8
0
13
0
72
0
110
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13508
0
13353
0
12189
0
12130
0
9552
0

نجود حسن *
في منعطفات الزمن تتبدل ملامح الثقافة، كما تتبدل وجوه المدن، غير أن الأدب وعلى رأسه الشعر يبقى شاهدًا حيًّا على عبور الأجيال واختلاف المراحل بين جيل مضى تشرب الثقافة من منابعها الأصيلة وجيل قادم يتلمسها في زخم العولمة، يتجلى السؤال: كيف يحمل الشعر عبء الهوية ويُبقي على وهج الروح الثقافية في كلا الجانبين؟
كان الجيل الماضي يتعامل مع الثقافة بوصفها رسالة وجود، يقرأ الشعر لا لمجرد المتعة؛ بل ليحيا به، وكانت دواوين المتنبي وأشعار السيّاب ونصوص درويش تُتداول كما تُتداول المفاتيح بين يدي الحارس الأمين. ذلك الجيل كان يرى في الشعر بوصلة وفي الأدب ميثاقًا يُهتدى به، الثقافة لديه ليست رفاهية، بل التزام أخلاقي وجمالي تجاه اللغة والإنسان
أما الجيل القادم فثقافته تنبع من فضاءات جديدة من الشاشات لا من الصفحات، من التفاعل اللحظي لا من التأمل البطيء، لكنه لا يخلو من الوعي، بل يحمل بذرته في قالب مختلف، قد لا يقرأ القصيدة كاملة، لكنه يقتبس منها سطرًا ويجعله شعارًا لهويته الرقمية، يتنفس الأدب عبر مقاطع قصيرة، لكنه لا يزال يطلب المعنى ولو بوسائط جديدة.
الفرق بين الجيلين ليس انقطاعًا، بل هو تحوّل، فكما انتقل الشعر من المعلقات إلى قصيدة النثر تنتقل الثقافة من جدران المكتبات إلى مساحات مواقع التواصل الاجتماعي، المهم من يحمل شعلة الشعر؟
ومن يحفظ للثقافة كرامتها؟ هنا يتضح أن الشعراء الجدد وقرّاء اليوم وإن بدت أدواتهم مختلفة، فهم امتداد لذلك النبض القديم يحملون على عاتقهم ما كان يحمله أسلافهم من مسؤولية البقاء والبقاء بأناقة الحرف.
إن جسر الثقافة بين الجيلين لا يُبنى بالتشابه، بل بالتفاهم والاختلاف؛ فجيل مضى علّمنا أن الشعر ذاكرة الأمة وجيل قادم يعلمنا أن الذاكرة يمكن أن تكون مرئية سريعة، لكنها ليست فارغة. وفي هذا التلاقي يكمن مستقبل الأدب لا في رفض الجديد، ولا في تنكر القديم، بل في الحوار بين زمنين يجمعهما بيتٌ من الشعر أو فكرةٌ أضاءت صفحة كتاب.
وهكذا تمضي الثقافة كما النهر تتبدل ضفافه ولا يتوقف جريانه بين جيل حمل القلم كراية وجيل يحمله كوميض شاشة، يظل الأدب هو الخيط الخفي الذي يربط المعنى بالزمن والهوية بالنبض الإنساني.
فإن كان الجيل الماضي قد كتب على جدران الذاكرة، فإن الجيل القادم يعيد الكتابة على جدران المستقبل
وفي كِلَيهِم يظل الشعر نبضًا لا يشيخ، يُولد كلما نطق قلبٌ أو خطّ قلمٌ: “أنا عربي وهذا الحرف موطني”.
* كاتبة من سعودية