مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

فاطمة الجباري* لم تكن سبعةً وثلاثين عامًا من العمل مجرّد سنواتٍ تمضي، بل كانت عم …

حين يترجّل العطاء.. ولا يغادر الأثر

منذ 3 أشهر

416

0

فاطمة الجباري*

لم تكن سبعةً وثلاثين عامًا من العمل مجرّد سنواتٍ تمضي، بل كانت عمرًا يتشكّل، ورسالة تُكتب يومًا بعد يوم في دفاتر الأرواح قبل سجلات الوظيفة.

بدأتُ من حيث يكون للتعليم طعمٌ مختلف؛ مع نساءٍ جئن يحملن شغف المعرفة رغم مشقّة العمر. في مدارس محو الأمية، تعلّمتُ أن الحرف حين يصل إلى قلب أمٍ أو جدة، يصبح نورًا يتجاوز الصف، ويضيء بيتًا كاملًا. هناك، عرفتُ أن التعليم ليس مهنة، بل رحمة.

ثم مضت بي الرحلة إلى مدارس التعليم العام، فلبستُ عباءة العمل الإداري، وتعددت مهامي بين كتابةٍ ومراقبةٍ وسكرتارية، لكن الروح كانت واحدة: أن أؤدي ما أُسند إليّ بإتقان، وأن يكون العمل أمانة لا تُؤجَّل، ووجهًا من وجوه الوفاء للطالبات وللمكان.

ومع السنوات، اتسعت الدائرة، فكان العمل في مكتب الإشراف مرحلة مختلفة؛ عملٌ خلف الكواليس، لا يراه كثيرون، لكنه يصنع الفارق. تنقّلت بين أقسامه، أتعامل مع الأنظمة، والتعليمات، والبرامج، والمتابعة، كأني أشارك في إدارة نبض التعليم نفسه.

وفي زاوية القلب، كان للإعلام حكاية أخرى.. شغف قديم بالكتابة والنشر، ظلّ ينتظر لحظته.. وحين جاءت، عملت متعاونة مع قسم الإعلام، ثم حملت مسؤولية التنسيق الإعلامي. هناك، وجدت نفسي أكثر؛ أتابع المدارس، أحتفي بجهودها، وأمنح الإنجاز صوته وصورته.. لم أكن وحدي، بل ضمن فريقٍ متكامل، تؤمن فيه الأرواح قبل الأيدي بقيمة ما نعمله.

وحين ظننت أن الختام قد اقترب، شاء الله أن يربت على قلبي بمحطة أخيرة؛ روضة قريبة من منزلي، ستة أشهر كانت جبرًا خفيًا، ووداعًا هادئًا لمسيرة طويلة.. زميلاتٌ نقيات، وقائدة متعاونة، ومكانٌ أعاد للروح بساطتها قبل أن تُسلّم الأمانة.

واليوم، وأنا أضع نقطة النهاية الوظيفية في 1 / 7 / 1447هـ، لا أشعر بأني أنهي شيئًا، بل أستكمل معنى.
أغادر الميدان، ويبقى الأثر.. 
أغلق ملف الخدمة، وتبقى الدعوات.. 
وأسأل الله أن يجعل كل خطوة، وكل جهد، وكل نية صادقة، في ميزان حسناتي… وأن أكون قد مررتُ من هنا، وتركـتُ أثرًا لا يُمحى… 

ختامًا: 

“التقاعد ليس نهاية العطاء، بل انتقالٌ هادئ من خدمة المكان إلى خدمة المعنى، ومن حضور الجسد إلى بقاء الأثر”. 

*كاتبة من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود