9
0
70
0
108
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13503
0
13349
0
12186
0
12127
0
9546
0
تغطية_ د.عبدالعزيز قاسم*
1) انطلقتُ -والرفقةُ الكريمةُ- صباحَ الثلاثاء 23 يوليو 2024 من بلاد “بلقرن”، مدينة “البظاظة” الجميلة تحديدًا، متوجهين نحو ديار “بني عمرو”، وهذه القبيلة تنتسب إلى جدِّهم “عمرو بن حجر بن الهنو بن الأزد”، ويَحدُّهم من الشمال “بلقرن”، ومن الغرب “عمارة والنواشر”، ومن الشرق مدينة “بيشة”، ومن الجنوب “بنو شهر”. وتنقسم بلاد “بني عمرو” إلى ثلاثة أقسام: بنو عمرو السراة، وبنو عمرو البادية، وبنو عمرو تهامة.
بمجرَّد دخولنا تلك المنطقة الجميلة في جنوبنا الغالي، إذا بنا أمام أشهر مَعْلَم في “بني عمرو”، وهو جبل (حَرْفَة)، والذي يدور عليه كثير من الأساطير، وسكنى الجن فيها، بما يروج عادة في مناطق الأرياف.
طبعا الجبل عبارة عن صخرة صماء، تحيط بها الغابات من جميع الاتجاهات، ويبلغ ارتفاعه عن الأرض 2491 مترًا، ويجاوره من الجهة الشمالية الغربية؛ جبلٌ أصغر منه حجمًا يسمى “الثدي”، لأنه على شكل ثدي.
أول ما لفتَ نظرنا في بلاد “بني عمرو” هو خضرة الأرض، بما لم نشاهده في مثل هذا الوقت من الصيف في كل ما مررنا به من مناطق.
2) توقفنا في جبل “المطلا” في بلاد “بني عمرو”، وأثنى كثيرًا دليلنا الأستاذ علي الضعيف القرني على بلديتها، وقال بأنها الأفضل في المنطقة كلها، وتساءلت عن المدينة الرئيسية في “بني عمرو”، وقلت في سناباتي أننا من خارج المنطقة نُخمِّنُ أنَّ الباحة تتبع قبيلة “غامد”، والمندق والأطاولة لقبيلة “زهران”، والنماص لقبيلة “بني شهر”، فأين المدينة الرئيسية ل”بني عمرو”؟
أجابني لاحقًا الصديق العزيز محمد العمري، مدير عام السياحة الأسبق في منطقة مكة المكرمة، بأن النماص مشتركة بين “بني شهر” وبني “عمرو”، وهم رجال “الحجر” مع إخوتهم “بللسمر” و”بللحمر”.
من على سفح جبل “المطلا”، ينتصبُ أمامك شامخًا جبل (حَرْفَة)، وفعلًا رُبط هذا الجبل بقبيلة “بني عمرو”، وعدتُ أقرأ عنه، لأجد أنَّ الباحث الشهير في تراث المنطقة د. صالح أبو عراد عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد، قال بأن (حَرْفَة) اسم لجبل صخري ضخم يقع في بلاد “بني عمرو”، في الجزء الشمالي لمحافظة النماص الواقعة شمال منطقة عسير، ولهذا الجبل شكل متميز، حيث تُحيط به أشجار الغابات، وله شواهد تاريخية، فمن أيام الحروب الجاهلية بين القبائل يُقال إن أهل المنطقة إذا أرادوا تحقيق النصر على قبيلة تغزوهم؛ فعليهم أن يسحبوهم إلى هذا الجبل، ويُضيف أبو عراد أن هذا الجبل معروفٌ، ويُعدُّ من المعالم السياحية التي تدور حوله أساطير شعبية، حيث لا تزال تنتشر قصصها العجيبة ورواياتها الغريبة بين بعض أبناء المنطقة وزوارها، تزعم تلك القصص أنَّ الجبل يُعدُّ موطنًا لسكن الجن، كما أنَّ هناك من يظن أن من ينام في ذلك الجبل سيصبح شاعرًا بتأثير الجن، واستمرت تلك الإشاعات حتى أصبح المكان مكانًا يُخوَّف به الناس.
3) انطلقنا إلى متحف “ابن صوفان”، حيث التربوي والباحث العريق، وعاشق التراث الجنوبي، الصديق عبدالله بن محمد بن صوفان العمري، في قرية “لشعب” في “بني عمرو” بمحافظة النماص.
طبعًا أقسم عليّ أن أزوره ورفقتي، وقد أتيته قبل 11 عامًا، ومتحفه -إذاك- لمَّا يَزلْ في بداياته، وإذ بي وبمجرد دخولي فناء المتحف؛ أذهلُ من توسعته لثلاثة أضعاف ما كان، دعك عن تلكم المقتنيات الثمينة والنادرة التي أضافها للمتحف الفريد، وتجولنا والدهشة تملأنا مما استطاع هذا الرجل بجهده الفردي إقامة مثل هذا المتحف الجنوبي الفريد، وتعجب أكثر أنه قام به وحده دون مساعدة من أحد، دافعه حبُّه لتراث قبيلته، وعشقه لتراب الأرض التي ولد وترعرع وتشبَّث به، غير آبهٍ لنداءات انتقاله عنه إلى المدن الكبيرة، بما فعل معظم أهل منطقته.
ستذهلون مما ترونه في السنابات المصاحبة، من همة الرجل، وعشقه لتراث أجداده، وقوة عزيمته في جمع هاته المقتنيات التراثية النفيسة.
4) عندما هاتفتُ الصديق عبدالله بن صوفان، وقلتُ بأننا سنغادر بلاد “بلقرن” ونلبي دعوته لزيارة المتحف، ألحَّ علينا بالإفطار عنده، وتأبَّيتُ عليه تمامًا، ذلك أننا نودُّ فقط زيارة المتحف والسلام عليه، إلا أنه كرَّر عليَّ وأقسم أن نفطر عنده، وبعد لَأيٍ وممانعةٍ مني، أقسم لي أنه لن يتكلف أبدًا، ووافقته على مضضٍ، لمعرفتي بكرم هؤلاء القوم، وحفاوتهم بضيوفهم لحدِّ أن نخجل مما يكرموننا به.
أبو محمد قال بأنني أمسكته أن يكرمنا وهو يدعونا إلى هذه العريكة الملكية اللذيذة، وأمام شهيتنا أمامها، والرفقة سادرة -وأنا معهم- في وضع العسل الحرِّ والسمن البري على تلك الأكلة الجنوبية الأشهر، فسألت مضيفنا إن أدركته أمنيات المتقاعدين، وأنه فكر أو تزوج الثانية، فضحك وقال إنه موحِّد، فبادرني ابنه البار محمد -الذي كان واقفًا لخدمتنا- وهو يضحك: يا عم، لا تحرِّض الوالد على الزواج، فنحن نخشى أن يفعلها.
فأجبت الابن محمد، وقلت: من قامت بصنع مثل هذه العريكة الفاخرة بهذا الاتقان والروعة؛ تُوضع -وأيم الله- على الرأس، وتُشكر على حسن التبعل وخدمة ضيوف زوجها الذين لا ينتهون، فبابه ومتحفه مفتوحان أبدًا، ومن ظلم النفس على والدك إن فكَّر أن يُعدِّد عليها.
5) تجوَّلَ بنا الأستاذ عبدالله بن صوفان في متحفه الفريد، واستوقفته أمام قسم المرأة وملابسها ومجوهراتها، والأساور والحِلق التي كانت تلبسها الجدَّات من عقود بعيدة، بادرته وقلت له: هذه الملابس التراثية الرائعة، والمتقنة الصنع، والمشتغلة يدويًا.. هل يلبسنها بناتك، والجيل الجديد من العمريات؟
فأجابني بأنهن طيلة السنوات الماضيات لا يلبسنها أبدًا، بيد أنه في السنوات الأخيرة أقبلن عليها، وبتنَ يتفاخرن بها، ويلبسنها في المناسبات العامة فقط.
أسعدني كثيرًا بإجابته، ووالله في تلك الملابس جمالٌ، وروعةٌ، وأصالةٌ، واحتشامٌ كامل.
6) كعادة المتاحف والمعارض الكبرى، هناك سجِّلٌ للزوار لمتحف ابن صوفان، وقلت في كلمتي بأنني لم أتوقع ولو عشر معشار ما رأيته عندما زرته قبل 11 عامًا، لكنها الهمة والعزيمة المتجذرتان، والحب لهذا التراث وهذه الأرض التي عشقها، وبذلَ لها من ماله الخاص، وعزيز الأوقات، وسافرَ المسافات الطويلة ليجمع كل قطعة من قطع المتحف.
في لقاءٍ إعلاميٍّ للصديق ابن صوفان قال عن متحفه: “كانت فكرة ورغبة جامحة نحو حفظ التراث وتقديمه للسياح والأجيال، فتحولت تلك الفكرة والإرادة إلى متحفٍ يضم نحو 1200 قطعة تراثية تشمل أدوات الزراعة والري، بالإضافة إلى وجود جناح خاص بالعملات، وجزء خاص بالأسلحة والأواني والصور القديمة، كما أن هناك جناح مخصص للضيافة مكوّن من أدوات حمس القهوة، ودلال مختلفة الأنواع، وأباريق للشاي، وأدوات إشعال النار قديمًا، وقد وضعت القطع على أرفف وعلى فترينات، وكذلك العرض بالتعليق على الجدران”.
7) كتقليدٍ وقيمة من قيم “بني عمرو” في إكرام من يأتيهم؛ أقسم الصديق بن صوفان ، وحلف وترجَّانا أن نبقى للغداء أو العشاء، لكننا اعتذرنا منه رغم إلحاحه الأخوي الشديد، وأمام اعتذارنا وحِلْفنا له بتكرار الزيارة؛ توعدني قائلًا لرفقتي: لو أعلم أن عبدالعزيز قاسم جاء أو مرَّ على النماص ولم يخبرني، فإنني سأحمل في نفسي بدرجة كبيرة، ولن أسامحه أبدًا.
بالطبع قال ذلك من مكانتي عنده، ويعلم الله أنَّ له أضعاف هذه المكانة عندي، فالرجل شفيفُ الروح، كريمُ اليد، سخيُّ النفس، حفيُّ المجلس، بَسومُ الوجه.
ورفض أن نغادره، إلا وقد أهدانا العسل الحرّ، وتأبَّينا عليه، إلا أنه أقسم بالله علينا هذه المرة، وهو يقول: حرمتمونا أن نقوم بحقكم، فلا أقل أن تجبروا بخاطري بقبول هذا العسل.
8) أختم تغطيتي لهذا المتحف الفريد، الذي يضم أكثر من 1200 قطعة تراثية، بالدعوة لقبيلة “بني عمرو” إلى دعم مثل هذه المبادرة التي قام بها الصديق عبدالله بن صوفان، ومن يماثله من أقرانه، فهي واجهة حضارية ل”بني عمرو”، فهي تتجاوزه لتشمل القبيلة برمتها، والمنطقة بعمومها، إذ المتحف بات مَعلمًا يفخر به كل من ينتسب ل “بني عمرو”، بل كل من ينتمي لهذه البلاد الجميلة في جنوبنا الغالي.
جزيل الشكر وعميم الدعاء للصديق المثابر عبدالله بن صوفان على هذه المبادرة المتميزة منه، ودعوة لكل من لديه قطع من التراث أن يبادر بإهدائها للمتحف، بدلًا من أن تبقى مُهملة في البدروم، تعلوها الغبار، وتنتهي في حراجات الأسواق الشعبية أو حاوية النفايات بعد موت أصحابها.













*إعلامي وكاتب صحفي