109
0
72
1
118
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12355
0
12075
0
11749
1
10928
5
8756
0
أحمد عبد الحميد*
في إحدى الضواحي النائية ذات الطابع القبلي والمجتمع العشائري حيث يسود اللامعقول ويصبح اللاطبيعي طبيعيا كان هنالك صانع للنعوش يعمل جاهدا فيها وبشكل مستمر حتى يستطيع أن يؤمن أكبر عددا من التوابيت للموتى في ضاحيته فهو لا يعنيه كيف ماتوا أو لماذا قتلوا. وما دخله أو شأنه في ذلك فمنهم من توفي بعد أن قررت السماء إنهاء معاناته على وجه البسيطة ومنهم من قتل شر قتلة بعد أن ساقتهم سياسات حكوماتهم الحمقاء وموروثاتهم الدينية التعسة إلى ساحات الوغى وجبهات القتال ليلقى أكثرهم حتفه سواء آمن بتلك الموروثات أو لم يؤمن بها حتى يتهم من رجالات دينه بالإلحاد وأيضا سواء اقتنع بتلك السياسات أو لم يقتنع فينظر إليه من قبل حكومته بالعمالة والخيانة، مع هذا كله حين يلم حادث أو نكبة بالمدينة ترى أولئك الشباب والرجال أول من يبذل نفسه في سبيل هذه الأرض سواء كانوا مؤمنين أو ملحدين وأن كانوا وطنيين محبين لبلادهم أو كانوا خونة عملاء معادلة صعبة وفيها شيء من النفاق فالكل يصبح بنظرالحكومة ورجال الدين عند نزول شر بالبلاد أبطال صناديد وملائكة سمائية بل يبالغون في وصفهم حتى يجعلونهم أنبياء أو رسل للإله ذلك هو نفاق الأوطان الذي كان صانع النعوش يمقته ويبتعد عنه فوطنه هو عيناه الذي يقيس بها حجم الجثة التي سوف يصنع لها النعش من أول نظرة حتى جعل كثيرا من أهل مدنيته الذين يعرفونه جيدا يتجنبون المرور من أمامه. وشعاره هو (أفضل وسيلة للعيش بسلام وطمأنينة هي العيش بين الأموات) إذ كانوا لا يتذمرون من صنعته أو من نوع الأخشاب التي يصنع منها النعوش عكس كل الأحياء المتذمرين بطبعهم من كل شيء فكانوا يصيبونه بالغثيان والهستيريا فجعل يبتعد رويدا رويدا عن مجتمعاتهم ليشكل مجتمعه الخاص به هو والأموات حيث يجلس طوال ليلة الوفاة الأولى يحدث الجثة وهو يعمل على إنهاء نعشها عن ماضيه البعيد كيف كان مقاتلا في يوم ما يحمل في صدره عواطف جياشة تجاه بلده الذي سلبه أجمل أيام عمره وفتوة شبابه ليرميه بعد أن دب الكبر في عمره وانتشر الوهن في جسده بين حطام الحياة وقسوة الأيام يحدث تلك الجثة التي غالبا ما تكون حاملة في طياتها مثل معاناته وخذلانه عن مشاعر نبل تجاه مجتمعه وشعبه حين كانوا يجعلون منه ملك بدون مملكه فارسا بدون جواد فكلمات الثناء عليه ونظرات الاحترام والإكبار له هي مملكته وهي جواده الجامح في ما مضى لكن كل ذلك تلاشى وانقلب فجاة ضده إلى ازدراء وامتعاض منه بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانتفت الحاجة له فاتجه لممارسة حياته بهدوء ينشده ويحلم به بين أفراد مجتمعه ذلك المجتمع الذي استكثر عليه ابتسامة الحياة له بعد سوداويتها وبريق الأمل له بعد ظلام اليأس ودجاه، كذلك لا ينسى أن يخبر الجثة عن أهم شيء وأفضل أمر له في الوجود بل الأمر الوحيد الذي كان يحيا لأجله، عشق حياته عن تلك الفتاة التي أحبها منذ صغره وبادلته نفس العشق والحب وكان كلما حان موعد ذهابه إلى ساحة الوغى تضع شعرة تقطعها من خصلات شعرها في منديله وتقوم باحكام ربطه حتى يعود سالما معافا إلى أن أتى يوما ما ليخبرها بأن الحرب وضعت أوزارها وأنه تم تسريحه من الجيش فوجدها قد رحلت مع زوج آخر إلى بلد ثانية لا تعيش ثقافة الحروب والقتل والدمار فجعلته ينبذ فكرة الزواج ويبتعد عن كل النساء ليلتجأ إلى صناعته الممقوته من قبل مجتمعه ويهجر كل أنواع الراحة الدنيوية والملذات النفسية بكل تلك الأحاديث العميقة والذكريات الأليمة كان صانع النعوش يحدث الجثث التي تأتيه لكنه لم يدر بخلده يوما ما أنه سوف يحدث جثة حبيبته دون أن يعلم أنها هي.
*كاتب من العراق
التعليقات