7
0
13
0
13
0
10
0
16
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13561
0
13405
0
12240
0
12151
0
9593
0

عبدالله عطية الزهراني*
نأى بنفسه عن كُلِّ شيء، مثل زاهد لاذ بصومعته متعبدًا، يرتل تسبيحاته آناء الليل وأطراف النهار …
ولَّى ظهره لضجيج الحياة، ترك روحه المسحوقة تسبح في أنغام موسيقا باذخة تعزف بأنامل ساحرة؛ لتحرك ما يجول في أعماق روحه؛ ليفقد الزمن قيمته ويتحوّل إلى زمن واحد نهاره ليل، وليله نهار…
أعتكفَ في محرابه بعد أن هجر رفاقه… يتلو تراتيل الوحدة، سافرَ عبر زمن مجهول، حيث لا يسمع غير وقع خطوات روحه الثقيلة، التي أنهكت كاهله.
فقدَ الاتصال بالنَّاسِ والحياةِ طمعًا في قضاء ما تبقى من أيَّامِ حياته في سلامٍ وطمأنينة.
دثّر نفسه كل صباح بالدعوات والابتهالات، ناشدًا أن يضل الأذى طريقه، ويكون الأمان حليفه.
يتناهى إلى سمعه، وهو في عزلته، صدى صوت والدته تقول له: «قلبك هو دليلك، أمطره بإخلاص النية، وصادق الدعوات فيرشدك إلى طريق الخير».
عندما يتذكر مقولة أمه يبتسم، بعد أن شعر بلذة تجتاح روحه، ويتمتم هامسًا لنفسه: «أصدق الحديث حديث الأمهات»!
ظلَّ متمسكًا بموت الحياة في أعماقه، على رغم رياح الحنين التي كانت تحثه على التراجع عن قراره.
لم ينحنِ أبدًا عندما داهمته نار العزلة، ولم يركع تحت وطأة وحشة الغربة.
لا ينظر إلا إلى السماءِ… يرى في غيمةٍ صورة وجهه المتجعد الذي عبث به الوجع.
تجذبه النجوم ليلاً؛ ليسامرها، يبث شكواه، يهذي، يتألم، يصرخ، ثم يغني في عتمة الليل الكئيب أغنية الألم، بصوت شجي، كأن ألمه سيمفونية الخلود التي يطمح كل عازف؛ إلى الوصول إلى فكرتها، وكتابة نوتتها الموسيقية.
انصرفَ عن ملذات الحياة، واختار أن يعزف مشوار حياته على ورقة بيضاء، كأنها كفنه الذي سوف يتسربل فيه إلى الأبد؛ يلف أسرار ماضيه داخل أكوامها ويمضي في نحر ذاكرته، وقطع نسقها للخلاص منها.
عندما يهبط الليل ويتمدد على الأرض بعتمته يزداد الأنين في وفؤاده، حتى يشعر بأنه سيفر من بين ضلوعه… مع اقتراب الغلس ينادي مشتاقًا على الأهل والرفاق والأحباب… وتذكرهم واحدًا واحدًا، وترددت في مسمعه أصواتهم وهي تناديه: «لا تذهب، كن معنا… نرجوك عد إلينا»… تسقط دمعته عندما تختفي الأصوات شوقاً إليهم.
تتوالى الأيَّام، ويظل تواقًا للبحث عن ليلته الموعودة التي يتمنى أن يلتقيها، وينام في كنفها في أمان سرمدي، ويلتقي فيها أمه التي قتله الشوق إليها منذ مغادرتها الحياة.
*قاص من السعودية