وحدها: شرارة لا توقد ناراً، لا شك أن الموهبة هي النواة الصلبة التي ينطلق منها أي مشروع إبداعي، لكن الاعتماد عليها وحدها في كتابة الرواية يشبه الإبحار في محيط هائج دون بوصلة. الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي بناء معمارىمعقد يتطلب وعياً حاداً بفصول التأليف. إن الوعي بالتقنيات السردية من إدارة الزمن، وضبط المسافات بين الراوي والشخصيات، وفهم آليات التصاعد الدرامي هو ما يمنح النص احترافيته. الموهبة قد تمنحك الجملة المدهشة، لكن الاحتراف هو ما يمنحك الهيكل المتماسكالذي يمنع الرواية من الترهل أو السقوط في فخ التكرار والنمطية.

ميزان اللغة السردية: في الاشتغال الروائي، تواجهنا معضلة اللغة“: هل نكتب لنستعرض جمالياتنا اللغوية أم لنحكي قصة؟ إن اللغة السردية الذكية هي تلك التي تعرف متى تتوارى خلف الأحداث لتفسح المجال لحركة الشخصيات، ومتى تبرز في لحظات التأمل الباطني لتكشف عن مكنونات النفس. الاحتراف الحقيقي هو تحقيق شفافية اللغة؛ بحيث لا تشعر القارئ بوجود وسيط لغوي ثقيل يعيقه عن رؤية المشهد. عندما تطغى البلاغةعلى البناء، يتحول النص إلى قصيدة منثورة أو مقالة وجدانية، وتفقد الرواية هويتها بوصفها فعلاً درامياً. اللغة في الرواية هي ظلالترسم الأبعاد، وليست ألواناًفاقعة تُعمي البصر عن رؤية العمق.

فلسفة الاحتراف: الاحتراف الروائي ليس مجرد ممارسة مهنة، بل هو حالة من الوعي النقدي الذاتي“. المحترف هو الكاتب الذي يمتلك شجاعة الحذف؛ فالنصوص غير الناضجة غالباً ما تتسم بالاستطراد المجاني والإغراق في التفسير المباشر، بينما التجربة الناضجة هي التي تترك مساحات بيضاء للقارئ ليكملها بخياله. نقدياً، نكتشف الاحتراف من خلال الوحدة العضويةللنص؛ حيث لا يوجد حدث مجانيولا جملة زائدة عن الحاجة. المحترف يصهر رؤيته الفلسفية داخل لحم الحكاية، فلا تشعر بها كمواعظ مقحمة، بل كنبض يسري في عروق الشخوص.

وختامًا: إن الرواية الإبداعية المميزة هي التي تصدر عن موهبة صُقلت بالمعرفة؛ فالموهبة تفتح الأبواب، لكن الاحتراف هو الذي يبني البيوت التي يسكنها القراء طويلًا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود