الأكثر مشاهدة

 بقلم : حسن غريب* تقدم الكاتبة نجوى الطامي في مجموعتها تسابيح قلب، تجربة أدبية ذ …

لاهوت الكائنات.. رحلة إيمانية في “تسابيح قلب” للأديبة نجوى الطامي

منذ 13 دقيقة

1

0

 بقلم : حسن غريب*

تقدم الكاتبة نجوى الطامي في مجموعتها تسابيح قلب، تجربة أدبية ذات طابع روحي خاص تنتمي إلى تخوم الخاطرة الصوفية والنصوص الوجدانية المكثفة، ولا يكتفي هذا العمل بتقديم نصوص قصيرة، بل يؤسس لعالم تأملي يستنطق الكائنات ويعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والوجود، في إطار إيماني شفيف هادئ عميق يمنح المعنى حضوراً.

وقد جاء العمل في سياق زمني دال، إذ ولد في أجواء شهر رمضان، ما يضفي عليه بعداً روحانياً إضافياً يتجاوز الشكل إلى الجوهر ويمنح النصوص طاقة وجدانية هادئة تعزز حضور المعنى في التفاصيل اليومية التي تبدو عابرة، لكنها تحمل إشارات عميقة لمن يحسن التأمل والإنصات لما وراء الظاهر.

يعتمد البناء العام للمجموعة على رقم دال هو ثلاث وثلاثون وهو رقم يحيل إلى المسبحة بما يحمله من رمزية الذكر والتسبيح، من هنا تتحول القراءة إلى طقس شبه تعبدي، حيث يتنقل القارئ بين النصوص كما لو كان يمر بحبات الذكر في تدرج وجداني هادئ يرسخ فكرة الحضور الإلهي.

تنطلق الكاتبة نجوى الطامي من سؤال مركزي عميق يتعلق بكيفية تسبيح الكائنات التي تبدو صامتة ظاهرياً، هذا السؤال يفتح أفقاً تأويلياً واسعاً تستند فيه إلى مرجعية تؤكد أن كل شيء يسبح بحمد الله لكن الإنسان لا يفقه هذا التسبيح.

هنا يتجلى دور الأدب بوصفه وسيطاً جمالياً يكشف المخبوء.

ففي نص “الحبة” تصبح البذرة كياناً حياً ينتظر المطر برجاء صامت، بينما يتحول صرير الباب إلى خطاب خفي تدركه براءة الطفل وتمنحه المخيلة بعداً إنسانياً دافئاً؛ يخفف من قسوة الواقع ويعيد تشكيله فنياً بما يخدم الرؤية الروحية العامة للعمل ويعمق أثره في المتلقي.

فنياً تعتمد الكاتبة نجوى الطامي على تقنية الأنسنة بوصفها ركيزة أساسية، حيث تمنح العناصر الطبيعية صفات إنسانية تجعلها قادرة على التعبير والتفاعل، غير أن هذه الأنسنة لا تأتي مفتعلة بل تنبع من رؤية تأملية عميقة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه بشكل متوازن وجمالي.

أما اللغة فتتسم بالبساطة والصفاء وهي لغة شفافة خالية من التعقيد، لكنها في الوقت ذاته مشحونة بدلالات روحية مكثفة تمنح النصوص قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد قيمتها الفنية، وتحقق معادلة صعبة بين العمق والوضوح في آنٍ معًا بصورة لافتة.

ومن أبرز ملامح التجديد توظيف الصورة الرقمية المصممة بالذكاء الاصطناعي، حيث لا تأتي بوصفها زينة بل تشكل امتداداً بصرياً للنص يثري التجربة ويضاعف أثرها الجمالي في سياق العصر الحديث، ويخلق تداخلاً بين الكلمة والصورة يعزز البنية السيميائية للعمل.

على مستوى الرسالة يسعى الكتاب إلى إعادة تدريب الحس الإنساني على التأمل. وإيقاظ القدرة على رؤية الجمال الإلهي في التفاصيل الصغيرة، وهو بذلك يشكل نصاً مضاداً لإيقاع الحياة السريع ويدعو إلى التمهل والإنصات لما وراء الظاهر في حركة الكون المستمرة.

في ختام قراءتي أقول:

تمثل “تسابيح قلب” للكاتبة المصرية القديرة نجوى الطامي، تجربة أدبية رقيقة تنجح في المزج بين البعد الإيماني والجمالي وتقدم نموذجاً للأدب الذي يخاطب الروح دون أن يتخلى عن فنيته، كما تؤكد أن الكتابة التأملية ما زالت قادرة على ملامسة القارئ وإعادة تشكيل وعيه بالعالم.

إضاءة مرجعية:

1- عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006.

2- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992.

3- محمد مفتاح، دينامية النص: تنظير وإنجاز، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1987.

4- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت.

5- محيي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

*ناقد مصري

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود