أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13592
0
13436
0
12269
0
12166
0
9616
0
إعداد: هدى الشهري
هو الحسين أبو إسماعيل الأصبهاني الطغرائي، اشتُهِر بالعلم والفضل، وقد عُرِف بالطغرائي نسبة إلى كتابة الطغراء؛ وهي الطّرة التي تكتب في أعلى المناشير السلطانية بالقلم الجلي وتتضمّن نعوت الملوك وألقابهم، نشأ وتعلم في أصبهان، ثم ارتحل إلى بغداد وحين ضاقت به الحياة كتب قصيدته المشهورة “لامية العجم”؛ يشكو فيها حاله وزمانه، وقد سُمِّيت بلامية العجم تشبيها لها بلامية العرب؛ التي قالها الشنفرى لأنها تضاهيها في حِكمِها وأمثالها، وأولها:
أَقيموا بَني أُمّي صُدورَ مَطِيَّكُم
فَإِنّي إِلى قَـومٍ سِـواكُـم لَأَمَـيـلُ
وهي من عيون الشعر العربي وتتضمن المقولة المتداولة بين الناس وهي شطر من بيت”ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”، وقد حازت شهرة منقطعة النظير، وحظيت بعناية العرب واهتمامهم خلال العصور الأدبية المختلفة، كما لاقت اهتمامًا واسعًا من الكتاب والمستشرقين فأشادوا بها وبناظمها وترجموها إلى لغات شعوبهم كالفرنسية واللاتينية والإنجليزية.
يقول عنها الصفدي: “أما فصاحة لفظها فيسبق السمع إلى حفظها، وأما انسجامها فيطوف منه بخمر الأنس جامها، وأما معانيها فنزهة معانيها…”، والقصيدة مليئة بالصور الرائعة، والأخلاق السامية، مليئة بالقيم والحكم والمُثل التي استخلصها من تجارب حياته، ومن ذلك قوله:
أصالةُ الرأي صانتْنِي عن الخَطَلِ
وحِليةُ الفضلِ زانتني لـدَى العَطَلِ
فـيـمَ الإقـامُـة بـالـزوراءِ لا سَكَني
بهـا ولا نـاقـتي فـيها ولا جَـمـلـي
نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الـكفِّ منفردٌ
كالـسيفِ عُـرِّيَ مـتناهُ مـن الـخَللِ
فـلا صديـقَ إليه مـشتكَى حـزَنِـي
ولا أنـيـسَ إلـيـه مـنتَـهـى جـذلـي
وقد درس في صباه الأدب واللغة والعلوم الشرعية والحكمية ثم العلوم الطبيعية خاصة الكيمياء التي برع فيها، فكان يُنعَت بالأستاذ فهو من كبار العلماء المسلمين في الكيمياء، إلا أنه لم يمارس التجارب العملية، بل اكتفى بالنواحي النظرية، وجمع بحوث ومؤلفات من سبقوه في هذا المجال ومن مؤلفاته في الكيمياء ما يأتي: (تراكيب الأنوار في الإكسير، أسرار الحكمة، جامع الأسرار في الكيمياء، الجوهر النضير في صناعة الإكسير، الرد على ابن سينا في الكيمياء)، وهو عربي الأصل من ولد أبي الأسود الدؤلي.
كما تفوّق الطّغرائي في صناعة الإنشاء ونظم الشعر، ملمًا بمعارف عصره، فكان متصدّرًا في الدولة جليسًا للملوك مقربًا إليهم يستميلونه للعمل معهم لبراعته ومنزلته العلمية، فتولى الاستيفاء والكتابة، كما تولى ديوان الإنشاء وديوان الطرة لسنوات.
غلبت شهرة شعره عليه رغم نبوغه في علوم أخرى، وكانت لديه القدرة على تصوير المواقف المختلفة في حياته لامتلاكه ناصية اللغة، وقد وصفه ابن خلكان بأنه غزير الفضل لطيف الطبع فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر، ووصفه ياقوت الحموي: كان آية في الكتابة والشعر وشعر الطغرائي غزير حوى فنوناً مختلفة من وصف للطبيعة كقوله:
نـارنْـجُنَـا فـي لـونِـه
وشَــكـلِــه الـــمُــدَوَّرِ
يحكي كُـراتِ سُـفُــنٍ
مصبوغةٍ بالـعُـصْفُـرِ
مـلـفـوفـةً فـي خِـرَقٍ
من الحريرِ الأخضرِ
كما برع في المديح كقوله:
أُهــنِّـئُ مــولانـا بـأيــمــنِ قــادمٍ
تَقَيَّلَ في الإحسانِ أفعالَهُ الزُّهْـرا
بـيـومٍ أجَـدَّ الـدهـرُ فـيـه لِـبـاسَـهُ
وأبرزَ من مكنونِ زينتِه الـذُّخْرا
وقد حلَّ فيه الشمسُ بيتَ سنَائِها
كطلعةِ مولانا وقـد مَلأَ الصَّدْرَا
وعُـدِّلَ مـيـزانُ الـزمانِ كـأنَّـمـا
تـعلَّمَ عـدلاً منه قد ثَقِفَ الـدَّهْرا
وغزل مثل:
صَحائِفُ عَتبٍ طَيُّها كامِنُ الأَسى
وَعُنوانُها فَيضٌ مِنَ الـدَمعِ ذارِفُ
جَـوى مِثلُ أَطـرافِ الأَسِنَّةِ كُـلَّما
تَــصَرَّمَ مِـنـهُ تـالِـدٌ عـادَ طـارِفُ
إِذا قُـلتُ هَذا حينَ يُؤسى جِراحُهُ
أُعيدَ لَـهُ مِـن لاعِـجِ الحُبِّ قارِفُ
هُوَ الكَلمُ قَد أَعيى الأُساةَ عِـلاجُهُ
فَـلَيسَ لَـهُ إِلّا الحَـبيبُ الـمُساعِفُ
وحكمة كقوله:
جاملْ أخاكَ إِذا استربتَ بـودِّه
وانظرْ به عقبَ الزمانِ العائـدِ
فـإن استـمـرَّ بـه الـفسادُ فَخَلَّـهِ
فـالعُضْوُ يقطعُ لـلفسادِ الزائـدِ
وقوله مفتخرًا:
بالإضافة إلى شعر الإخوانيات والشكوى.
ولن أجد خاتمة لمقالي أجمل من قصيدته في رثاء زوجته التي أخلص المودة لها، فكتب عن تجربته الشخصية، ولم يستعر من خزين رثائي تعلّمه من شعراء سابقين، ففي هذه القصيدة رؤية في نموّ الموت إذا صحّ التعبير عملية أقتل ما فيها بطؤها ودقّتها البالغة، فبدأ القصيدة بتعبيرٍ غريب، “ولم أنسَها”، وكأنّ (الواو) لا علاقة لها بالعطف أو الحال أو واو (رب)، إنها مواصلة تفصيلية لما كان يدور في ذهن الشاعر من استعادة لها، بتعبير مختلف، فهو يتحدث إلى نفسه، مسترجعاً المأساة في ذهنه، وفجأة، ومثلما تتجمع الآهات في الصدر وتنطلق زفيراً مسموعاً، ومن ناحية إيقاعية، فإن قبْضَ الكف وبسطَها يشبه عملية شهيق وزفير، كأن الشاعر الذي كان يراقبها، قد دوزن تنَّفسه معهما بانشداه، فيقول: ولـم أنسهـا والـموت يـقبض كفّها
ويبسطهـا والعين تـرنو وتـطرق
هلال ثوى من قبـل أن تـمّ نـوره
وغصن ذوى فينانه وهـو مورق
وقـد دمِـعَـتْ أجـفـانُـهـا وكـأنهـا
جَنَى نرجسٍ فيه الـنَّدى يترقْرَقُ