8
0
13
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13532
0
13378
0
12213
0
12137
0
9570
0
عبد الرزاق طميني*
بقي أحمد شاخص البصر وهو (مشدوه) أمام هول المنظر. ها هو كل البيت يحترق وفيه كل ما كان يملك. كان عزاؤه الوحيد أن زوجته وأولاده لم يكونوا بداخله. استفاق من شروده على صوت شاحنة الإطفاء، التي وفور اقترابها، باشر طاقمها عملية اخماد اللهيب المستعر. كان متأكدا أن مديره السابق في الشركة التي كان يشتغل بها يقف وراء هذه الجريمة النكراء، لكن عندما سأله الضابط حسام المكلف بالتحقيق إن كان يتهم أحدا ما بافتعال الحريق، أجابه بالنفي. فهو يعرف أن المدير له صلات وثيقة بمسؤولين نافذين في الدولة، بحكم احتكاره لسوق المواد الكيماوية، وكونه الموزع الوحيد لها في كل البلاد، وأن اتهاما خطيرا كهذا لن يجر عليه سوى مزيدا من المشاكل. فحتى الوثائق التي كان يتوفر عليها والتي كان بإمكانها إثبات تورط الشركة في عمليات مشبوهة، ها هي تلتهمها النيران التهاما.
واجهه الضابط، الذي كان محنكا ومعروفا بذكائه ونزاهته، بأن النتائج الأولية للتحقيق تثبت أن الحريق مفتعل وقد تم استعمال مواد كيماوية شديدة الاشتعال لإضرامه…
حينها طأطأ أحمد رأسه، فاسترسل حسام بمواجهته فأضاف:
– لقد كنت تشتغل كتقني مختبر بشركة ش.م.ص.ك. لمدة عشر سنين، وتم تسريحك بسبب خطأ مهني جسيم، هل يمكنك اطلاعنا على هذا السبب؟
هنا انهار أحمد ونظر لمخاطبه نظرة ملؤها مزيج من اليأس والغضب وقال بصوت شبه مكتوم:
– هل يمكنني التحدث دون أن تدرج أقوالي بمحضر الاستماع؟
– تفضل، كلي آذان صاغية.
– منذ حوالي ستة أشهر، توصلت الشركة بشحنة لمادة جدا خطيرة، تستلزم إجراءات خاصة للنقل والتخزين والاستعمال لتفادي وقوع كارثة، وجهت الملاحظة لمسؤول المخزن الرئيسي حتى لا يغفل عنها من باب التذكير فقط، فأجابني بنبرة حادة بأن الأمر لا يهمني ولا داعي لتواجدي أصلا هنا بالمخزن وأن مكاني هو المختبر…
بالفعل غادرت متعجبا من ردة فعله الغير لائقة، وما أن وصلت مقر عملي حتى رن هاتفي، كان على الخط مديري شخصيا يستدعيني لمكتبه في الحال بنبرة آمرة، تعجبت من ذلك، فليس من عادته أن يستدعي مستخدما في الشركة بنفسه، لم يخطر ببالي أن الأمر له علاقة بالمادة الجديدة ومسؤول المخزن.
وجدت المدير في انتظاري ونظراته يتطاير منها الشرر، فبادرني بالسؤال: ما الذي ذهب بك إلى مخزن الشركة، ولماذا حشرت نفسك في ما لا يعنيك؟
هنا صدمت وتلعثمت في الكلام محاولا إقناعه بأني كنت هناك لأجل مهمة طلب بعض المواد أحتاجها في مختبري وتصادفت مع عملية تسليم شحنة المادة الخطيرة، ومن باب خوفي على مصلحة الشركة وسلامة عمالها وجهت نصيحتي…
هنا قاطعني و هو يصرخ: هذا ليس من شأنك، ولا يحق لك التواجد في المخزن أصلا، وما تحتاجه من مواد يجب طلبه بطريقة إدارية باتباع المسطرة المنصوص عليها بالقانون الداخلي.
هنا طلب مني الذهاب لقسم الموارد البشرية ليتم الاستماع إلي من أجل إصدار عقوبة إدارية في حقي.
طبعا لم أكن أتوقع أن مصيري سيكون الطرد بسبب ما فعلته، فحتى مدير الموارد البشرية، الذي كان يعرف مدى إتقاني لعملي والتفاني في أدائه لم يستطع سوى الامتثال للأوامر التي صدرت من المدير العام.
هنا قاطعه الضابط متسائلا:
– ما اسم هذه المادة؟
– “مادة الزيلين” أجابه أحمد.
أخذ المحقق هاتفه وأجرى بحثا سريعا عن المادة، فلاحظ أحمد تغير سحنته وابتسامة ساخرة قد ارتسمت على شفتيه.
– هل تحتفظ بوثائق قد تثبت أي عمل اجرامي تقوم به الشركة؟ سأله حسام بنوع من الحماس
تردد أحمد قليلا قبل أن يجيب: كانت لدي بعض الوثائق التي قمت بتسريبها بصعوبة فائقة والتي تظهر أن نسبة كبيرة من المواد المستوردة لا يتم تسويقها أو إعادة تصنيعها، ويبقى مصيرها مجهولا، مع العلم أن ثمنها جدا مرتفع وخطورتها كذلك، أي أنه لا يمكن التفريط فيها هكذا بكل سهولة.
هنا اتقدت عينا الضابط وكأن فكرة خطرت على باله وتأكدت له بعض الشكوك، طلب من أحمد أن يبقى وأسرته بعيدين عن الأنظار وأنه سيبقى على اتصال به إذا ما كان هناك مستجد وسلمه بطاقة هاتفية طلب منه أن يستخدمها دون غيرها إلى حين نهاية التحقيقات.
كون الضابط فريقا صغيرا من خيرة رجال فرقته، وأحاطهم بالخطوط العريضة للقضية وكيف سيقومون بمهامهم الموكلة إليهم في سرية تامة نظرا لحساسيتها، توجه بعدها إلى الأستاذ رفيق زميله في الدراسة، الذي كان يشغل منصب وكيل النيابة ليطلعه على الحيثيات، ويستصدر منه أمرا بالتفتيش داخل مقرات الشركة ومخازنها وكذلك حساباتها البنكية ومعاملاتها الجمركية والضريبية.
اكفهر وجه رفيق وهو ينصت لزميله ضابط الشرطة الذي حاول وضعه في الصورة، وإبراز القرائن التي اعتمد عليها في بناء ملف اتهامه. قاطعه قائلا: أنت تعلم مدى خطورة هذا الاتهام نظرا لحساسيته ونفوذ الأشخاص المتورطين فيه، فما هي الترتيبات التي قمت بها لأجل إحكام قبضتك عليهم دون أن تعرضنا لما لا يحمد عقباه؟
– لقد وضعت مجموعة من الرجال لمراقبة مقرات الشركة لرصد أي تحرك غريب 24/24 ساعة، كما كلفت ضابطا بتفحص حسابات الشركة، وآخر سيراقب منظومتها المعلوماتية والمراسلات الهاتفية والإلكترونية بعد أن تسلمني الإذن بذلك طبعا.
أجابه المحقق بكل ثقة. وهنا رن هاتفه، كان أحمد على الخط فأسرع بالرد.
– آلو.. أنا أحمد هل تسمعني ؟
– أسمعك جيدا. ماذا هناك؟
– تذكرت معلومة قد تكون ذات أهمية وأردتك أن تعرفها!
– تفضل هات ما عندك؟
– هناك جناح في مقر الشركة يؤدي للمخزن وله باب يطل على الجهة الخلفية للمقر، هذا الجناح شبه مغلق وعليه حراسة دائمة، وفقط بعض الموظفين القلائل مسموح لهم بالدخول إليه، لا أحد يعرف ما يقومون به هناك، ظننت أن هذا قد يساعدك في البحث الذي تقوم به.
– هذه المعلومة بغاية الأهمية وكان عليك اخباري بها منذ البداية، لا عليك الآن، وخذ حذرك كما أوصيتك.
أقفل الضابط حسام هاتفه ونظر إلى وكيل النيابة نظرة انتصار ثم خاطبه قائلا:
– أظن أن هناك تغييرا في الخطة، سنركز مؤقتا على المراقبة المكثفة حتى يستجد ما يدعو لإتمام الإجراءات الأخرى، وهكذا عندما تتوفر لدينا أدلة دامغة، حتى الوزير نفسه لن ينفعهم، وأخبر رفيق بفحوى المكالمة.
بعد ثلاثة أيام من المراقبة المتواصلة، توقفت شاحنة صغيرة قرب الباب الخلفي لمقر الشركة، وفي الحين اتصل عناصر الفرقة بالضابط لإخباره بالمستجد، فطلب منهم التريث وعدم مغادرة أماكنهم، فتح الباب ودخلت الشاحنة إلى المقر، وبعد أقل من نصف ساعة فتح الباب لتغادر من جديد. أعطى حسام تعليماته بتعقبها دون إثارة الإنتباه، مع الإبقاء على أحدهم ليواصل المراقبة بعين المكان، والإشعار بكل طارئ.
– أريدك بمكتبي حالا.
تلقى حسام البرقية بتوجس، فنبرة صوت رئيسه تنبئ بشيء غير سار.
طرق الباب وانتظر الأمر بالدخول، مرت ثوان بدت له طويلة حتى سمع صوت الرئيس يأمره بالولوج، أعطى التحية الرسمية وانتظر الإذن بالجلوس، بادره الرئيس بالسؤال:
– أريد تقريرا عن التحقيق الذي تقوم به حول شركة ش.م.ص.ك
– التحقيق لا زال في بدايته، وأنا في انتظار إثبات بعض الفرضيات بدلائل ملموسة حتى أخبركم بمجريات البحث.
– هل جننت أم تريد أن تفتح علينا باب جهنم؟ أ تعلم من يكون صاحب الشركة؟ أ ليس هناك قضايا أخرى تعمل عليها غير هذه؟ لقد تلقيت مكالمة هاتفية من رئيسي يأمرني فيها إيقاف البحث حالا و حفظ القضية.
– لكني أعمل عليها تحت إشراف النيابة العامة ولدينا قرائن تضع الشركة في قفص الاتهام بسبب نشاطات مشبوهة
– هناك من سيتكلف بإخبار الوكيل بإيقاف البحث.
– لكننا على وشك التوصل إلى إثباتات …
قاطعه الرئيس غاضبا: أنت موقوف عن العمل حتى تمثل أمام المجلس التأديبي. يمكنك الانصراف.
غادر حسام مكتب رئيسه وهو يشعر بالظلم من جراء قرار توقيفه، اتصل بالأستاذ رفيق ليخبره بالواقعة، لكن هذا الأخير بادره بالكلام: لقد تم حفظ القضية بأمر من الوكيل العام، لذا لا داعي للإصرار، فهذا أمر يتعدانا و يتعدى سلطتنا.
– لكن سلطة القانون فوق كل السلط، وأنا وإن كنت موقوفا عن العمل، فلن يهدأ لي بال حتى أثبت تورط هؤلاء الملاعين في كل الجرائم المرتكبة.
بعدها اتصل حسام بأحد الصحفيين المعروفين بجرأتهم وطلب مقابلته.
كان فريق البحث قد أنهى مطاردته للشاحنة المشبوهة التي توجهت إلى أحد الضيعات بضواحي المدينة، عندما تلقوا الأمر من مركز القيادة بإلإلتحاق الفوري بمكتب الرئيس، نفس الأمر تلقته فرق المراقبة، اتصل أحد أعضاء الفريق بحسام ليستفسره حول أسباب هذا التغيير الفجائي في الخطة، فصدم بخبر إيقافه عن العمل.
بعد العصر، التقى حسام بالصحفي عماد بأحد المقاهي الشعبية التي كانت على غير العادة شبه خالية من الزبائن.
حسام: هل أنت على استعداد لخوض معركة قد تكون عواقبها وخيمة ؟
عماد: أنا بطل المعارك الخاسرة كما تعلم أيها الضابط.
حسام: أنا موقوف حاليا عن العمل، يمكنك مناداتي حسام وهذا بسبب القضية التي سأطلعك عليها.
حكى له حسام بالتفصيل الممل كل جوانب القضية، ولاحظ عليه تغير سحنته تدريجيا.
أنت من خيرة الصحفيين المحققين، وبحكم مهنتك فأنت تتوفر على هامش حرية أكبر مما كنت أتوفر عليه، ويمكنك التوصل إلى حقائق وفضحها للإطاحة بما فيا إجرامية قوية، فساعتها لن يجرؤ أحد على التغطية على نشاطاتها. أوصيك فقط بأخذ الحيطة والحذر، فهؤلاء لن يترددوا لإزاحة كل من يقف في طريقهم.
قضى عماد قرابة شهر وهو يجمع القرائن واستطاع أن يكون لوحة تظهر العلاقة بين الشركة وصاحب ضيعة لم تكن في الحقيقة سوى مختبرا سريا لصناعة الأقراص المهلوسة. صاحب الضيعة لم يكن معروفا في المجتمعات الراقية للمدينة رغم ثراءه الفاحش، ولكنه كان على علاقة وطيدة بأحد البرلمانيين التابعين لحزب قوي، وكان يضمن له حماية لا مشروطة مقابل تمويله لحملات الحزب الانتخابية.
وضع عماد ملف التحقيق أمام مدير النشر وكله فخر واعتزاز بالعمل الجبار الذي قام به، لكن ردة فعل المدير عندما بدأ يتصفح الملف جعلته يشعر بإحباط شديد، وعندما أخبره بأن هذا الملف لا يمكن نشره، ثارت ثائرة عماد وانتزع الوثائق انتزاعا من بين يدي المدير واستدار مغادرا وهو يصرخ: اعتبرني مستقيلا من الآن.
استقل عماد سيارته وأخبر هاتفيا الضابط حسام بما وقع. لم يتعجب هذا الأخير كثيرا من ذلك، وطلب منه لقاء من أجل وضع خطة جديدة، وهنا توقف عماد بسيارته، وقام بتنزيل التقرير الذي كان يعده للنشر بالجريدة على موقعه الشخصي وبعض المواقع الإلكترونية المعروفة بتوجهاتها الفضائحية، ثم واصل السير في اتجاه مكان موعده مع حسام.
توقفت سيارة عماد قرب المقهى التي كان ينتظره بها حسام، هم بالخروج عندما مرت دراجة نارية كبيرة الحجم يمتطيها راكبان، أحدهما قام بغرز خنجر في ظهر حسام ولاذا بالفرار، كانا يرتديان خوذتان يحجبان كل ملامح وجهيهما، وطبعا الدراجة النارية لم تكن لها لوحة معدنية.
كان حسام يشاهد المنظر وهو شبه مشلول من الصدمة ومن سرعة العملية لم يستطع فعل شيء، وشعر بالمسؤولية في ما تعرض له الصحفي الشاب، امتزجت بداخله المشاعر التي طغى عليها الغضب ورغبة جامحة في الانتقام، غادر المقهى دون أن يذهب لرؤية جثة القتيل التي تجمهر الفضوليون حولها.
في صباح اليوم الموالي، كل الجرائد و منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية كانت تنشر صورا لحريقين مهولين نتيجة انفجار قوي، أحدهما بشركة لصناعة المواد الكيماوية، والآخر بإحدى الضيعات الفلاحية بضواحي المدينة.
*كاتب من المغرب.