مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

   فاطمة الجباري * في خضم الحياة وضجيجها، بين تقلبات الأيام ومفاجآتها، يبقى السل …

متى نملك سلامًا داخليًا لا تهزّه رياح الحياة؟

منذ 11 شهر

1169

0

   فاطمة الجباري *

في خضم الحياة وضجيجها، بين تقلبات الأيام ومفاجآتها، يبقى السلام الداخلي حلمًا يسعى إليه الكثيرون. ذلك الشعور العميق بالطمأنينة الذي لا يتأثر بصخب الخارج، ولا تزعزعه العواصف، هو ما يجعلنا نعيش برضًا وثبات، مهما تبدلت الظروف أو تعثرت الخطى. لكن متى نصل إليه؟ ومتى نملكه بحقّ؟

السلام الداخلي لا يُمنح، بل يُصنع.

هو ليس هبة تُمنح ولا شعورًا لحظيًا يتسلل إلى القلب عابرًا. بل هو ثمرة نضج داخلي وتقبّل عميق للحياة بما فيها. السلام ينبع من داخلنا، حين نكفّ عن محاربة ما لا نستطيع تغييره، وحين نوفّق بين رغباتنا وما كتبه الله لنا. عندما نتصالح مع أنفسنا، ونتوقف عن جلدها على كل زلة، يبدأ السلام في الاستقرار.

حين نفهم أنفسنا.. نملك السلام حين نفهم من نحن، وماذا نريد، وما حدودنا. لا أحد يستطيع أن يربكك إن كنت تعرف وجهتك، ولا أحد يقلقك إن كنت صادقًا مع نفسك. القلق يأتي من التشتت، والخوف من المجهول، أما من يعيش في نور الوضوح، فلن تربكه العتمة.

حين نتخفف من التوقعات..

من أكبر أسباب اضطراب السلام الداخلي، هو انتظار الكثير من الناس، ومن الحياة. نمنح الحبّ وننتظر مقابلًا، نقدم الدعم وننتظر الاعتراف. لكن حين نحب لأننا نحب، ونمنح لأن العطاء يُرضينا، تبدأ أعباء التوقعات بالزوال، وتبدأ الأرواح بالاتزان.

حين نقبل الألم دون مقاومة..

الألم جزء من الحياة، والهرب منه لا يلغي وجوده. السلام لا يعني غياب الحزن، بل يعني قدرتنا على العيش بسلام حتى في حضرته. أن تقول “أنا موجوع، لكني أثق أنني سأتعافى”، هذه بداية السلام الحقيقي.

حين نؤمن أن لكل شيء وقتًا..

التسليم لسنن الحياة يمنح راحة لا توازيها راحة. من يؤمن أن ما فاته لم يكن له، وأن ما سيأتيه سيأتي في حينه، لا يضطرب قلبه كثيرًا. السلام الداخلي يولد عندما نؤمن أن أقدارنا لم تكن عبثًا، وأن الله يدبّر الخير حتى فيما يؤلمنا.

في الختام:

هذه القصة تعبر عن السلام الداخلي الذي لا يأتي من الظروف، بل من اختيار الهدوء وسط الضجيج، والرضا وسط النقص، والثقة في أن كل ما يحدث، له حكمة وإن خفيت.
في قرية نائية تحيط بها الجبال، كان يعيش رجل مسن يُدعى “سالم”. لم يكن يملك الكثير من المال، بيته كوخ صغير مبني من الطين والخشب، لا تلفاز فيه ولا وسائل ترفيه، فقط موقد نار، وسجادة منسوجة يدويًا، وبعض الكتب القديمة.

كان أهل القرية يتعجبون من هدوء سالم، لا يغضب، لا يشكو، يبتسم لمن يراه، ويحيّي الجميع بكلمة طيبة. وإن سُئل: “كيف حالك يا سالم؟”، أجاب دومًا: “الحمد لله… في نعمة وسلام”.

في أحد الأيام، اندلع خلاف كبير بين عائلتين في القرية، وامتلأت الأزقة بالضجيج والشتائم. حاول كثيرون التهدئة، لكن التوتر كان عاليًا. جاء شيخ القرية إلى سالم وقال له:
– “يا سالم، ما سرّ هذا الهدوء الذي تعيش فيه؟ نحن نغلي من الداخل وأنت كأنك في عالم آخر!”.

ابتسم سالم، ودعا الشيخ ليرافقه إلى كوخه.

جلسا على الأرض، وسكب سالم له كوبًا من الشاي بالأعشاب، وقال:
– “تعال انظر إلى هذا الكوب. تر فيه الشاي صافيًا، أليس كذلك؟”.
أجاب الشيخ: “نعم”.
قال سالم: “لكن لو حرّكته بقوة، سيتعكر، وتطفو الأعشاب على السطح، ويضيع صفاؤه. هذا ما يحدث لنا، حين نسمح للأحداث أن تزعزع داخلنا”.

سكت للحظة، ثم تابع:
– “تعلمت مع الوقت أنني لا أستطيع التحكم بالريح، لكنني أستطيع أن أبني جدرانًا من السكينة. لا أملك كثيرًا، لكني أملك نفسي. أقرأ، أزرع حديقتي الصغيرة، وأتأمل الجبل كل صباح. تعلمت أنني إن لم أُهدئ عالمي الداخلي، فلن ينفعني صمت الجبال ولا ضجيج الناس”.

خرج الشيخ من عند سالم وهو يقول لنفسه:
– “لم أجد السلام في المحاكمات ولا في الجدال… لكني وجدته في كوخ رجل فقير، أغنى منّا جميعًا بما يحمله من سكون”.
نملك السلام الداخلي حين نصادق أنفسنا، ونرضى بما قسم الله لنا، ونتعلم أن الحياة ليست ساحة قتال، بل رحلة تعلّم ونضج. عندما نكفّ عن الصراع المستمر مع أنفسنا ومع الآخرين، ونعيش اللحظة بوعي، نصل إلى برّ الأمان… إلى ذلك السلام الذي لا تهزّه رياح الحياة.

* كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود