2
0
3
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13381
0
12214
0
12138
0
9571
0

شذى الجاسر*
وسط مدينتي، في أحد الأحياء هناك متنزه جبلي حوله ممشى، يسكن جانبه مطعمان للوجبات السريعة!
اعتدت التريض فيه الساعة السادسة أو السادسة والنصف صباحا، ولظرف أشغلني خرجت لأول مرة له في الساعة الخامسة مساءً، كان المكان مزدحما بخلاف الصباح الذي بالكاد أجد شخصا أو شخصين معي، وضعت جوالي في جيب عباءتي وابتدأت المشي …
مرت بجانبي امرأة سمعتها تقول: “لا عليك… اخلعيه وعيشي حياتك بعيدا عن هذا النكد”، تعجبت لما سمعت، كيف لها أن تتساهل في أمر التخبيب بين اثنين! …
أكملت سيري لأبدأ دورة رياضتي من جديد، كل من مر بجانبي صامتون ما عدا واحدا كان في الاتجاه ذاته، وبصوت عال سمعته يقول للطرف الآخر في محادثة هاتفية: “اضربها بزوجة أخرى تهتم لمصالحك”، نظرت له نظرة استنكار، أسرعت بخطاي لكي لا أسمع المزيد من هرائه، ليلحقه صوت فتاة في مقتبل العمر تتحدث عن جامعتها ودكتوراتها اللاتي شددن عليها بالاختبارات، وبعد مسافة قليلة سمعت أحدهم يقول لصديقه الذي يمشي معه: “درب نفسك على التنفس العميق، أغمض عينيك وخذ نفسا عميقا من أنفك وأخرجه تدريجيا من فمك، كررها ثلاث مرات تساعد على الاسترخاء”، توقفت عن المشي وقررت تجربة طريقته، وقفت على جانب الممشى، أغمضت عيني، أخذت نفسا عميقا شعرت النسمات تدخل من خلال أنفي وتتسلل إلى صدري الذي على مستواه تدريجيا، ثم أخرجته ببطء من فمي كان شعورا ممتعا وكأني أخرج معه كل المشاعر المتعبة لتودعني عند شفتيّ وتخرج للفضاء، أكملت طريقي…
استوقفتني امرأة كانت تمشي متكئة على عصاتها تمشي ببطء ومساعدتها بجانبها تحمل كرسيا متنقلا صغيرا، أحببت حرصها على الحركة رغم المشاكل الصحية الواضحة عليها، ومع بدء دورتي الجديدة حول الممشى سمعت أحدهم يتفق مع الآخر على شخص ثالث، لم أفهم شيئا ولكن بشكل عام كان الأمر يوحي بالسوء، ودعوت الله أن يحمي ذلك الشخص …
نقلت نظري إلى ما حولي، الأجواء جميلة، نسمة هواء منعشة، حتى لسعة حر الشمس الخفيفة جعلت نسمات جسدي تتنفس، وكأنه يخلع خلاياه القديمة، ويكتسي خلايا جديدة، أكملت ثماني دورات حول هذا المكان، دخلت للمتنزه وجلست على أحد الكراسي لأرتاح قليلا، تأملت البيوت الهادئة خارجيا، خُيّل لي وكأنها مخلوقات حية، غرف النوم هي الرأس أو العقل، الصالون هو القلب، غرفة الطعام أو (المقلّط) هو مكان البطن أو (المعدة)، المجلس هو منطقة الصدر، المطبخ هو الأيدي والأرجل، أما واجهة البيت هي وجهه، نوافذه أعينه، وباب البيت لسانه، وبقيته هما وجنتاه، تأملت حديث هذه المنازل، منها ما يشتكي حاله والنار التي تسكنه، ومنها ما يصف جنته، ومنها ما يشتكي انتفاخا في معدته وعسر هضم، ومنها ما يشتكي من صداع مزمن لم يجد له حلا، تأملت وجوه هذه المنازل، كلها كانت مبتسمة، راضية، وحزينة، لفت نظري منزلا يلفظ أنفاسه الأخير لتتم ولادة منزل جديد بديلا عنه يواجه مصارع هذه الحياة، أخذت نفسا عميقا ألقيت نظرة أخيرة لأراهم وكأنهم في محاولة لتنفس الحياة …
عاودت رياضة المشي، سقط على أذني بعد فترة وجيزة قسم أحدهم أنه في العمل وخرج فقط (للبقالة)! لتأتي امرأة موازية لي في السير، تتحدث عن سفرتها وكرم زوجها وكذلك خيانته! وبلاؤها مع أبنائها، شعرت ببعض الأسى على الزوج والأبناء، ندمت أنني خرجت في وقت المساء لما سمعته من كلام غريب وقاس، إلا أنني ليس لي الآن سوى أن أكمل رياضتي التي تعرض لي قصصا قصيرة تحمل خلفها روايات عميقة، أخرجني من حديثي الذاتي صوت امرأة تطلب من التي تحادثها طريقة للتخلص من أم زوجها! … اعتراني غضب بالكاد كتمته، كيف لها ذلك؟! لمَ لا تعتبرها بمثابة والدتها! … ذكرت الله في سري، استغفرت ومضيت أكمل هذه الرياضة التي بدأت تتحول لبحر من ظلام يسحبني لاعماقه، بت أركز على دقات قلبي، تنفسي وخطواتي لكي أبعد تركيزي عمن حولي … لكن دون فائدة، فقد أتى رجل كبير بالسن، كان واضحا أنه من الأسر التي تدعي أنها أسر محافظة وعادلة، كان يقول لشاب علي الطلاق إنها لك، لا أعلم ما هي ولكن يا لحظ زوجته التي أصبحت استعراضا للرجولة من خلال الطلاق، أمرا عجيبا اعتقدت أن هذه الأمور اندثرت حتى أتى من يثبت وجودها، سئمت مما سمعت وحمدت الله أنني من أسرة متفهمة واعية، وأن حولي مجتمعا مثقفا، لأصدم من قول أحدهم وهو يصف بدقة تفاصيل فتاة دائمة الحضور معه للأمسيات الثقافية، وأنه سيبدأ معها علاقة كما يخيّل له أن تكون!! …
توقفت قليلا، فلم يعد باستطاعتي سماع المزيد، أخرجت سماعتي اللاسلكية، بحثت عن أغنية طلال مداح “زمان الصمت”، رفعت نسبة الصوت عاليا حيث لا أسمح لأذنيّ أن تسمع حديث المارة، ولا حديث البيوت، التي باتت تختنق من سكانها، أصبحت أراهم وصوت طلال يملأ أذني …
“زمان الصمت … يا عمر الحزن والشكوى يا خطوة ما غدت تقوى … على الخطوة” …
ولكن كانوا بألسن سوداء متدلية، وشفاه متورمة، وأبواب رغم حداثتها متصدئة.
*كاتبة من السعودية