الكاتبة مي نوري طيب*
ترددت على مسامعنا في هذا العصر الذي نعيش فيه كلمة (البساطة) وكثيرًا ما مرت في أذهاننا بأننا نتعلمها ونكتسب مهاراتها من حضارتنا العريقة والحضارات العالمية.
وهناك فئة من الناس تعتقد بأن العيش في بساطة يعني البخل وعدم الاهتمام بالمظهر والنظافة؛ وذلك يؤدي إلى التعاسة والكآبة. كذلك هناك مجموعة من البشر تعتقد بأن البساطة هي الانعزال عن الآخرين والوحدة والعيش بعيدًا في جبل مقفر وموحش.
بيد أن جميع هذه المفاهيم التي يعتقدها البعض غير سليمة. لذلك بدأت أبحث عن معنى البساطة في حضارات الأمم وثقافة الشعوب.
الإرث الإسلامي
استهل فن البساطة الذي أعتبره صورة من الإرث غير المادي، بأن إرثنا الإسلامية العريقة فيها من البساطة المعاني الكثيرة. فلنا في رسول الله صلّ الله عليه وسلم أسوة حسنة في معنى القناعة والرضا بالرزق مع السعي والتوكل على الله، وهناك أحاديث شريفة تقوي معنى البساطة والعيش بزهد وسلام داخلي، نذكر منها:
قال عليه الصلاة والسلام: مَن أصبح آمنًا في سِرْبِه يعني: في منزله وسكنه، مُعافًى في بدنه، عنده قوت يومه، وفي اللفظ الآخر: قوت يومه وليلته، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها، يقول سيدنا عيسى عليه السلام: يارب أعطنا خبزنا كفاف يومنا، وكان الإمام أحمد بن حنبل إمام الزاهدين يعتكف في المسجد ولا يرتدي الثياب الفاخرة، بل أبسط الثياب.
وقد عرفت الباحثة حسناء المرابط البساطة بأنها موقف عقلي يتماشى مع السلوكيات والممارسات العملية في الحياة. كذلك أن تنصت لضميرك وروحك و تعي حقيقة الأمور ثم تتخذ قرارًا نابعًا من ضميرك وروحك. وتعيش حياة هادئة ونقية دون تكلف ومبالغة. ولا يخفى علينا مبدأ البساطة الذي تتمتع به بعض الشخصيات العظيمة في مجتمعنا، حيث انعكس عليها بسمت ووقار وتواضع وجمال الحرف في الشعر والأدب.
فعلى سبيل المثال: الشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن رحمه الله، وقد ذكر بيتا من الشعر يرثي نفسه قبل الرحيل:
كل السنين استكثرت طول عرسي .. سبعين غيري ما حصله بعضها
ولا بدها يا سعود بتغيب شمسي .. ذي سنة رب الخلايق فرضها
البساطة في إرث الحضارات الأخرى:
1-الحضارة اليابانية:
إن مذهب الزن يطبق فلسفة وثقافة البساطة، وأن الراحة النفسية والسكينة الذهنية تأتي من الحياة المنظمة وتساعد في صفاء الذهن وجمال يومه. ونحن نأخذ منهم الحكمة بعيدًا عن أي معتقدات دينية لا تناسبنا.
كذلك يركز اليابانيين على التنفس والتركيز على اللحظة الحاضرة والاستمتاع بالطعام، وكل ما حولهم من تفاصيل بسيطة. وقد طبق هذه الفلسفة أحد الأغنياء اليابانيين بارتدائه أبسط الثياب ويعتني بالنظافة الشخصية ونظافة دولته.
وكان يمول دولته بالمال من أجل أن تكون في ركب الإنجاز والحضارة.
2- الحضارة اليابانية مع الثقافة الفرنسية:
عاشت الكاتبة دومينيك لورو (26) سنة في اليابان، وقد أحبت العيش فيها وتعلمت كذلك ثقافتهم. ومن ثم عادت إلى فرنسا وألفت كتابًا عن (فن البساطة) و مفهومها عنه في الحياة هو الإثراء. بدلًا من الفكر الرأسمالي الذي ينتشر في الدول الغربية. وأنها قواعد للعيش مع ذواتنا ومن حولنا، والتخفيف من الأحمال الثقيلة والأعباء والمصاريف أو الأموال. كذلك التخلص من عبء التملك للأشياء ومجاملة الآخرين.
نذكر بعض الأفكار المتميزة في كتابها الرائع:
1- يجب الاكتفاء بالقليل وتخفيف الاستهلاك واستخدام الأشياء الضرورية في حياتنا.
2- التخلص من الأفكار المقلقة التي تؤرقنا وتدريب أفكارنا على النظر بإيجابية.
3- التحرر من سيطرة الآخرين علينا سواء عن طريق آرائهم أو التعلق بهم.
4- العناية بالنظافة وأسلوب الحياة الصحية.
5- الاستماع باللحظة والأعمال المنزلية.
إن جميع هذه القواعد يتسم بها ديننا الحنيف الذي يحثنا على التوازن والاعتدال والتوكل والإيمان والتفاؤل، حتى تقبل الموت في حياتنا.
كما قال السيد قطب: إن الذين يستعدون للموت توهب لهم الحياة.
3-الحضارة الهندية:
المهاتا غاندي هو معلم روحي عظيم علم طلابه وجعل الأجيال تقتدي به وتثني على إنجازاته بعيدًا عن التكلف والتعقيد.
4- الحضارة الإيطالية:
بحثت عن مفهوم البساطة في الحضارة الإيطالية فوجدت أنه يرتبط مع مفهوم الحياة البطيئة.
بدأ مفهوم الحياة البطيئة في إيطاليا من قبل (كارلو بتريني) ومجموعة من النشطاء في الثمانينات، وذلك لمنع افتتاح سلسلة مطاعم الوجبات السريعة. ويرتبط هذا المفهوم مع مفهوم البساطة في عدة جوانب:
1- يعززان مبدأ الجودة والتركيز على مهمة واحدة بدلًا من عدة مهام.
2- الاستمتاع باللحظة الآنية وتقدير ما نمتلك من أشياء.
3- يركزان على الاتصال بالذات ومعرفة مشاعرنا وأحاسيسنا، وكل ذلك يؤدي إلى السلام الداخلي.
4- يعززان نهجًا واعيًا لثقافة الاستهلاك واستخدام الأشياء الضرورية لنا.
5- الحضارة اليونانية:
إن مفهوم البساطة في الحضارة اليونانية يرتبط بالسعادة عند الرواقيين، والرواقية هي فلسفة حياتية تواكب الإنسان في تدبر معنى وجوده وتمهد له سبيل الفوز بالسلام الداخلي والهناء الكياني. ولديهم مفهوم البساطة أن يعيش الإنسان بفطرة سليمة ويتكيف مع الحياة وظروفها، ويكون فطنًا ويعيش في روحانية، فلا الأحزان تؤسره ولا القلق يقض مضجعه ويعيش متحررًا ولا يخاف من الموت.
كذلك تعلمه هذه الفلسفة أن يتحكم في غضبه ويبسط الأمور حتى يعيش بهناء ولا يتعلق بالماديات، ولا يجعل تصوراته الفكرية هي التي تتحكم في الأمور الخارجية.
ومضة:
يجب أن نكف من اليوم عن هذا التكلف والتبذير قبل أن يأتي يوم نصبح فيه مجبرين عليه.