41
0
76
0
52
0
63
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12783
0
12385
1
12097
0
11516
5
9175
0

نايف مهدي *
وقفَ بامتلاء فاتر كأنه عود مائل في الطين، حكَّ جفنه بكسل وصمت، لم تخالطه فرحة أو حسرة حينما اكتشف أنه جميل وجذاب في أعين الآخرين. إن ملامح وجهه الآن قد غدت فجأةً فاتنة في كل صورة يلتقطها لنفسه على خلاف العادة، كيف حدث ذلك؟ إنه لا يعلم. الحسناوات في عمله وبيوت جيرانه أصبحن يتوددن إليه ويتعقبن أخباره بافتتان بينما هو يهرب منهن، يزدرد ريقه بارتباك ويصطدم ببشاعته المنسوجة حوله منذ سنوات طويلة، ظل يفكر دون جدوى في عدد الهزائم التي كان يذوقها في كل مرةٍ أمام مرآته وأمام تلك المرأة البائسة التي ابتلعت خياله وحيويته، والتي أقنعوه بها منذ الليلة الأولى، أنها نصيبٌ لا يمكن الفرار منه.
لم تتغير بيئته كثيرًا، سيارته التي يظل يدفعها بكتفيه وظهره حتى يدور محركها المزعج، ما زالت على حالها.. لكنها أصبحت خفيفة ومحتملة بعض الشيء، حتى اللهاث الذي يجعله يترنح ويركع في أدراج منزله لطلب الهواء لم ينقشع، لكن نشأ نوع من الاحتمال والقبول بينهما، حجرته الضيقة بأنوارها الشحيحة هناك مَن أخذ حيطانها ومدّها بضع خطوات في كل الاتجاهات، والنور تامٌّ تامٌّ لا مزيد عليه، شعر أن حياته السابقة لم تكن سوى حلم سقيم لا يخصه وهناك من قذفه بداخلها، وخافَ أكثر حين ارتعش بداخله هذا السؤال الملتهب: ماذا لو أنني هذه الأيام أعيش حياةً مسروقةً من شخص آخر! إن فيصله الوحيد بين هذه البرازخ المتراكمة هو أن ينام على الفور ويلقي بذاكرته المتورمة من النافذة ويسقط على فراشه كحطبة جافة، لكن المربك أن النوم أيضًا في هذا التوقيت الحَرِج ربما يجعله يفيق على بشاعته ووحدته والجفاف الكئيب الذي ينصبُّ عليه من صوت زوجته.
هربًا من كل شيء، ارتدى معطفه بالمقلوب كذلك حذاءيه، وقصدَ مقهى الحي القريب من منزله، وعلى المقعد الأخير، جلس وجمع قدميه تحته كبائع السواك وظل يدخن بفتورِ سحابة، إنه نقيضٌ في عالم متناقض، دائمًا هناك امتعاض صامت يولد في صدره تجاه شيء ما ولا يموت أبدًا، إنه المجهول الذي لا يجهله أحد. تلفت حوله وحين التفَّ ثانيةً أسقطَ كعكعةَ الشوكولا التي كان سيأكلها الآن، تحولت الغمزات العابرة التي كان يتلقاها، قبل قليل، من المراهقات اللاتي كن يدخن النارجيلة إلى ضحكات خشنة فجة، امرأة بجانبه تتحدث في الهاتف ترفع يدها عاليًا وتعتذر بحرارة، أبواق السيارات تنهش الشوارع، أصوات الملاعق تسقط في بعض الصحون، مسّد شاربه الأشيب قليلًا واكتشف أن ساعته معطلة، وحين هدأت الأصوات لوى عنقه بعيدًا وظل يراقب السيارات التي أخذت تتقافز في الطريق كالجراد، تعرّق جسده حتى ظن أنه بالَ في بنطاله، الجفاف يتعرّش حلقه الآن، قدماه تنتفخان وتنزلقان ببطء على أرضية المقهى، على الأرجح أنه بعد قليل سوف يسقط ويرتطم رأسه بالأرض، تذكر في تشوشه وعيناه تغيمان أنه لم يأخذ حقنة الأنسولين منذ أسبوع أو ربما أسبوعين، ظل حائرًا في وعيه الأخير، وفي خلده يصخب سؤال كبير: ترى في أي الضفتين سوف أفيق؟!
*كاتب سعودي
التعليقات