7
0
12
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13532
0
13377
0
12213
0
12137
0
9569
0

أبو بكر بن مخاشن*
الزمن يمرُّ.. السنوات تتكدَّس كالرمال في ساعة كونية لا ترحم.. الحياة تُجرينا في مسارات جديدة، نلتقي وجوهًا، نعيش تجارب، نُغيِّر من أنفسنا ما لا يُعد.. لكن هناك شيء واحد يرفض الانصياع لقانون التغيُّر؛ قلبٌ علَّق كل ذرَّات وجوده على إنسان واحد.. هذا هو اللغز الأليم للحب الطويل الذي ينتهي بالغياب؛ إنه لا ينتهي أبدًا.. إنه يحفر نفقًا في الصخر الحي للذاكرة والوجدان، ويصبح ساكنًا دائمَ الإقامة في أعمق غرف القلب، كأن الزمن عند ذلك الباب يتوقف.
تخيَّل أن تعيش عمرًا بأكمله، أن تشيب، أن ترى العالم يتشكَّل ويتحطَّم من حولك، لكن صورة ذلك الحبيب تظل طازجةً في عقلك كقطرة ندى على ورقة صباحية. الأيام السعيدة معه لا تبهت ألوانها؛ بل تزداد سطوعًا كلما ابتعدت في شفق الماضي.. ابتسامته، نبرة صوته، تلك النكات الخاصة التي لا يفهمها سواكما، لحظات الصمت المليئة بكل المعاني.. كلها تصير أرشيفًا حيًا، ليس مجرد ذكريات، بل وقودًا يوميًا يُذكّرك أنك عشت يومًا ما بطعم الفردوس.. هنا يكمن الجرح النازف؛ فالفردوس ضاع، ولم يعد ثمة عودة.
الغريب أن هذا الحضور الدائم ليس اختياريًا.. إنه أشبه بـ”متلازمة الشبح العاطفي”.. فالحبيب الغائب (بموتٍ، أو فراقٍ، أو هجران) لا يغادر.. إنه يرسل إشاراته من الماضي؛ رائحة عطرٍ ما تقلب معدتك، أغنية قديمة توقف الزمن، مكانٌ مشترك يعيدك فجأةً إلى تلك اللحظة بالذات.. أنت لا تتذكره؛ أنت تعيشه من جديد. والقلب، ذلك العضو المتمرد، يرفض التكيف مع عالمٍ بلا ذلك الوجه.. ينبض كأنه ينتظر إشارة للعودة إلى الزمن القديم، إلى تلك الأيام التي كان فيها كل شيء مكتملًا.
والنتيجة؟ تيهٌ وجودي عميق.. كيف تعاش الحياة بعد أن فقدت نجمتها القطبية؟ كيف تبنى خططٌ، تُحلم أحلامٌ جديدة، أو حتى تمنح الثقة لشخص آخر، والقلب ما زال رهين ذلك السجن الذهبي الجميل؟ تصير الحياة سلسلة من الأيام التي تعاش بجسدٍ حاضرٍ وروحٍ غائبة.. العالم من حولك يفقد ألوانه الحقيقية، ويصير خلفيةً باهتة لمشهدٍ رئيسي يعيش في رأسك.. الذكريات ليست عزاءً؛ بل هي إبرٌ من حنينٍ تحقن في روحك كل يوم.
هذا الحب الخالد ليس رومانسيةً زائدةً أو ضعفًا.. إنه شهادة على قدرة الإنسان الفائقة على التعلق، وعلى أن بعض اللقاءات ليست عابرةً، بل هي “نقشٌ في صخر”. قد يقول البعض إنه حبٌ مرضي، لكنه في الحقيقة تحنيطٌ طوعي لأجمل ما فينا.. نرفض أن نموت عاطفيًا، فنحن نختار أن نحمل هذا الألم الجميل كوسام شرفٍ على صدورنا.. نفضل أن نبقى تائهين في صحراء الذكرى على أن ننسى وطأة ذلك الضوء الذي أضاء حياتنا يومًا ما.
لذا، عندما ترى إنسانًا كبرت سنه لكن عينيه ما زالتا تبحثان في وجوه الغرباء، عن ومضةٍ مألوفة، أو تسمع شخصًا يتحدث عن حبيبٍ غاب قبل عقود كأنه غادر البارحة، فاعلم أنك أمام معجزةٍ مأساوية؛ القلب البشري الذي يرفض أن يدفن موتاه العاطفيين. في هذا المتحف الحي للذاكرة، يظل الحبيب جالسًا على عرشه، لا يغادره حتى بعد أن يغادر صاحبه عالم الأحياء.. فالموت قد يخطف الأجساد، لكنه عاجزٌ عن انتزاع مكانٍ احتله إنسانٌ صار جزءًا لا يتجزأ من نسيج روحٍ أخرى.
*كاتب يمني