مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

نجود حسن*   في مقهى يفيض بأحاديث الأدب وعبق القهوة، كان اللقاء مع الكاتب مح …

الشاعر الذي كلَّم الصحراء.. وغرس النخل في القصيدة

منذ 12 شهر

1253

0

نجود حسن*

 

في مقهى يفيض بأحاديث الأدب وعبق القهوة، كان اللقاء مع الكاتب محمد عسيري مختلفًا، لم يكن الحديث عن صناعة الشخصية في كتابة البورتريه فحسب، بل عرج على الشاعر الذي أصبح قصيدةً تمشي على قدمين، محمد الثبيتي وذلك من خلال كتابه “في زرقة الكتابة”.

استعرض العسيري ملامح الثبيتي لا كشاعر فحسب، بل كشخصية تُمثّل روح الشعر ذاته، بتقاطعاته مع الصحراء والرمز والتاريخ، من هذا اللقاء الأدبي، وُلِدت فكرة هذا المقال.. كمحاولة للنفاذ إلى عالم محمد الثبيتي، لا من بوابة نصوصه فقط، بل من صوته الإنساني العميق، ومن صورةٍ رسمها قلمٌ يعرف كيف يُنصت للشعر في وجوه أصحابه.

حين أقرأ للثبيتي، أشعر أن الصحراء تمد لي يدها، لا لتقودني عبر كثبانها فحسب، بل لتدخلني في قلبها، في أسطورتها، في صمتها العميق الذي يُنطق حين يصبح شعرًا، محمد ليس مجرد شاعر عبرَ الصحراء، بل هو الذي اختار أن يُسكنها في قلبه، وأن يخلّدها في كل بيت من أبياته، وأن يجعل من رملها حبرًا يسيل على الورق.

– لماذا محمد الثبيتي؟

لأنه لم يكن شاعرًا يُحسن الصنعة فقط، بل كان نبيًّا شعريًّا يلتقط من الصحراء إشاراتها، ويترجمها بلغة تجمع بين السحر والصرامة، لا تجد في شعره صحراءً جرداء، بل صحراء تعجّ بالأساطير، تعجّ بالأنبياء والشهداء، بالكلمات التي تشبه الرُقى، بالسكوت الذي يصرخ، وبالظل الذي يمشي خلف القصيدة.

تجده ينشدُ في شغفٍ أغنيةَ البدء
“موقف الرمال موقف جناس”
النص الذي يحمل طابعًا شعريًا رمزيًا جميلًا، يقوم على المقارنة بين “أنت” و”النخل” من خلال تشبيههما بـ”طفلين”، ويسرد عبره نوعًا من السيرة الشعورية والوجدانية الممتدة بين المكان والناس والجمال.

– لماذا الثبيتي؟
لأنه دومًا يُعبّر عن قلق الإنسان في رحلته نحو المصير، وحيرته بين أمل يلوح وخوف يباغت، إنه حتى يكون هذا الأمل والحيرة أشبه بترنيمة للمسافرين في درب الحياة، حيث لا ضمانات، بل فقط احتمالات.

في ديوانه “عاشقة الزمن الوردي”
جاءت قصيدته “أغان قديمة لمسافر عربي”
يقول فيها:

يا حَادي العيسِ في تِرحالِكَ الأملُ
يا حادي العيسِ قد نفنى وقد نَصِلُ
قد يحتوينا سُهيل أو يرافقنا
وقد يمدُّ لنا أبعادُهُ زُحَلُ
قد نحضن الفجرَ أو نحظى بقبلتهِ
وقد تجفّ على أفواهنا القُبَلُ

النداء للحادي (قائد القافلة) يمثل نداءً للحياة أو للمصير أو حتى للقَدَر، والحادي في الشعر العربي رمز للسفر الطويل، والمشقة، والحلم المؤجل.

نص يدور حول التحليق بين الأمل واليأس، بين الوصول والفناء.. طرح احتمالات الوجود في رحلته:

قد نصل، وقد نفنى

قد ترافقنا نجوم الهُدى (سهيل)، أو تحيطنا المسافات البعيدة (زحل).. قد نذوق لذة الفجر والقبل، أو نحرم منها.

أما اللغة والصور “يا حادي العيس”: صورة من الموروث البدوي، تحيل إلى الرحلة، والمجهول، والصحراء.

“قد نفنى وقد نصل”: تناوب بين ثنائية الفناء/الوصول، فيها فلسفة عميقة حول المجهول.

“سهيل” و”زحل”: رموز كونية؛ سهيل نجم يُهتدى به، بينما زحل كوكب بعيد، قد يوحي بالتيه.

“نحضن الفجر” و”نحظى بقبلته” استعارة لعناق النور أو لحظة الخلاص/ الوصول.

“وقد تجفّ على أفواهنا القبل”: صورة مؤلمة لخيبة الأمل أو الفقد بعد رجاء.

أما التكرار (“قد… وقد”) يشبه ضربات قلقة في قلب المتكلم، توحي بالحيرة والتيه.

شعريته تجمع بين بلاغة القدماء وجرأة المجددين. لغته مشبعة بالإيحاء، مضمخة بالرموز، مائلة إلى الإيقاع العميق، لا الصاخب، لا يكتب للتسلية، بل للبعث، لا ليصف المشهد، بل ليؤسّسه، هو من القلائل الذين يخلقون فضاءً شعريًا خاصًا بهم، وحين تدخل عالمه، لا تخرج كما كنت.

– لماذا محمد الثبيتي؟
لأنه لم يحصر الشعر في مفردة جميلة أو صورة مدهشة، بل جعله موقفًا… موقف الشاعر من الأرض، من التراث، من الزمن، من الذات .

إن الصحراء والنخل في شعر الثبيتي يشكلان ثنائية المكان والرمز، وبينهما ظلّ يبحث عن خلاص، لقد عبّر من خلالهما عن قلق الحداثة وتوق الأصالة، وجعل منهما أرضية لتأملاته، فهما لا يظهران كخلفية وصفية، بل كعناصر فاعلة في القصيدة.

يظل محمد الثبيتي شاعرًا نحت من الصحراء معنى، ومن النخل مقامًا، وبقي في ذاكرة الشعر العربي الحديث، الصوت الذي لم يتنازل عن روحه، ولم يقطع جذوره.

 

* كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود