مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د.عبد العزيز قاسم* ها أنا ذا، تغمرني ابتسامةٌ عريضةٌ تشقُّ وجهي كفجرٍ بعد ليل، أ …

على المقعد 35C… كانت عروسًا وحيدةً بجانبي

منذ 6 أشهر

2422

11

د.عبد العزيز قاسم*

ها أنا ذا، تغمرني ابتسامةٌ عريضةٌ تشقُّ وجهي كفجرٍ بعد ليل، أقفُ في رحاب مطار الملك عبد العزيز بجدَّة، أنتظرُ سائقي ليقلَّني إلى حيثُ دفءُ الدَّار وسكينتها.
.
قد يذهبُ بكم الظنُّ، وأنتم ترنون إلى محيَّاي المتهلِّل، أنَّ فرحتي ما هي إلَّا فرحةُ كلِّ عائدٍ إلى وطنه، وكلِّ غريبٍ آنسَ أهله، وهذا حقٌّ لا شكَّ فيه، بيد أنَّ خلف هذه الابتسامة قصَّةً أخرى، وحكايةً أعظم، تتوارى خلفها سعادةٌ مضاعفةٌ، أتركُ لكم متعة استنباط سرِّها.
.
أعظمُ قصصنا لا تُروى، بل تُرتسمُ ابتساماتٍ على الوجوه.
.
تبدأُ الحكايةُ من مطار القاهرة، حيثُ مررتُ من طوابير البشر المصطفَّة كالسَّهم، لم تكن خلفي “واسطةٌ” كما قد تظنُّون، فما عادت لمثل هذه الأمور سطوةٌ على نفسي، بل هي خدمةٌ عصريَّةٌ تُدعى “المسار السَّريع”، تدفعُ مقابلها خمسة عشر دولارًا، فتشتري بها وقتك وراحة بالك، وهو ما فعلته.
.
يا أحبة: خمسة عشر دولارًا كفيلةٌ بأن تشتري لك وقتًا… وبعض الكرامة.
.
استقرَّ بي المقامُ في مقعدي على متن الطَّائرة، وبجواري تجلسُ سيِّدةٌ منقَّبةٌ بالكامل، ظننتها أختًا سعوديَّةً بسبب نقابها الكامل، بيد أنَّ اضطرابها وتلفتها يمنةً ويسرةً يشي بأنَّها في غيهب القلق غارقة.
.
ظننتُ بادئ الأمر أنَّ وجودي بجوارها هو سببُ ضيقها، وأنَّها تبحثُ عن مقعدٍ بجوار امرأةٍ أخرى، وهو أمرٌ ألفناهُ واعتدناه. لكن، حينما هممتُ بربط حزام الأمان، وجدتهُ مفقودًا، لأكتشف أنَّها قد استولت على حزامي سهوًا، وربطته مع حزامها في عقدةٍ مستعصية.
.
بهدوءٍ، أومأتُ لها، فاعتذرَت لي بلهجةٍ مصريَّةٍ أصيلة، وبدأنا معًا معركةً وديَّةً لتحرير الحزام الأسير، وبعد لأيٍ ومعاناة، تحرَّر الرَّهينة، وانطلقت منَّا ضحكةٌ خافتةٌ كسرت جليد الموقف.
.
إنَّه الإعلانُ السَّاخرُ للوجود: يمكنكَ أن تتجاوزَ كلَّ الطَّوابير، لكنَّكَ لن تتجاوزَ المقعدَ الذي اختارهُ القدرُ لك.
.
“سامحني، فهذه أوَّل مرَّةٍ أركبُ فيها الطَّائرة، وأوَّل مرَّةٍ أزورُ فيها السُّعوديَّة”، قالتها بلهجةٍ شرقاويَّةٍ صميمةٍ، وبصوتٍ يرتجف.
وهنا، انفتحَ بابُ القصَّة على مصراعيه، لم تكن عاملةً تبحثُ عن رزق، بل كانت عروسًا، يترقَّبها زوجها في مطار جدَّة، زوجٌ لم ترهُ عينها قطُّ إلَّا عبر شاشة هاتف، فقد عُقد قرانُهما عبر الأثير المرئيّ، وأقام لها أهلها حفلَ زفافٍ خاصًّا بدون زوجها. صعقتني الحقيقة، وردَّدتُ في سرِّي: “يا لله، ما الذي تفعله بنا حداثةُ العصر!”.
.
ربَّما أنَّ الحداثةَ لم تخترعْ حبًّا جديدًا، بل اخترعت شجاعةً من نوعٍ آخر: شجاعةَ أن تحبَّ طيفًا.
.
ردَّدتُ في نفسي: ما أبعد المسافة بين صورةٍ على هاتف، ويدٍ تُمسكُ يدًا.
.
لكأنَّ القدرَ أرسلني إليها في تلك اللَّحظة، تحوَّلتُ من مجرَّد مسافرٍ إلى أبٍ ومرشدٍ ومسؤول. كانت تسألني عن إقلاع الطَّائرة بخوفٍ طفوليّ، فكنتُ أُزجي لها الأحاديثَ لأشغلها، وأسردُ عليها مغامراتي في مدينتها “الزَّقازيق” من الشَّرقيَّة التي تنتمي إليها، وكيف حنقتُ حينما قطعتُ مشوارًا طويلًا لمتحف عرابي باشا لأجدهُ مبنًى مهجورًا، وكنتُ أُمازحها بأنَّني سأفعلُ بها ما فعله أهلُ القاهرة بعادل إمام ومحمَّد هنيدي حينما قدما من الصَّعيد، فانفجرَت ضاحكةً، وبدأ القلقُ يتبدَّدُ من عينيها.
.
الحكاياتُ تُسكِّنُ الخوف، وكلمةُ «اطمئني» صادرةٌ من قلبٍ صادق، أبلغُ من قرصٍ مهدِّئ.
.
واللهِ الذي لا إله إلَّا هو، لقد شعرتُ في تلك السَّاعات أنَّها ابنتي، وأنَّني مؤتمنٌ عليها. كانت منهكةً حدَّ السُّقوط، لم تنم منذ أربعٍ وعشرين ساعة، ولم يطعم جوفها سوى وجبة الطَّائرة الخفيفة، كان وضعها الإنسانيُّ صعبًا.
.
يا سادة: الأبوَّةُ ليست رابطةَ دمٍ دائمًا، بل هي شعورٌ يولدُ في لحظةِ مسؤوليَّة.
.
وما إن دخلنا أجواء جدَّة، حتَّى طلبتُ منها رقم زوجها، واتَّصلتُ به لأُفاجئه بصوتٍ يملؤه القلق: “يا سالم، كم ستدفعُ لقاءَ عروسك؟”، فصاح: “من أنت؟”، قُلتُ له وأنا أضحك ملءَ فمي: “تفضَّل زوجتك”.
.
وبعد أن اطمأنَّ، استرددتُ الهاتف وقُلتُ بمكرٍ: “لقد اختطفتُ عروسك، والفديةُ مئةُ ألف جنيه!”. صمتَ لبرهة، ثمَّ سمع ضحكتنا، فأجاب بصوتٍ دافئٍ راقَ لي أيَّما رواق: “أنا أُعطيها عمري كلَّه”.
.
لقد كانت مزحةً بسيطةً لم أُطلها، لكنَّ جوابهُ كان أصدقَ قصيدةِ حبٍّ سمعتُها.
.
هبطت الطَّائرة، ففتحتُ لها الإنترنت من هاتفي لتتواصل مع عائلتها التي كانت تترقَّبها على أحرِّ من الجمر، فتساقطت عليها الرَّسائلُ كزخَّات مطرٍ منهمر.
.
حملت معها حقيبةً وكيسًا به أغراضٌ لها، مع شنطة يدها، فتطوَّعتُ -كأيِّ رجلٍ لا يرضى أن تحمل امرأةٌ كلَّ هذا- واخترتُ الحقيبة، يقينًا منِّي أنَّها الأثقل، وصدق حدسي للأسف!
.
فقد تركتُ لها الـ”بُقشة” بالمعنى الشَّعبيِّ عندنا، وحملت الحقيبة، ولم أدرِ أنَّ والدتها قد وضعت فيها أحجارًا من أهرامات الجيزة لفرط ثقلها. بالفعل، لقد كان لسان حالي: تطوَّعتُ لأحملَ حقيبةً، فوجدتُ نفسي أحملُ تاريخَ مصرَ القديم على كتفي.
.
يبدو أنَّ بعضَ الأمَّهاتِ يضعنَ حُبَّهنَّ كلَّه في حقائب بناتهنَّ… بالكيلوغرام.
.
ثمَّ بدأت ملحمةٌ أخرى في مطار جدَّة، فقد أراد اللهُ أن يكفِّر عنِّي بعض ذنوبي، فحطَّت الطَّائرةُ في أقصى المدرج، ومضينا في دهاليز طويلةٍ تلدُ بعضها بعضًا، وأنا أحملُ حجارة الأهرام في شنطة العروس، وهي مشفقةٌ عليَّ وغلبها الحياء، طالبةً أن تحملها، وأنا أرفض، وقد قدَّرتُ الأجرة بمئتي جنيه، حتَّى وصلنا القطار، لنركبهُ لحين وصولنا ردهة الجوازات، وهناك افترقنا مؤقَّتًا.
.
خرجتُ قبلها، وزوجها القلقُ لا يكفُّ عن الاتِّصال، وأنا أُطمِّنه مرَّةً، وأُهاذره أخرى، حتَّى لحقت بي عند سيور الأمتعة لتبدأ قصَّةٌ جديدة، فهي لا تعرفُ شكل إحدى الحقائب!
.
أمضينا ساعةً كاملةً في دوَّامة البحث، وهي توقفُ كلَّ حقيبةٍ تشبهُ حقيبتها وتفتحها، لأضحك ملءَ فمي وأنهرها بلطفٍ أنَّ هذا قد يعرِّضها للمساءلة. قُلتُ لها: “آمنتُ أنَّكِ فلاَّحةٌ من الشَّرقيَّة بحقٍّ..
.
عندما تبحثُ في سير الأمتعة عن شنطةٍ لا تعرفها صاحبتُها، فاستعدَّ لروايةٍ بوليسيَّة!”.
.
وأخيرًا، بعد لأيٍ ومعاناةٍ وصبر، عثرنا على الضَّالتين.
وهنا، قرَّرتُ أن أُضيفَ للمشهد بعض الإثارة، اتَّصلتُ بالزَّوج وأخبرتهُ أن ينتظر ربع ساعة، ثمَّ أخذتها جانبًا، وطلبتُ منها أن تذهب لتهندم من نفسها وتتعطَّر، فهي عروسٌ مقبلةٌ على ليلتها المنتظرة.
.
لكنَّها، ببراءتها المفرطة، قالت إنَّها تكادُ تسقط من الإعياء وكلُّ همِّها أن تنام. ضحكتُ من قلبي وقُلتُ لها: “يا ابنتي اتَّقي الله، عريسكِ ينتظر!”. وامتثلت والحمدُ لله.
.
لقد كانت تقفُ على عتبةِ حياتها الجديدة، لكنَّ كلَّ ما كانت تحلمُ بهِ هو عتبةُ سرير.
.
مضت خلفي، وأشارت لي من بعيدٍ على زوجها، كان شابًّا وسيمًا مهندمًا، ولكنَّه يحملُ همَّ العالم فوق كتفيه، ووجهه محتقنٌ من فرط القلق.
.
أتيتُه من الخلف وهو لا يشعر، وفاجأتهُ: “يا سالم، هاتِ الفدية!”.
نظر إليَّ مفجوعًا، لم يستوعب، قُلتُ له: “أتيتُ لكَ بعروسك.. هاكها”.

التفتُّ، فإذا بالعروس قد اختفت خلفي!
هنا، أنا من أصابني القلق، وبدأتُ أتلفتُ كالمجنون، وهو يكاد يُجَنُّ، حتَّى وجدناها غير بعيدة، فأتى إليها وسلَّم عليها بحياء، فصحتُ به: “ما هذا اللِّقاء؟ قم باحتضانها، هذه عروسك، وأنت تلتقيها لأوَّل مرَّة، دعني أُصوِّر هذه اللَّحظة!”.
.
فكأنَّما كسرتُ خجله، فقام بما طلبتُ منه في مشهدٍ سيبقى خالدًا في ذاكرتي، وأنا أُوثِّقه في سنابي، لا لأنشره، بل كذكرى خاصَّةٍ لهما.
.
أجملُ اللِّقاءاتِ هي تلك التي تحتاجُ دفعةً صغيرةً لتتجاوزَ ارتباكَ البدايات.
.
كنتُ قد أزمعتُ بعثَ اللَّقطة لهما عندما يهدآن، بيد أنَّه أفسد عليَّ تخطيطي، واتَّصل بعد نصف ساعةٍ يطلبها، لأنَّ حماته بشوقٍ كبيرٍ أن تراها، ووالدته كذلك، وكلُّ العائلة معها.. بتُّ قصة العائلتين.
.
رددت: ربما كانَ اللِّقاءُ لوحةً ناقصة، فأرسلني الله لأكون لمسةَ العناقِ الأخيرة.
.
ودَّعتهما وهما في قمَّة السَّعادة، وسالمٌ يكاد يطيرُ من الفرح، وبات وجهه مشرقًا، ولكأنَّ همَّ الدُّنيا انزاح عنه، وحلَّت سعادةُ الكون عليه، فيما هي طار النَّومُ والتَّعب، وبدأت تمشي بنشاط، وأنا أُتمتم في نفسي: سبحان مُحيي العظام وهي رميم… وموقظ العرائس وهنَّ مُنهكات.
.
. ومضيتُ أنتظرُ سائقي، والابتسامةُ التي رأيتموها في الصُّورة لم تكن إلَّا أثرًا لتلك السَّعادة التي غمرتني، حينما أدركتُ أنَّ أرجى عملٍ قمتُ به في رحلتي كلِّها، هو أنِّي كنتُ سببًا، ولو بسيطًا، في طمأنة عشرات الأنفس القلقة، وجمع قلبين بدآ حياتهما للتوّ.
وهكذا، قد يضعنا القدرُ في طريق أحدهم، لا لشيءٍ، إلَّا لنكون جسرًا تعبرُ عليه قصَّةُ حبٍّ إلى ضفَّتها الأخرى.
.
لستُ نبيلًا أو بطلًا، كنتُ جسرًا عبرت عليه عروسٌ لحياةٍ جديدة.
.
يا أحبَّة: غادرتُ المطارَ وأنا أحملُ في روحي شيئًا أثمنَ من حقائبي: يقينَ أنَّ أسمى درجاتِ الوجودِ هي أن تكونَ سببَ سعادة.

 

*إعلامي وكاتب صحفي 

التعليقات

  1. يقول ABDULRHMAN ALSUBHI:

    لاعدمناك اخي ابو اسامة اندمجت مع القصه وأهل مصر وخاصة محافظة الشرقيه لهم طابع خاص مثلنا في السعودية…. جزاك الله خيرا على مافعلته

  2. يقول عمر سندي:

    جميل جدا دكتور التخفيف عن الآخرين وبث الطمأنينه في نفوسهم وبعد كل ما قدمته من معانٍ هنا أعجبني وأضحكني وكأن الله أراد لك تخفيف الذنوب بحملك الحقيبة 😂😂

  3. يقول حسن عسيري:

    قصة جميلة أضفت عليها بإسلوبك الشيق لمسة من الإثارة المغلفة بالتشويق فلك كل الشكر على مشاركة محبيك وقارئيك هذه القصة التي صغتها بطريقتك الأدبية .

  4. يقول عبدالله بن سالم احمد المالكي:

    اسمى درجات حسن الخلق أن تصنع سعادة لقلب شخص في حاجة لها

  5. يقول زهيرالبسامى:

    كم ف الكون من يحتاج لمثل هذى الجسور وخاصه الجسور الناتجه من قلب صادق محب للأخرين مايحب لنفسه وفقك الله ابااسامه دائما ترسم السعاده للأخرين

  6. يقول أديب علاف:

    سبحان الله الذي سخرك لتزرع الفرحة والسرور لهذين العروسين جعله الله فى ميزان حسناتك أسلوب رائع وقصة مشوقه أدب رفيع زادك الله إحسانا وتوفيقا

  7. يقول ابو انس ابراهيم سعيد:

    جزاك الله خيرا

  8. يقول D 🦋:

    الله يسعدك دايما مثلما اسعدتنا هذه القصه الواقعيه🫶🏻🫶🏻🫶🏻

  9. يقول عايدة الغامدي:

    عندما ترى إنسانا بقلم مضيء وفكر متقد حتما فانت امام كاتبنا المبدع د. عبدالعزيز..
    اخذتنا في هذا المقال كسهرة تلفزيونية تنبض بالابوةكانت تعرض على التلفاز في الزمن الجميل..

  10. قصة رائعة جدًا يا د. عبدالعزيز 🌹✨
    سردتها بأسلوب أدبي شيق مليء بالإنسانية 💖، مشهد يلامس القلوب ويجمع بين الحياء والحب والفرح.

    ذكّرتني كتجربتي كمصوّرة 📸… حيث وثّقت الكثير من اللحظات الأولى السعيدة بين العرسان. تلك اللحظة الخالدة – لحظة البداية – هي من أجمل ما يمرّ به العروسان، تحمل مشاعر لا تُنسى وتُخلّد في التاريخ.

    كل بداية تحمل قصة، وكل صورة تبقى أثرًا لا يُنسى… وكل مرة أعيشها من خلف الكاميرا أشعر بها مختلفة، مليئة بالحب والفرح. وتبقى البداية دائمًا الأجمل.**
    — سوزان باعقيل ✨ susanbaaghil@

  11. يقول فهد بن صالح الغامدي:

    ماشاءالله تبارك الله ، دكتور عبدالعزيز .خير الناس انفعهم للناس ، وانت قد نفعت كثيرا من الناس ، زوج وزوجته وعائلاتهم، أسلوب رائع وكلمات قد أوضحت الموقف إيضاح كامل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود