مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

هند مصطفى* أثناء عملي كطبيبة أسنان، في دار للأيتام في العاصمة دمشق. كان ميار من …

ذوو الهمم

منذ 5 سنوات

372

0

هند مصطفى*

أثناء عملي كطبيبة أسنان، في دار للأيتام في العاصمة دمشق. كان ميار من الزائرين المميزين لدي. فالطفل ذو العشرة أعوام، يعاني من متلازمة داون. أرجو منكم يا أطفال أن تبحثوا عن هذه المتلازمة، وتثروا معلوماتكم عنها، فهي اضطراب وراثي فيه تغيرات بالنمو، والملامح الجسدية وضعف بالادراك، وتأخر باللغة. لدى ميار ملامح وجه محببة ولطيفة. وجهه المستدير المبتسم، والجلد الزائد في زاوية العين الداخلية، وذقنه الصغيرة وأنفه المسطح. لديه أجمل ابتسامة يمكن أن تروها على الإطلاق. كان يزورني ميار بصحبة الأخصائية النفسية المجتهدة فاطمة. فهو يثق بها ويحبها. وكنت أحرص على استقباله لوحده، وإعطائه الوقت الكافي. فهو طفل ملتزم بفحص أسنانه بانتظام، ويحب استعمال الفرشاة والمعجون. يحب ميار تقنيات العيادة السنية، فكنت اسمح له عند انتهائنا من المعاينة أن يضغط على لوحة الأزرار. وكم فرح وضحك أثناء صعود الكرسي وهبوطه. تقول له فاطمة :كم تحب طبيبة الأسنان يا ميار..؟!
فكان يرفع يديه للأعلى، ليعطي أكبر حجم ممكن من المحبة. وأنا بدوري أقابله بالمثل. تقول له فاطمة: إذاً هل ستصبح طبيب أسنان عندما تكبر؟
فكان يهز رأسه بقوة غير مجاملٍ: لا.. لا.. ممثل .. ممثل ..
ميار يحب أن يكون ممثلاً.
نضحك سوية، ويبتهج ميار ويصفق بيديه، ببرائته المعهودة وسحر قلبه. عقد ميار صداقات مع بعض نجوم الفن، الذين كانوا يزوروا الدار باستمرار. وكان يشير إليهم لدى مشاهدتهم في التلفاز. يقلدهم بنبرات أصواتهم وحركاتهم.
عند انتهاء الجلسة قلت لفاطمة: إن أموره بخير، لا يشكو من شيء. فقالت: كيف ذلك إنه طوال الوقت يجلس جانبا محاولا اقتلاع أسنانه. حتى أنه يمد يده إلى أفواه بقية الأولاد، محاولا اقتلاع أسنانهم. أصبح الأولاد يطبقون أفواههم لدى مرورهم بجانبه، محاولين الابتعاد عنه وعدم اللعب معه.
إنه أمر غريب بالفعل..!
فأنا حريصة كل الحرص ألا يراني ميار وأنا أعالج أسنان الأولاد، فهو طفل مقلد… إنه أمر محير….!
في أحد الأيام دعتني فاطمة، عند الانتهاء من عملي، لحضور حفل تكريم للمتفوقين بالدار. كانت الزينة والموسيقى والحلويات، والفرح يعم المكان. لعب ميار ورقص وغنى مع بقية الأولاد. أخذ صحنه وذهب إلى حديقة الدار، لعند العم أسعد البستاني. يقطن البستاني وزوجته بديعة في غرفة جانبية، لم يرزقا بأولاد، وكان ميار بمثابة إبناً لهم. يعتنون بنظافة الدار وحديقته. تذكرت أن العم أسعد طلب مني فحص طقم أسنانه، ففيه خطب ما. سألحق بميار وأطمئن على العم أسعد. كان ميار يمرح ويسقي النباتات، ويطعم الحمام وبديعة الحنونة، تحرص على إطعامه جيدا، تلاحقه باللقيمات، لإنشغاله تماما بالحديقة. ناسيا طعامه. ولدى انتهاء العم أسعد من طعامه، غسل يديه وفمه جيدًا، وأخرج طقم الأسنان من فمه، وبدء بتنظيفه. متحدثا إلي عن الفضاوة، والخشونة ببعض الأماكن. انتبهت إلى ميار…! ترك كل شيء وتسمر. فاتحا عينيه وفمه، منتبها للعم أسعد… .! ينظر بتركيز عالي..! ما الذي استرعى انتباهه…؟ عندها فهمت الأمر، إن ميار يظن أن العم أسعد يقتلع اسنانه، عند الانتهاء من طعامه، فهو يحاول تقليده. ناديت فاطمة وأخبرتها بالأمر، وعرفنا السر أخيرا
عرف السبب وبطل العجب. إذا الحل سهل .. قالت فاطمة: ضحكت بديعة وأغلقت فمها بشالها، وقالت: علينا أن ننتبه جيدا، ثم ماذا تقولون عن سني الذهبي بمقدمة أسناني، فهو يلمع دائما. كيف سأخفيه عن ميار…؟ فأنا لا أتوقف عن الضحك. ضحكنا جميعا، وضحك ميار وصفق بيديه ..
إننا عائلة واحدة، رابط من الحب والرحمة يربطنا. كل منا يعمل بكل جهد عن طيب خاطر ..
بعد مدة تركت العمل بالدار، والتحقت بعمل في مكان آخر، بسبب ظروف قاسية وطارئة.
وبعد عدة سنوات هاتفتني فاطمة، كانت الساعة التاسعة مساء. وقالت: أرجو أن تفتحي التلفاز على المسلسل الآن. فتحت التلفاز وأنا أكلمها وأطمئن عليها، ثم صرخت بأعلى صوتي… يالها من مفاجأة ..! يالها من مغامرة…! إنه مياااار… ميار الممثل…! إنها لحظة ثمينة…!
إلتم أفراد أسرتي مستغربين أشرت إلى التلفاز، كان ميار يمثل بالمسلسل، بدور جميل مثله.. مثل جمال قلبه… وسحر ضحكته. انهمرت دموع الفرح وكنت أشعر بأنفاس فاطمة على سماعة الهاتف، كانت تبكي فرحا وتضحَك مثلي تماما … ميار حقق حلمه.
كم مرة تخلينا عن أحلامنا.. ؟ بسبب تفكيرنا بالأمور السلبية التي ستفشلنا. شعورنا بأن هناك فجوة بيننا وبين أبطالنا.
كم مرة قارنا بيننا وبينهم …؟ كم مرة شعرنا بعدم كفايتنا…؟ لقد آمنا بعجزنا.
لم يفكر ميار قط بالأسباب التي ستفشل مخططاته.
لقد تعلمت من ميار، أن الفجوة في تفكيرنا فقط. كنت أظن أني أعلمه وأدربه على الاهتمام بأسنانه. علمني ميار أهم درس في حياتي. تذكرت كيف تخليت عن حلمي بكتابة القصص. كنت أرى الفجوة الكبيرة التي بيني وبين الكتاب الكبار. التحقت بالطب ونسيت نفسي بين أروقة المهنة.
هاهنا أتيحت لي الفرصة مجددا. عندما نعالج ونغير الآخرين نغير ونعالج أنفسنا أيضا.
كيف يمكن أن تكون الحياة إذا عشناها بقلب ممتن منفتح؟
ما مقدار التغيير الذي سيطرأ على كوكبنا ….؟
إنه سحر… أعجوبة…! أشارككم قصتي هذه، لأن لكل منا قصة ليرويها …

*قاصة من سوريا

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود