7
0
13
0
13
0
10
0
16
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13561
0
13405
0
12240
0
12151
0
9593
0

أبو حماد ناصر*
الأديب الشاعر طلال الجنيبي يكتب القصائد من زاوية قد لا يراها الآخرون، لكن قلمه المتفرد يرتقي بالإنسان المعاصر المنغمس بالحياة المادية ويرفعه إلى حياة باقية ذات سعادة خالدة إلى الأبد. يحرر الشاعر في قصيدته “تهفو إليك” عواطفه وأحاسيسه وهواجسه متجهًا إلى الله تعالى مرتقيًا سلم الروح، متيقنًا أن الله تعالى يفتح أبواب الرحمة ومفاتيح السعادة والفرح.
“تهفو إليك” عنوان قصيدة من القصائد التي جمعها الشاعر الدكتور طلال سعيد الجنيبي، وقد أسماها الشاعر (تهفو إليك)؛ لأنّ هذه القصائد التي في هذا الديوان تدور في فلك هذه القصيدة التي هي مناجاة مع الله ورجاء يرتفع إليه سبحانه. كلّ كلمة أو جملة يسطرها الكاتب عمومًا أو الشاعر في هذا السياق قد تكون مستقاة من تجربة حياتية شخصية أو اجتماعية، غير أن هذه القصيدة المحلقة ترتفع من خلال رحلة إيمانية إلى مقام الخالق العظيم تبارك وتعالى، ويتحدث عن تعامل مع البشر بوضعهم المعاصر، ويقوم بالتعبيرات المتعددة التي تنطوي على أبعاد مختلفة، بعضها يحمل عمقًا لا يسبر أغواره إلا فهم الشاعر صاحب القصيدة، ويترك الفهم العام للمتلقي.
يرد طلال الجنيبي بأسلوبه الأنيق الذي لا يخل بقيمة الشعر في مضمونه وأشكاله على من يقول أنّ القصائد في مثل هذه المواضيع الإيمانية لا قيمة لها، ويقدم لنا معنى ومبنى يحقق من خلاله الغرضين بتمكن واقتدار يشهدان له. يرى الشاعر أن القلوب والأفئدة تهفو إلى خالقها الذي خلقها، فيرجو كل قلب ما عند الله، ويقرر الشاعر هنا أن الرجاء مقدم على الخوف في طرح أشعاره، فعادة الناس أن تقدم الخوف على الرجاء؛ أي يخافون الله ويخافون عقابه، لكن الشاعر كعادته في أشعاره أتى بالمختلف الذي يُحسب له في أبياته، وجعل الرجاء هو اللجام الذي يقود ناقة حياته بصورة شعرية جميلة، فقلب الشاعر معلق بالله ورحمته، ويقينه راسخ أن الله هو الودود الرحيم. يقول الشاعر:
من كان يحسب أن الذنب كبله فإن رحمة رب العرش تكفله
في المجمل، مدار قصيدة “تهفو إليك” هو طمع العباد في رحمة الله ومنته، والرجاء فيما عنده، والرجوع إلى خالقه عندما يرى الدنيا مظلمة لا يرى فيها عينًا تبكي له وقلبًا يتألم له. هذا الطرح ينطوي على إبداع هذا الشاعر الأريب الذي أتى بتجربة شعرية ممتعة، رفعت القارئ إلى آفاق رحمة الله ووده الذي لا نهاية له.
المتلقي لهذه الاشعار يشعر عند ولوجه أجواء هذا النص، أنه في عالم غير العالم الذي هو فيه؛ لقوة تأثير لغة الشاعر التي نجد فيها السهل الممتنع القادر على التأثير على إحساس المتلقي ببراعة وتمكن قل نظيرهما. هذا من ملكة الشاعر الذي سلب القلوب بذكاء من خلال هذا الأسلوب الجذاب الممتع الذي يأخذ القارئ إلى عوالم الخيال من عالم الواقع، ومن المادية إلى المعنوية، كأن الشاعر يرى أن عطش الوجدان لا يتم إلا بأخذ الناس من أيديهم إلى الخيال البعيد الذي يحقق رغباتهم وأحلامهم الكامنة، وهذا من سمات الأدب الرفيع القادر على السمو بالناس إلى عوالم الإيحاء المختلف.
يقول الشاعر الدكتور الجنيبي في متن قصيدته المحلقة (تهفو إليك):
تهفو إليك قلوب هزها الوله
يا من له آخر المعنى وأوله
يا من يعود إليه العبد منكسرًا
يدنو لعل عظيم العفو يشمله
القلوب التي تتيه وتهيم في عوالم الحيرة والقلق تهفو إلى خالقها وقد مزقها الخوف والوله؛ لأنه هو الأول والآخر. هو سبحانه الذي يقترب منه العباد؛ لأنه وحده الذي يرجع إليه كل عبد مذنب وهو منيب بلا خوف ولا خشية ولا حسابات أخرى.
نرى الشاعر مولعًا بجمال الشعر والإيقاع الموسيقي، وشعره مفعم بالنغم غير المقحم والمتكلف، وهذا الذي يلمسه بوضوح القارئ في أشعاره، رغم أن الرموز موجودة في أشعاره بشكل لا يتعارض مع وضوح المعنى والمبنى، وهي المعادلة الصعبة التي حققها الشاعر المتمكن بحرفية واضحة عبر هذا النص. من جانب آخر لا يؤمن الشاعر بالرموز الغامضة التي لا تتيح للقارئ أن يشفي غليله من الوضوح.
كم كان قلبه يسير إلى الذنوب والمعاصي التي لا حدود لها، والآن ها هو ذا قد أناخ ناقة حياته أمام خالقه، ولا هم له إلا التوبة والندم والإنابة:
من بعد ذنب أناخ القلب ناقته وسار والتوبة الحسناء تحمله
فالإنسان العاصي يريد التقرب إلى ربه، وكيف لا؟ والله أخره ولم يعاقبه حين أمعن في عصيانه؛ لذلك أحب ربه الذي أمهله رحمة به.
يهفو إليك جهول رام مغفرةً
لما رآك برغم الذنب تمهله
يرجو الإنسان من ربه ما لا يرجو من أحد، ويتمنى غفران الخطايا والأوزار؛ بسبب الغفلة التي يقع فيها العبد، فلا بد من علاج من الله حتى يستحق العبد دخول الجنة برحمة الله.
نرجوك عفوًا يداوي وزر غفلتنا
يهدي لفردوسك الأعلى فندخله
فلا ينبغي للعبد أن يحسب أن الذنوب ستهلكه وأن الله لن يتوب عليه، لكن رحمة الله قريبة من المحسنين.
من كان يحسب أن الذنب كبله فإن رحمة رب العرش تكفله.
يرى الشاعر في القصيدة أن كل من في هذه الدنيا مفتون بها وعابر، والإنسان لا يزال يمضي وهو لم يحصل على الهدف المنشود فيتابع ارتحاله، ويكاد لا يوجد دليل يدل عليه، وهو في طريقه كالسراب يراه من بعيد، فإذا وصل لا يجد شيئًا.
(تهفو إليك) تحمل في طياتها رسالة رجاء راقية تدعو إلى التعلق برحمة الله أكثر من الخوف منه سبحانه؛ لأن طريق المحبة أوفق وأوثق وأعمق من طريق الخوف، فكيف إذا مرت هذه الرسالة المهمة عبر نص شعري تمكن من إيصال هذا المعنى عبر مبنى مرصع بجواهر الجمال.
*باحث أكاديمي-الهند