مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

نجلاء سلامة * لم يكن المارد الذي يعيش في مصباح علاء الدين في القصص الخيالية للأط …

المصباح السحري

منذ 11 شهر

912

0

نجلاء سلامة *

لم يكن المارد الذي يعيش في مصباح علاء الدين في القصص الخيالية للأطفال يتمكن من تحقيق أكثر من ثلاثة طلبات لمن يقوم بحكِّ المصباح، أمَّا نحن الآن فأصبحنا لا نحتاج لحك المصباح، يكفينا لمسُه لنجد الدنيا بأكملها بين أيدينا بكل ما فيها من جيد ورديء، لكن هل استطعنا أن نستفيد من مصباحنا أم أنه استطاع أن يسحبنا داخله بدلًا من المارد؟
إذا فكرنا في أول ما يفعله أغلبنا إن لم يكن جميعنا عند الاستيقاظ من النوم، فإننا سنجد أنفسنا نتحسس يمينًا ويسارًا بحثًا عن هاتفنا أو مصباحنا السحري، ولا يهدأ بالنا إلا إذا لمسناه لنرى كم الساعة؟ ومن اتصل بنا ومن ذهب ومن عاد؟ وماذا حدث في الدنيا خلال الوقت الذي غفونا أو نمنا فيه، ليس هذا فحسب بل إننا أصبحنا نفتقده أكثر من المحيطين بنا، ونتفقده بين الحين والآخر لنطمئن بوجوده.
لا يمكن إنكار الكم الهائل من المزايا التي تتعلق بالهاتف، فقد يسر علينا الوصول لكم هائل من المعلومات لم نكن لنصل إليه دونه إلا في سنوات عدة وبصعوبات بالغة، فلا يمكن إنكار فضله في المعلومات وتسهيل التواصل والخبرات وما إلى ذلك من مزايا عدة تجعلنا نرفع له القبعة، ونشكره على ما قدَّم لنا، إلى هنا ولا يمكن الخلاف معه على شيء، لكني أعتقد أنَّ مارك صاحب فكرة إنشاء مواقع التواصل الذي كان هدفه الأساسي منها سهولة التواصل لم يكن يحلم أو لم يكن ليطرأ على ذهنه ما نفعله بهذه المواقع حاليًا.
لقد تداخلت علينا الأمور ولم نعد نستطيع التحكم في تلك المواقع المتاحة لكل الناس بلا استثناء، فحولناها من وسائل للتواصل والتعلم والتثقف إلى وسائل لنشر فضائح الناس أو انتهاك حياتهم الخاصة أو حتى للفضفضة، فأصبحت الأم لا تدعي لابنها في سرها بينها وبين الله، لكنها تكتب دعواتها له على الفيسبوك مثلًا أو إحدى الوسائل الأخرى، والخطيبة تحب في خطيبها والزوجة تُحب في زوجها وترسل له الكلمات الرومانسية الجميلة التي من المفترض أنَّها بينها وبينه على مرأى ومسمع من الجميع والبقية يدعون لهم بدوام الحب كنوع من المجاملة الرقيقة للزوجين، ليس هذا فحسب، لكننا اخترعنا مهنًا جديدة تتماشى مع تلك الوسائل الحديثة من التواصل، فهناك “البلوجر” و”اليوتيوبر”، وغير ذلك من المهن التي لا يفعل أصحابها أكثر من تذوق الأكل وإبداء استحسانه أو الاستياء منه بشكل مزعج أو نشر محتوى كله ضعف وإسفاف وهدم لعدد من القيم، إلا بالطبع من حاول منهم تقديم محتوى مفيد، وهؤلاء حتى لو كثروا فإنهم قلة.
إننا للأسف وصلنا لانعدام القيمة من وراء فهمنا الخاطيء لوسائل التواصل ودورها في حياتنا واستعمالها بشكل غير صحيح، فكيف تركنا الأمور تصل بنا إلى أنْ نقلل من أنفسنا حتى نصبح “ترند”؟ كيف هانت علينا تقاليدنا وعاداتنا ووأدناها في التراب؟ أين تلك المرأة العربية التي يخرج من تحت أيديها رجال نفتخر بهم منْ تلك التي نشاهد روتينها في المنزل أو كمية الأكل التي تأكله أو كيف تلبس؟ وكيف تتبادل أسوأ الألفاظ مع من أغضبها من المتابعين؟ وأين ذلك الرجل الذي كانت كلمته سيفًا ووجوده في أي مكان ينشر الهيبة والاحترام، من ذلك الذي نضحك عليه أو نسخر منه من شدة التفاهة التي يقوم بها، فقط ليحصل على عدد مشاهدات أكثر؟ هؤلاء الرجال ليسوا رجالنا وهؤلاء النساء ليسن نساءنا.
لقد كان ضربًا من الخيال أنْ نرى الابن يستعين بأمه وأبيه أو من هم في سن كبير، فقط ليصنع فيديو مختلف يثير إعجاب المتابعين فيحصد أموالًا أكثر من المشاهدات، عن طريق ما يرسله له المتابعين من أشياء؛ كالأسد والوردة وغير ذلك من الأشكال التي تتحول إلى مال، وما هي إلا طرق للتسول. 
لقد أصبحت وسائل التواصل طريقًا ميسرًا ليس فقط للتسول، لكن أيضًا لقول أي شيء من أي شخص في أي وقت بلا رقيب أو حسيب، ما يستدعي أنْ نقف وقفةً مع أنفسنا لنرى أين الخلل؟ وكيف يمكن إصلاحه؟
إذا نظرنا منْ جانب أننا لن نتمكن من التحكم فيمن يتواصل على تلك الوسائل وهو واقع لا يمكن إنكاره، فنحن هكذا نلامس الواقع، فلن يستطيع أحد أنْ يجبر شخص ما على عدم قول أو فعل شيء ما على تلك الوسائل، لأنَّ المصباح السحري الذي نتعامل معه لا يمكن التحكم فيه مثل القديم، لكن هناك حل أعتقد أننا نستطيع أنْ نقوم به وهو أنْ ننشغل أكثر بأشياء مفيدة، ولنعمل أكثر، ولنستعمل وسائل التواصل تلك بحدود وفيما يفيدنا ولا نجعلها وسيلة للترفيه عن أنفسنا أو للتسلية، ولنجعل بيوتنا في ستر كما تعلمنا، ومشاعرنا مع من نُحب أنْ نُخبره بها فيما بيننا وليس بالضرورة أن نتشاركها مع الآخرين.
إذا نحن تحكمنا فيما نشاهد من محتوى، وتداركنا أنفسنا وروضناها على ما هو أفضل وما هو أنسب لنا، حتى لو قسونا عليها قليلًا، فإننا قد نتمكن من الخروج سالمين من زمن التفاهة الذي يُحيط بنا ويُحاول الانتصار علينا، ولربما استطعنا العودة إلى أنفسنا والخروج سالمين من ذلك المصباح السحري أو الهاتف الذي عزلنا بداخله وسيطر علينا، إنَّه بالفعل يجيب مطالبنا، لكنَّه بسحره وجاذبيته جعلنا أسرى له بكامل إرادتنا.

* كاتبة مصرية

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود