رحم معلقة بروحي” للشاعرة إيمان الرزوق 

 

د. مصطفى الضبع 

من التجانس القائم بين “الرحم” و “الروح” تنطلق الشاعرة إيمان عبد الكريم الرزوق، راصدة العلاقة بين الذات، ممثلة في الروح، والأم ممثلة في الرحم، غير أن الشاعرة تطرح الأمومة بوصفها عطرًا تنشره على مدار القصيدة، وتمنح متلقيها الفرصة للوقوف على تفاصيله.

تستهل الشاعرة قصيدتها بخطاب يتأسس على ضمير الغائب في مستوييه، مستوى الذات المدركة أن الغياب لا يفي بمعناه تماما بقدر ما هو غياب للحضور أو مسافة من الابتعاد لإدراك الصورة بشكل كلي، وأن الغياب يمهد لحضور أداة النداء في أدائها وظيفتها الجمالية (الأداة في وظيفتها الدالة على التعظيم أي وضع المنادى في مكانة بعيدة، عليا لتعظيمه في عليائه)، ومستوى المتلقي الذي يدرك للوهلة الأولى أن الغياب يحمل معنى الشوق للغائب:”

“شُلَّ الكلامُ، أمامَ طَيفِ بهائِها

والشّعرُ سافرَ في مداها تائها

ماذا أقولُ بحقِّ حبّكِ يا التي

عمّدتُ كلّ قصائدي بضيائها

قدسيّةٌ فيكِ الحروفُ لحدّ أنْ

يُعمي عيونَ الشّعرِ فرطُ نقائها” 

قبل الشعر فالكلام عاجز إزاء هذا الطيف الأمومي، وقوة البهاء أفضت إلى هذه الحالة من الشلل حيث الأم أكبر من وأقوى من طاقة الكلام، فلا يحيط بها الكلام، وحتى الدرجة العليا من الكلام (الشعر) ليست بقادر على أن يدرك طريقه في عالم الأمومة، والشاعرة التي خبرت الكلام والشعر (مقدمة دليلها على ذلك بالعلامة (قصائدي) غير أنها تعجز عن التعبير، وتعود لتطرح الشعر عبر علامة تقدم دلالتين:

إثبات الشعرية وأن عيون الشعر هي قصائد الشاعرة التي تنتمي قصائدها لعيون الشعر ومع ذلك تقف عاجزة إزاء بهاء الأمومة، وهي شهادة ليست مقصودة لذاتها بقدر ماهي مقصودة لغيرها (أن أكون شاعرا كبيرا وصاحب قصائد من عيون الشعر ومع هذا لا أستطيع التعبير).

أن تكون عيون الشعر لشعراء آخرين كبار عجزوا بدورهم عن التعبير، وهي شهادة مقصودة لذاتها لإثبات بهاء الأمومة وطاقاتها.

الشاعرة تطرح وجهين للحقيقة: الطيف، والواقع، مساحة الطيف أنتجت منجزها المعجمي في تشكيل لغة القصيدة في جانبها الطيفي عبر مجموعة علامات لغوية تناسب الطيف تتسربل في سياق القصيدة داخلة في إنتاج: قدسية – نقاء – جنة – الروح – أحلامي – وثير – الصفح – الجنات – أريج – المبارك، وهو ما يشكل معجما يليق من ناحية أخرى بالأمومة في قيمتها العظمى. 

الواقع هو الوجه الآخر للطيف تمثله الذات في مشهدها الخاص الذي تقيمه علامات الواقع والذات معا: ضمير المتكلم – أصابع – الصحراء – قصائدي، وهو معجم يقف ظاهريا في مواجهة الخيال / الطيف، غير أن الباطن يؤكد خلاف الظاهر، وأن الوقع يتبع الطيف، فالطيف أسرع، وأوسع وأجمل وأكثر مرونة من الواقع، وهو ما يتأكد عبر سؤال عما جعل الذات تحوم حول الأمومة ومعناها، وتلجأ إليها في لحظة إنسانية ما، عند هذه النقطة يمكننا التحول إلى مرجعية تعلق الذات / الإنسان بالأم لاجئا إلى حضنها كلما اشتدت الأزمات، وهو ما يرسخ طبيعة العلاقة ويؤكد أيضا طبيعة الشخصية الشرقية في حاجتها للآخر تفعيلا لعاطفة راسخة في تكوينها الإنساني وهو ما ينقلنا إلى دائرة أخرى تتمثل في الوضع الإنساني للشخصية الشرقية في حاجتها للآخر القريب روحا والبعيد مكانا، ذلك الآخر الذي قد يتمثل في إنسان أو مكان / وطن، وهو ما يفتح زاوية أوسع للتأويل تنقل مركز الثقل الدلالي من الأم إلى الوطن، ومن الذات في فرديتها بوصفها حالة، إلى الجماعة بوصفها نظاما لحياة إنسانية. 

تطرح الشاعرة حقيقة: لا يوجد وطن إلا ويستحق الحب، ولا توجد أم إلا وتستحق الحب، وهو ما يجعل قصيدة الشاعرة عزفا على نغمتين: الأمومة والوطن في تداخلهما.

بعد العنوان تتكرر كلمة الروح مرة واحدة، والشاعرة تنشر معنى الأمومة عبر القصيدة في عدد من العلامات: أمي – الحضن الأمومي – صفات الأمومة في تواليها.  

تمثل مفردة الأم علامة محورية في سياق القصيدة، وصناعة المشهد القائم على مواجهة أخرى تقيم ثنائية أخرى بين التشبيه والاستعارة: 

“أمّي، إذا كتبتْ أصابعُ لهفتي

تتخضّبُ الكلماتُ من حنّائها

العمرُ صحراءٌ وحضنكِ جنّةٌ

هلّا انتشلتِ الرّوحَ من صحرائها

ظمآنةٌ لغتي، مُمَزّقةٌ أنا

فمتى ستنغمسُ الحروفُ بمائها” 

يقف التشبيه الثنائي: “العمر صحراء، وحضنك جنة ” يقيم بدوره 

نظاما شعريا تمثل فيه الأم قيمة شعرية تواترت على مدار الحياة الإنسانية، وتعمل على توظيف طاقة البلاغة: الاستعارة والتشبيه، بوصفهما علامتين تقران الحال وتقرأ كل منهما وجها من وجوه الحياة الإنسانية، أو تلك الحياة التي تجد الذات نفسها منغمسة فيها: 

“في بُعدِكِ الأشياءُ تُنكِرُ أصلَها

تتفلّتُ الأفعالُ من أسمائها

من سوفَ يرعى بردَ أحلامي التي

هربتْ لتبحثَ عن وثيرِ غطائها

سقطتْ ببُعدكِ للأمانِ مدينةٌ

كانت تظلّ القلبَ تحتَ سمائِها” 

ويكون لسقوط المدينة بعده الرمزي من زاويتين: 

الأولى: الربط بين الأم والوطن.

الثانية: تنكير العلامة مدينة طرحا لاحتماليتين: مدينة بعينها، مدينة رامزة لكل المدن، مدينة استعارية عما هو معنوي (الحب – العطاء – الأمان وغيرها من المعاني).

الثالثة: توسيع مجال عمل الاستعارة، حيث استعارة الأم في رمزيتها للوطن، وفي استعارة الأم نفسها تعبيرا عن الوطن ذلك المختزل في مدينة واحدة ترمز للهزيمة، والشاعرة تتجنب الإشارة لسقوط الوطن (كان بإمكانها أن تجعل السقوط للوطن فالبشر يسقطون والمدن كذلك، ولكن الأوطان لا تسقط فهي حية داخلنا نحملها أكثر مما تحملنا فقد نغادرها ولا تحملنا أرضها لكننا نحملها في الحالتين: فيها وبعيدا عنها).

تأكيدا لمشهد السقوط ترسم الشاعرة صورة للطيور في براءتها، مما يجعل من الحزن مساحة محيطة ليست تعيش داخل الذات وإنما هي محيطة بها:

ماتَتْ عصافيرُ الغناءِ، فمن تُرى؟”

سيُعيدُ للأطيارِ لحنَ غنائِها” 

وهو ما يوجب النداء في صورته الاستغاثية حين تصرح الشاعرة بنداء الأم حاذفة أداة النداء تقريبا للمسافة الروحية بينهما: 

أمّي،، تعالَيْ ،، فالحياةُ مُسيئةٌ

أنا لا أُجيدُ الصَّفحَ عن أخطائِها

ربِّي فؤادي،، هدهديه،، ليهتدي

و ليقبلَ الدّنيا على أدوائِها

أمّاه ضمّيني لصدركِ علّها

تحكي ليَ الجنّاتُ عن أنبائها

فأنا ببُعدِكِ أحرقتني غُربتي

وتعبتُ أركُضُ خلفَ وهمِ ظبائِها

يا جنّةً أشتاقُ شمِّ أريجِها

لأسرّحَ الأحلامَ في أرجائها

لأقبّلَ الشّجرَ المباركَ والرُّبا

وألوذَ بالمَرويِّ من أفيائها” 

في نهاية القصيدة يأتي النداء الثالث بمثابة الصرخة الأخيرة طلبا للغوث عبر نبرة طابعها الاستسلام المؤسس على الترجي جامعا بين اليأس والرجاء: 

“يا مَنْ أقدّمُ نورَ عيني، علّني

أحظى وإن طالَ المدى بلقائِها”

لا تكتفي الشاعرة برسم صورة الحال والعلاقة بين الذات والأم وغيرها مما طرحته القصيدة وإنما هي تشكل صورة تقوم على الحواس الخمس التي تشبعها الأمومة، وهو ما يتأكد حين نتتبع العلامات الدالة على هذه الحواس:

 البصر: بهاء – ضياء – صحراء – جنة – الشجر – النور – سماء – الربا – الماء، وغيرها من علامات تتشارك لرسم صورة قوامها المدرك البصري، وهي علامات تتعدد مرتبطة بالوطن على اتساعه أو بالكون على ترامي أطرافه، دالة على اتساع مساحة حركة الروح في الكون.

السمع: الغناء – النداء – الخطاب – لحن الغناء، وغيرها من علامات تتشارك لتقديم ما يشبع السمع مباعدا بين الذات ومساحات الضوضاء أو غيرها مما قد يشير إلى القبح.

اللمس: وثير- ضميني – أقبّل، وهي علامات تجعل من الأم بما تبلوره من صفات وما تطرحه من معان مساحة حسية تؤكد حضورها مبتعدة بها عن مساحة الوهم. 

التذوق: ظمآنة، وهي علامة يكفي حضورها ليؤكد ما آلت إليه الروح وما يجب على الذات أن تفعله للخروج منها تجنبا للهلاك.

الشم: أريج – الجنة – الشجر، وجميعها علامات تجعل من المشهد مساحة من الجمال تأسيسا على الأمومة بوصها مرجعية الجمال.

لقد عزفت الشاعرة على الأمومة في دوائرها المتعددة، المتسعة، جاعلة منها رمزا للحياة المفتقدة، وموظفتها للتعبير عن حالة الذات في فرديتها وفي حياتها المرتهنة بعالم يمكن رؤيته من زاوية العروبة وما أصابها، أو الحياة الإنسانية وما حاق بها، وهو ما يجعل من القصيدة نصا له ثراؤه، ومن الشاعرة ذاتا تدرك قدراتها فتعمل على توظيفها فنيا وجماليا. 

One thought on “رحم معلقة بروحي” للشاعرة إيمان الرزوق 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *