11
0
13
0
74
0
113
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13510
0
13354
0
12190
0
12131
0
9554
0
أ
عفاف الشيخ*
ليست مرحلة عابرة بل نقطة مفصلية أو انعطافه وجودية بين الأمس والغد، بين مجد ولى وأمل يتلكأ في المجيء. لحظة تزفها الهواجس السطحية لتضع الإنسان لاحقًا في مواجهة لذاته العارية بلا زيف الطموح ولا ضوضاء الأحلام المندفعة.
جاثمًا أمام أوهام الشباب وتسويفات المستقبل، حيث لم يعد الزمن وفيرًا، ولم يكن الطريق مستقيمًا كما ظن، بل كان متاهة تشعبت بين اختيارات ندم عليها وأحلام لم يبلغها، وأخرى تحققت لكنه عندما بلغها وجدها أقل بريقًا مما تخيل. كأن الحياة كانت سرابًا، كلما ركض نحوه تبخر بين أصابعه وأن أي شيء يقرره من الآن فصاعدًا ليس مجرد احتمال بل خيار جاد له زمنه المحدد والحقيقي الثمين في منتصف العمر لا يقف الإنسان فقط على أطلال جسده المتعب، بل على أطلال أفكاره ومعتقداته التي ظنها يقينًا، وأحلامه التي كان يحسبها خلاصًا.
هي لحظة التساؤل: هل أنا الذي كنت أبحث عن المجد؟
أم كنت أهرب من خوفي من الفراغ؟
وهي أيضًا مرحلة تمحيص القناعات في تساؤلاته: هل أنا حقًا ما أنا عليه الآن؟ هل حقًا أنا ما أؤمن به؟ أم أني غير حقيقي، وأني مجرد انعكاس وصدى لما يردده المجتمع؟ هل كنت إمعة؟ أو ضحية لوعي جمعي قاصر؟
وهذا الإدراك قد يقوده إلى الانهيار أو إلى ولادة جديدة.
ففي حالة الانهيار سيتمسك بمظاهر الشباب الضائع وإرهاصه الزائلة، ويتصارع مع فكره الرافض للمرحلة، ويتشبث بالأوهام، فتزداد السقطات ويوصف بالتصابي لغياب الحكمة.
ولأن ما غاب عنه أن الانتقال هنا إجباري وليس بالاختيار، وأن التمسك السطحي ببريق الشباب الزائل سيصيبه بالخذلان ورفض الذات، ابتداءً من ظهور الشيب وخطوط التجاعيد الصارخة، فيظل حبيس صراعه مع ذاته لا مخرج له منه، وقد يقوده حتمًا إلى الاكتئاب.
أما النوع الثاني الذي يقوده الإدراك إلى ولادة جديدة، فهو الذي يغوص في حقيقته الداخلية ويعيد تعريف نفسه، ويتحرر من الفساد القديم، فيحاول استعادة ما لا يصنع ولا يعوض، ويتدارك كنه الجزء المتبقي من العمر.
وذلك باحتمال أنه عند نهاية النصف الأول من العمر الذي يمكن أن يوصف بالطائش والمليء بالتجارب غير الواعية وغير المدروسة والضياع، الذي كان حتميًا بسبب التكرار والتسويف والتعلم واكتساب الخبرة واللا مبالاة، سيستقبل النصف الثاني بالكثير من الخبرة والحكمة، واختزال خبرة الآخرين، وإعطاء الوقت قيمة عظيمة، ويدرك أن الحياة ليست سباقًا نحو الأمام، بل هي استمتاع باللحظة، وكأنها درس متأخر يخبرنا أن السعادة ليست في الوصول، بل في المسير.
وهكذا فإن أزمة منتصف العمر، رغم قسوتها، لكنها مفتاح لفهم الذات على حقيقتها، فمن يدرك زيف أوهامه يبدأ بالعيش بصدق، ويرى حدود الزمن، ويبدأ في تقدير جمال الحاضر.
ففي النهاية، كما قال الشاعر:
وما المرء إلا راكب ظهر عمره
على سفر يفنيه باليوم والشهرِ
فلم لا يكون هذا السفر متعة بدلًا من أن يكون مجرد رحلة نحو النهاية؟
وأخيرًا، مرحلة المشيب، إذا كان الشباب وهمًا جميلًا، فمن السذاجة أن نرى أن الانتقال منه إلى مرحلة المشيب هي مرحلة انتقال تسلبنا بهجتنا أو أنه رحيل فقط، بل إنها مرحلة فيها ما يخصها من جمال وأسرار لا يتذوقها إلا من تأمل وفطن.
ففيها سكينة لا يعرفها المستعجلون، وعمق لا تدركه أرواح من لم يختبر الحياة. فالمشيب هو العمر الذي أصبحت فيه الحكايا أكثر ثقلًا، والضحكات أكثر صدقًا، وهي مرحلة الاقتراب من جوهرنا بعيدًا عن صخب الأوهام. ففي الشباب نركض نحو الحياة، لكن في المشيب نمشي بطمأنينة. ما أجمل أن نصل قبل أن يداهمنا الرحيل من هذه التجربة الأرضية، وأن نتمتع بالعيش قبل المغادرة المباغتة، فكوب من القهوة وكتاب قديم يعيد لنا ذكريات زمن ما، جميل جدًا، فيه من السحر ما فيه. فلم نعد نركض، لإثبات شيء ما. لقد أدركنا أن القيمة ليست في إثبات الهدف، لم نعد نبحث عن الدهشة في الخارج، فقد أدركنا أن الجمال يسكن في الداخل، وان العمق أكثر سحرًا من البريق المؤقت في الخارج وأن المشي على الطريق ليس انطفاءً.
*كاتبة سعودية